تخيل أن شركتك تستعد لإطلاق منتج جديد، وقد رصدت ميزانية كبيرة لتطوير نموذج أولي منه. لديك فكرة ترى أنها واعدة، وكذلك فرانك وجيل، زميلاك اللذان تجمعك بهما علاقة ودية لكن يشوبها شيء من المنافسة. يطلب منكم المدير أن يعمل كل واحد مع فريقه لإعداد مقترح، على أن تُرفع المقترحات الثلاثة لاحقاً إلى المسؤولين للمفاضلة بينها.

قبل سنوات قليلة، كانت المهمة ستبدأ ببحث طويل يستغرق أسابيع. ستدرس أنت وفريقك حركة السوق، وتراجعون ما يقدمه المنافسون، وتبحثون العقبات التي قد تعترض دخول المنتج إلى السوق، وتحسبون تكاليف التصنيع، وتناقشون أفكاراً تتعلق بالعلامة التجارية. وبعد جمع كل هذه المعلومات وتحليلها، تبدأون أخيراً في كتابة المقترح.

لكن فريقك يضم هذه المرة زميلة جديدة وهي كلوديت، وهي خريجة جامعية حديثة تجيد التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي. تُنظّمُ بضع جلسات للعصف الذهني وتسجل ما يدور فيها، ثم تقدم النصوص إلى نموذج لغوي كبير ليضع خطة للبحث. تراجع الخطة وتعدلها، ثم توزع أجزاء منها على وكلاء يعملون بالذكاء الاصطناعي، وتستعين بوكلاء آخرين للتحقق من المعلومات. وفي النهاية تجمع النتائج كلها وتعيد ترتيبها في صورة متماسكة.

في غضون أسبوع تصبح المسودة الأولى جاهزة، بما فيها الصور والرسوم التوضيحية. وبعد أن يراجعها أعضاء الفريق ويقدموا ملاحظاتهم، تحتاج كلوديت إلى بضعة أيام فقط لإنجاز النسخة المعدلة. تقرأ المقترح، فلا تجد فيه ما يدعو إلى القلق، بل يبدو ممتازاً، فتضغط زر «إرسال».

بعد ذلك بقليل، تقع عيناك على مقترحيَْ فرانك وجيل. وسرعان ما تكتشف أن فريقيْهما يضمان موظفين حديثي التخرج يعرفون كيف يوظفون الذكاء الاصطناعي. والمفاجأة أن المقترحين جاءا على الدرجة نفسها تقريباً من الإتقان، فالبحث واسع، والبيانات كثيرة، والكتابة مصقولة، والمواد البصرية جذابة. لقد أصبح الجميع، بلا استثناء، أكثر سرعة وكفاءة، وتحسنت جودة ما ينتجونه. غير أن هذا التحسن يوجد مشكلة جديدة، لك ولرؤسائك على حد سواء.

في السابق، كان المسؤولون يستطيعون أن يستدلوا من جودة المقترح على شيء من قدرات صاحبه. فالعمل المتقن كان يكشف، ولو بصورة غير مباشرة، عن ذكاء الموظف وإبداعه وطموحه ومقدار الجهد الذي بذله. وكان من الطبيعي افتراض أن أفضل النتائج تأتي من أكثر الموظفين كفاءة والتزاماً. أما حين تصبح جميع المقترحات ممتازة، فمن الصعب أن تعرف من يقف فعلاً وراء هذا التميز.

وأنت أيضاً تجد نفسك أمام المعضلة نفسها: كيف تثبت أنك أفضل من منافسيك؟

كان للعمل في السابق أثر آخر. حين تقضي أسابيع في البحث والمراجعة وإعادة الصياغة، تنشأ لديك بالتدريج قناعة بالفكرة التي تدافع عنها. فالوقت الذي تمضيه معها يتيح لك اختبارها، واكتشاف مواطن ضعفها، ثم تحسينها حتى تصبح واثقاً منها. أما الذكاء الاصطناعي فقد اختصر الطريق إلى النتيجة النهائية، لكنه اختصر معه أيضاً الوقت الذي تحتاج إليه لكي تتأكد من أنك على صواب. فماذا لو لم تكن فكرتك جيدة كما تبدو؟

