من آفات الثقافة العربية "المعرفة الشفاهية"، التي تجعل فئةً كالمثقفين أنفسهم يتناقلون مصطلحًا، دون النظر إلى سياقه، وبهذا الشكل مثلًا وصموا الكاتب السياسي الأمريكي صمويل هنتينغتون بأنه دعا لـ"صدام الحضارت"، مع أن هذا يجافي الحقيقة، فالغالبية لم يقرأوا ما كتبه، واكتفوا بتدوير المصطلح، منزوعًا من الفهم، وحوَّلوه إلى تهمة له وللغرب، ولم يكونوا في هذا بمفردهم، ففي الغرب أيضًا استُخدِم المصطلح في تفسير الحروب، من أدباء وسياسيين وعلماء اجتماع بل ورؤساء، حتى أن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بدا كأنه يحلل به غزواته في العراق وأفغانستان، وهو ما يعني أن سوء الفهم، ومكان الإنسان في العالم يحدِّدان طريقة رؤيته واستخدامه لهذا المصطلح أو تلك النظرية.


ينشغل الكاتب المصري الدكتور أحمد السعيد في كتابه "ما بعد الهيمنة"، بإزالة سوء الفهم الذي لحق بأحداث ومصطلحات سياسية، ومنها هذا المصطلح، أي "صدام الحضارات"، الذي ألحق الظلم بصاحبه، سواء من خصومه أو أنصاره. وهذا ما يعطي للكتاب أهميته، فهو لا يكتفي بالمسلَّمات والمقولات المستقرة في الوعي، بقدر ما يسعى إلى خلخلتها، وتنقيتها من شوائب التناقض، والتشويه، والفهم الخاطئ.

صحيح أن السعيد يفنِّد "صدام الحضارات"، ويخصص له فصلًا كاملًا (الثاني) انطلاقًا من هذا المصطلح، أي أنه يُقرُّ بوجوده بداهة، لكنه يمنحنا المعلومة الدقيقة من مصدرها في كتاب هنتينغتون، كما يؤكد أن المصطلح ليس اختراعه، فقد استعاره من مستشرق بريطاني أمريكي هو برنارد لويس، استخدمه قبل هنتينغتون بثلاث سنوات، أي في عام 1990 في مقالة نشرها بمجلة "ذا أتلاتيك" تحت عنوان "جذور الغضب الإسلامي".

يقول: "كان لويس يُحاجج في تلك المقالة بأن جذور الغضب الإسلامي لا تكمن في شرور الغرب، بقدر ما تكمن في (شعور بالإهانة) في العالم الإسلامي، نابع من أن حضارة المسلمين (الفخورة) قد (جرى تجاوزها وإخضاغها واكتساحها من قبل مَن اعتبروهم أدنى منهم)".


يفسِّر السعيد سبب التصاق المصطلح بهنتينغتون رغم أن برنارد سبقه، فبرنارد كان يكتب في مجلة لا تقرؤها إلا النخبة، بينما هنتينغتون كان عالم سياسة في جامعة هارفارد ويكتب في مجلة شهيرة هي "فورين أفريز" تصل لقطاعات واسعة من الباحثين والمهتمين وحتى القراء العاديين.

تحوَّل المصطلح إذن إلى صكٍّ باسمه، يُذكَر في سجالات المثقفين والسياسيين ويستخدمه الملوك والرؤساء.
لم يدعُ هنتينغتون إلى "صدام الحضارات؟"، ولم يتمنَّه، حتى أنه وضع علامة استفهام بعده، تشبه علامة التحذير، لكن القراء اعتبروها جملة حازمة، كما يقول السعيد، وعاملها القادة كوصفة جاهزة. افترض هنتينغتون أن العالم سينقسم في المستقبل إلى سبع أو ثماني حضارات كبرى، وأن الصدامات ستحدث على خطوط التماس بين هذه الحضارات.