في كتاب معنون «الوظائف المعقدة: العمل الذي لا يصل إليه الذكاء الاصطناعي»، يتوقع الاقتصاديون لويس غاريكانو وجين لي ويانهوي وو أنه إذا أصبح كل فريق قادراً على الاستعانة بالذكاء الاصطناعي لإنتاج تحليلات أفضل تدعم موقفه، فإن الحاجة إلى حسم الخلافات واتخاذ القرارات استناداً إلى السلطة ستزداد بصورة كبيرة. ذلك أن القرارات داخل المؤسسات لا تُحسم دائماً بقوة الحجة وحدها. ففي أحيان كثيرة يكون السؤال الحقيقي: من الذي يقرر؟

من الموظف الذي يمكن الوثوق به عندما يتعلق الأمر بقرار جريء؟ ومن لا تزال خبرته أقل من أن يتحمل مسؤولية كبيرة؟ وما الأفكار التي تبدو رائعة كلما طُرحت، لكنها تفشل دائماً عند تطبيقها؟ وماذا يريد الرئيس التنفيذي فعلاً، وإن لم يقله صراحة؟

الإجابة عن هذه الأسئلة تعتمد على نوع من المعرفة لا نجده عادة في التقارير والوثائق. إنها معرفة تتكون من الخبرة والاحتكاك بالناس وفهم العلاقات داخل المؤسسة، من أشياء يعرفها العاملون فيما بينهم من دون أن تكون مكتوبة في مكان ما. ولهذا يصعب على أنظمة الذكاء الاصطناعي الوصول إليها.

بل إن كثرة المحتوى الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي قد تجعل الوصول إلى هذه المعرفة أصعب. فإذا باتت كل رسالة تقدم لوظيفة مكتوبة بإتقان، وكل مذكرة شاملة ومنظمة، فكيف يعرف المدير الشخص الذي يمكن الاعتماد عليه حقاً؟ وإذا أصبح الجميع قادرين على توليد أفكار جيدة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، فكيف يمكن معرفة من يملك الإبداع فعلاً؟

ظهر «تشات جي بي تي» للمرة الأولى عام 2022، ثم جاء «كلود» في العام التالي. ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى بدأت التوقعات تتحدث عن كارثة وشيكة ستعصف بسوق العمل. ولا خلاف على أن الناس وجدوا في الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة، فالدراسات واستطلاعات الرأي تشير إلى تزايد أعداد الموظفين الذين يستخدمونه يومياً في أعمالهم المكتبية. بل إن مجالات مثل البرمجة والتوظيف والبحث العلمي والقانون تشهد بالفعل تحولات واضحة بسببه.

ومع ذلك، لا يزال من الصعب قياس أثر الذكاء الاصطناعي في سوق العمل بصورة دقيقة. فكثير من الموظفين يستخدمونه بعيداً عن أعين إداراتهم، ومن أجهزتهم الخاصة أحياناً، فيوفرون به الوقت أو يحسنون جودة أعمالهم، من دون أن يظهر أثر ذلك بالضرورة في النتائج المالية لمؤسساتهم.

وفي الوقت نفسه، أصبح الحصول على وظيفة أكثر صعوبة أمام الخريجين الجدد، وربما بدأت بعض وظائف خدمة العملاء في الاختفاء. لكن الصورة ليست بهذه البساطة؛ ففرص العمل المتاحة لمهندسي البرمجيات، التي تراجعت بشدة في عام 2025، عادت إلى الارتفاع في 2026. فهل يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي بدأ يخلق وظائف جديدة في قطاع البرمجيات؟ أم أن القطاع يتعافى فحسب من موجة تقليص العمالة التي أعقبت الجائحة؟ لا أحد يعرف على وجه اليقين.

وفي يوليو، حذّر فريق من الباحثين في جامعة ستانفورد من التسرع في استخلاص النتائج، مؤكدين أن المؤشرات الأولية لا يمكن أن تكون القول الفصل في مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي.