يتوسَّع السعيد في طرح الآراء المناهضة لهذه النظرية، فالمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، رأى أن الحضارات ليست مثل كرات بلياردو صلبة تتناطح وتتتباعد، إنما أنهار تتدفق فيها المياه من ينابيع متعددة وتصبُّ في بحار مشتركة.

يصل السعيد إلى فكرته بالتدريج بلغة بسيطة وجميلة لا تفقد رصانتها البحثية، فواحد من قراء كتابه مثلًا قد يكون مسلمًا، يرتدي زي بلده التقليدي، لكنه لا يمانع في ارتداء الملابس الإفرنجية، يشجِّع فريقًا محليًا، لكنه قد يشجع أيضًا فريقًا من الدوري الإنجليزي أو الإسباني أو الإيطالي، يعشق أم كلثوم لكنه يعشق أيضًا إيدث بياف، يقرأ لكتَّاب ومفكرين وفلاسفة، من أوروبا وأمريكا ويعجب بهم، وبهذا المعنى يصعب فصل الإنسان عن محيطه العالمي خاصة مع التقدم المذهل لوسائل التواصل، كما يصعب فصل الثقافة أو عزلها خلف جدران عالية، وكذلك يصعب تصديق أن الحضارة هي كتلة جامدة وشديدة النقاء، أي لم تدخلها تأثيرات من الحضارات الأخرى.


يصل السعيد إلى مراده، إذ يقول إننا لو أردنا أن نقرأ هنتينغتون قراءة جادة فلا يكفي أن نرفضه وإنما نسأل أنفسنا: لماذا صكَّ مصطلحه في هذه اللحظة بالذات ولماذا اعتبرناها كالقدر؟ يلفت السعيد إلى أن العالم كان ينقسم إلى ثنائيات، أمريكا والاتحاد السوفييتي، رأسمالية واشتراكية، حلف الناتو وحلف وارسو، وبعد انهيار هذه الثنائيات احتاج إلى واحدة جديدة، وهكذا توصَّل إلى ثنائيات جديدة كالغرب والإسلام، الغرب والصين، الحضارة والآخر، كما أن الأحداث في العالم العربي بدت وكأنما تصدق الأطروحة، من حرب الخليج، إلى صعود الجماعات المتطرفة، إلى أحداث 11 سبتمبر، وحروب العراق وأفغانستان، كما أن الثقافة العربية لم تقدِّم بديلًا ينافس تلك النظرية.


يبدو الكتاب في كل فصوله محاولة لإزالة اللبس، وسوء الفهم، في العلاقة مع الآخر، أيًا كان هذا الآخر، الغرب أو الشرق، أمريكا أو الصين. والمدهش أنه مع تدفق المعلومات والصور والفيديوهات من كل مكان، يزداد سوء الفهم بشكل غريب، فالخوارزميات غالبًا تختار لك ما يعجبك، وما يتواءم مع تصورك عن نفسك وعن الآخر، وبذلك تحولك إلى كائن معزول وغارق في ذاته.

إنها تصنع لك واقعًا يخصك تستلهمه من معلوماتك لديها، وتشيِّده ليناسب عقلك وعواطفك وتوجهاتك، وربما قد تقضي عمرك دون أن تنتبه لاختلاف العالم خارج فقاعتك! وربما لهذا السبب بدا الفزع كبيرًا داخل أمريكا وخارجها بعد فضيحة "كامبريدج أناليتيكا"، حيث استُخدمت بيانات 87 مليون مشترك في الفيسبوك لتطوير ملفات نفسوغرافية تستميلهم لتأييد ترامب.

يكتب السعيد: "أسوأ من ذلك أن الشركة كانت تحوِّل خرائطها النفسية إلى رسائل مخصَّصة لكل فرد، تُغذِّي مخاوفه، وتؤجج غضبه، وتدفعه نحو قرار سياسي بعينه. لم يكن المستخدمون يعرفون أن ما يصلهم مختلف عما يصل جيرانهم. كل واحد كان يعيش في حقيقته الخاصة، المصنوعة له بدقة على مقاس انحيازاته".