وجزء من صعوبة الإجابة يكمن في أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئة العمل كشف لنا أننا ربما لا نفهم العمل نفسه بالقدر الذي كنا نظنه. لماذا صُممت وظائفنا بالصورة التي نعرفها اليوم؟ وإلى أي مدى يمكن أن تتغير؟ وما الذي يبقى إنسانياً بطبيعته في الأعمال التي نؤديها، وما الذي يمكن أن تتولاه الآلة؟ ثم ما الذي يجعل العمل مع شخص بعينه ذا قيمة تتجاوز مجرد ما ينتجه؟

ومع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي، بدأت الفكرة المبسطة التي تتنبأ بزوال الوظائف على نطاق واسع تتراجع، لتحل محلها أسئلة أكثر تعقيداً، لا يزال المديرون والموظفون في بداية البحث عن إجابات لها.

يستخدم الاقتصاديون مصطلح «دالة الإنتاج» لوصف العلاقة بين ما نبذله في إنتاج شيء ما والنتيجة التي نحصل عليها. ولتبسيط الفكرة، تخيل أنك تدعو عشرة أشخاص على العشاء. إذا اخترت أن تقدم لهم شرائح اللحم مع البطاطا المقلية، فسيكون عليك إعدادها في الدقائق القليلة التي تسبق جلوس ضيوفك إلى المائدة. وإذا لم يكن في موقدك سوى أربع شعلات، فسيتعين عليك طهو شرائح اللحم على دفعات. وإذا حضر ضيف إضافي، فلا بد من إعداد شريحة أخرى له.

لكن الأمر يختلف إذا قررت إعداد قدر كبير من الحساء. يمكنك إنجاز معظم العمل قبل المناسبة بيوم أو يومين، ثم لا يبقى عليك عند وصول الضيوف سوى وضع القدر على النار. وإذا ظهر ضيف إضافي، فلن يمثل ذلك مشكلة في الغالب؛ فهناك على الأرجح ما يكفيه من الطعام.

إذن، لكل من الوجبتين «دالة إنتاج» مختلفة تماماً. ولو رسمنا العلاقة بين مقدار الجهد والنتيجة التي نحصل عليها، لظهر أمامنا منحنيان مختلفان.

ويناقش كتاب «الوظائف المعقدة»، من بين ما يناقشه، الكيفية التي يغير بها الذكاء الاصطناعي هذه العلاقة داخل بيئة العمل. ويرى مؤلفوه أن الذكاء الاصطناعي يرسم «شكلاً جديداً للتقدم» في إنجاز الأعمال، لكنه ليس تقدماً يسير بصورة منتظمة نحو نتائج أفضل كلما بذلنا مزيداً من الجهد.

ويستشهد المؤلفون بدراسة أُتيحت فيها لفنانين أدواتٌ تعمل بالذكاء الاصطناعي، لمساعدتهم على إنجاز رسم يصور مشهداً من رواية. وفي غضون نصف ساعة فقط، وصل الفنانون إلى مستوى من الجودة كان سيحتاج إلى ساعتين من العمل اليدوي. لكن المفاجأة أن التحسن تباطأ بعد تلك النقطة.

فقد مكنهم الذكاء الاصطناعي من الوصول سريعاً إلى صورة مصقولة قبل أن يمنحوا أنفسهم الوقت الكافي للتفكير في تكوينها الفني. وحين حاولوا بعد ذلك الارتقاء بها إلى مستوى أفضل، وجدوا المهمة أكثر صعوبة. وظل بعضهم يعدل الأوامر التي يقدمها للذكاء الاصطناعي ويصلح التفاصيل، لكن التحسن الإضافي كان بالكاد يُلحظ.

وفي النهاية انقسم الفنانون إلى فئتين: فئة توقفت عن العمل بعد نحو ساعة، وأخرى واصلت المحاولة من دون أن تحقق تقدماً يُذكر.

ويطلق غاريكانو ولي وو على هذه الظاهرة اسم «دالة إنتاج 90/10». فالذكاء الاصطناعي يجعل الوصول إلى مستوى جيد جداً، لنقل تسعين في المائة من الجودة المطلوبة، أمراً سهلاً وسريعاً. لكن عندما تحاول الانتقال من هذا المستوى إلى الإتقان الحقيقي، قد تجد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد قادراً على مساعدتك بالقدر نفسه.

ومن هنا يصبح التحدي في التمييز بين نوعين من المهام: مهام يكفي فيها أن يكون العمل جيداً ومقبولاً، ومهام أخرى لا يكفي فيها سوى التميز. وبطبيعة الحال، هناك مجالات يكون فيها المستوى الرفيع مطلوباً في معظم الأحيان.

ولا بد للموظف من معرفة نوع المهمة التي أمامه منذ البداية، لأن كل نوع قد يحتاج إلى طريقة مختلفة تماماً في العمل. وكما لا يمكنك أن تبدأ بإعداد الحساء ثم تقرر في منتصف الطريق تحويله إلى شرائح لحم وبطاطا مقلية، لا يمكنك دائماً أن تبدأ عملاً على أساس أن المستوى المقبول يكفي، ثم تقرر في نهايته أنك تريد الوصول به إلى مستوى استثنائي.

أما المديرون، فيواجهون تحدياً آخر: كيف يميزون الأداء المتفوق ويكافئونه في المهام التي تتطلب التميز؟

يسأل مؤلفو الكتاب: «كيف تفرق بين موظف دفع جودة عمله إلى 98 في المائة وآخر توقف عند 91 في المائة؟». فإذا لم تدقق جيداً، فقد يبدو الاثنان متطابِـقـَيـْن من الخارج.

لكن الشركات لا تنتج السلع والخدمات فحسب، بل تصنع الخبرات أيضاً. فهي، في أفضل الأحوال، تمنح موظفيها فرصة لأن يصبحوا مع مرور الوقت أكثر معرفة وحكمة وأهلاً للثقة. ومن هنا تطرح «دالة إنتاج 90/10» سؤالاً مهماً يتعلق بصناعة الموظف الخبير نفسه: كيف سيكتسب المبتدئون الخبرة إذا أصبح الذكاء الاصطناعي يتولى الأعمال التي كانوا يتعلمون من خلالها؟

فالمحامون المبتدئون، على سبيل المثال، يتعلمون جانباً من المهنة بإعداد الوثائق البسيطة التي يستطيع الذكاء الاصطناعي اليوم إنجازها. والأطباء المتدربون يصلون إلى القدرة على تشخيص الحالات المعقدة بعد أن يتعلموا التعامل مع الحالات الأسهل. ومن خلال هذه المهام يبني الموظف الشاب سجلاً مهنياً وشبكة من العلاقات، ويتعرف إليه رؤساؤه عن قرب ويكتشفون مدى قدرته على تحمل المسؤولية والثقة به.

والوصول إلى موقع يمنحك سلطة اتخاذ القرار، أي أن تكون ممن يحسمون «من تمضي كلمته»، يتطلب أكثر بكثير من مجرد القدرة على إنجاز المهمة. عليك أن تفهم الصورة كاملة: أن تعرف، مثلاً، أن جيف في قسم المحاسبة يتأخر دائماً، وأن استشارة ليندا في قسم التسويق تستحق الوقت، وأن صباح الخميس هو أسوأ توقيت لعرض فكرة على المديرة المالية قبل اجتماعها مع رئيسها. كما أن علاقات العمل تقوم على تبادل الخدمات والمواقف، فأنت تقدم خدمة لشخص اليوم، وقد تحتاج إليه غداً.

لكن كيف يكتسب الموظف كل هذه المعرفة والخبرة والعلاقات إذا كان جل ما يفعله هو كتابة الأوامر للذكاء الاصطناعي؟

إذا كان العمل بهذا القدر من التعقيد، فهل يبقى للذكاء الاصطناعي مكان فيه؟ يرى مؤلفو كتاب «الوظائف المعقدة» أن الإجابة هي نعم، وأن هذه التقنية يمكن أن تقدم قيمة كبيرة لكثير من الشركات والعاملين. وربما لهذا السبب تحديداً بدأ الموظفون يستخدمونها من تلقاء أنفسهم، حتى من دون إشراف رؤسائهم.