يواصل السعيد رسم الطريقة التي تدير بها أمريكا السياسة العالمية، فهي غالبًا تنطلق من فرضية، ثم تبدأ في زرعها بطرق غير مباشرة في مجتمعات بعيدة، بهدف توسيع رقعة الرأسمالية والتبشير بثقافة أمريكا نفسها، لكن في كل مرة كانت الفرضية تسقط، لأنها لم تضع الخصوصية الثقافية لكل مجتمع في الحسبان.

يتتبع السعيد نظرية التحديث التي رسم ملامحها الأولى الأكاديمي الأمريكي والتان ويتمان روستو في كتابه "مراحل النو الاقتصادي.. بيان غير شيوعي"، ومن بعده ألحق بها عشرات من تلاميذه تغييرات وإضافات أكسبتها شكلها النهائي، وهي تفترض خمس مراحل يجب أن يمر بها كل مجتمع، أن يولد تقليديًا، ثم يُوجِد الشروط التمهيدية للانطلاق، ثم يبدأ الانطلاق ذاته، ثم ينطلق نحو النضج، ثم يدخل عصر الاستهلاك الجماعي الكبير.

يعلق السعيد: "كانت الفكرة في جوهرها بسيطة وصادمة: لا توجد طرق متعددة للحداثة، إنما هو طريق واحد، وعلى كل المجتمعات أن تسلكه. الفارق بين دولة متقدمة وأخرى متأخرة فارق في الموقع على المنحنى ذاته، لا في الجوهر".
طبَّق الأمريكيون نظرية روستو على فيتنام، وصرفوا مليارات الدولارات لينجحوها، لكنَّ فشلها كتب نهاية رئاسة ليندون جونسون، ثم صار الفشل لصيقًا بها في كل مجتمع حاول أن يُطبِّقها، فمثلًا انهارت إمبراطورية شاه إيران بعد أن بدت بلاده على شفا الرخاء والتحديث، وارتضت مع الثورة الدينية أن تقبع راضية في الماضي.


وبعد نظرية التحديث ظهرت نظرية أخرى هي "إجماع واشنطن" على يد الاقتصادي الأمريكي جون ويليامسون. ضمَّت وصفة من عشر نقاط محددة تستطيع الدول النامية من خلالها أن تلتحق بركب الحداثة، ومنها الانضباط المالي، وإعادة توجيه الإنفاق العام بعيدًا عن الدعم، والإصلاح الضريبي، وتحرير أسعار الفائدة، واعتماد سعر صرف تنافسي، وتحرير التجارة، إلخ، لكن السردية فشلت في روسيا والأرجنتين وسقطت أمام ثورات الربيع العربي.


الكتاب لا يكتفي بأن يمنح المعلومات للقارئ، لكنه يدفعه إلى التفكير، وطرح الأسئلة، ومساءلة نفسه قبل مساءلة الآخر، والأهم أنه يضع يده على عشرات المراجع، العودة إليها، تعني أنه خرج من فقاعته، وبدأ يبحث بنفسه عن واقع حقيقي، لا واقع تصنعه الخوارزميات.

لقد خاض المؤلف نفسه الدكتور أحمد السعيد هذه الرحلة، متجهًا إلى الشرق، وتحديدًا إلى الصين، وتوغل في ثقافتها، وسأل نفسه لماذا لا نرى الصين كما ترى نفسها من الداخل؟ وكرَّس مشروعًا للترجمة في داره "بيت الحكمة"، لنقل كتبٍ من وإلى الصينية، تجاوزت حتى الآن الألف الكتاب، وصنعت جسرًا حقيقيًا بين العرب والصين، بعيدًا عن التصور النمطي والمغلوط، وهذا ما يحاول أن ينقل عدواه إلى الآخرين.