ويرى المؤلفون أن بعض الوظائف ستختفي بالفعل بسبب الذكاء الاصطناعي، ولا سيما تلك التي تقوم على مهام محددة ومتوقعة يؤديها الفرد عادة بمفرده. لكن كثيراً من الوظائف لا يتكون من مهمة واحدة، بل من مجموعة مهام مترابطة، لا يمكن أتمتتها كلّها.

وهنا يتوقف تأثير الذكاء الاصطناعي على طبيعة هذا الترابط. فهناك ما يسميه المؤلفون «الحزمة الضعيفة»، حيث يمكن فصل المهام بعضها عن بعض من دون خسارة تذكر. وفي المقابل هناك «الحزمة القوية»، التي يؤدي تفكيكها إلى فقدان جانب من قيمة العمل. وكثير من الوظائف ينتمي إلى النوع الثاني. فعندما نذهب إلى الطبيب، نفضل عادة أن يكون من يصف لنا الدواء هو نفسه من شخّص حالتنا، وأن يتحمل المسؤولية القانونية إذا حدث خطأ. وعندما نتعاقد مع مورد، نريد أن يكون الشخص الذي نتفاوض معه اليوم هو نفسه الذي نستطيع العودة إليه بعد عامين، وأن يكون على دراية بما يبيعه لنا ويتابع تنفيذه بعد إتمام الصفقة.

بهذا المعنى، تتكون وظيفة كل من الطبيب وموظف المبيعات من «حزمة قوية» من المهام المترابطة. ويمكنك أن تسأل نفسك: هل تتطلب وظيفتي أداء مهام مختلفة في أوقات مختلفة؟ وهل أصبحت أفضل في جانب من عملي لأنني أمارس جوانب أخرى منه؟ إذا كانت الإجابة نعم، فمن المرجح أن تكون مهام وظيفتك مترابطة على نحو يصعب معه فصل بعضها عن بعض.

ويرى غاريكانو ولي وو أن أصحاب هذه الوظائف هم من أكثر الفئات التي يمكن أن تستفيد من الذكاء الاصطناعي. ويطرحون صورتين لهذه الاستفادة.

يسمون الأولى «الروبوتات في الأعلى». في هذه الصورة يتيح الذكاء الاصطناعي للموظف خبرات ومعارف لم تكن متاحة له من قبل، فيقل احتياجه إلى الرجوع إلى رئيسه كلما واجه مشكلة، ويصبح قادراً على إنجاز المزيد بمبادرة منه.

أما الصورة الثانية فيسمونها «الروبوتات في الأسفل». وهنا يتولى الذكاء الاصطناعي المشكلات الروتينية والمتكررة، بينما يتفرغ الإنسان للحالات الاستثنائية التي تحتاج إلى خبرة وحكم بشري.

وفي الحالتين ترتفع قيمة الموظف، ولا سيما صاحب الخبرة. لكن ذلك لا يعني أن الجميع سيكونون في مأمن. ففي بعض القطاعات، قد يرفع الذكاء الاصطناعي قدرات العاملين، ومع ذلك يؤدي إلى تقليص أعدادهم. فإذا أصبح كل موظف قادراً على إنجاز قدر أكبر من العمل، بينما ظل حجم الطلب على حاله، فلن تعود المؤسسة بحاجة إلى العدد نفسه من الموظفين.

لكن الطلب قابل للنمو في قطاعات كثيرة. ففي الرعاية الصحية، مثلاً، تكاد الحاجة إلى خدمات أفضل وأقل تكلفة لا تعرف حدوداً. وإذا ساعد الذكاء الاصطناعي الأطباء وغيرهم من العاملين في المجال الصحي على إنجاز المزيد، فقد لا يعني ذلك أن عملهم سيتناقص، بل قد يجدون أمامهم مزيداً من العمل الذي يمكن إنجازه.

يبدو رواد الأعمال في موقع مثالي للاستفادة من الذكاء الاصطناعي؛ فلا هيكل إداري يقيد حركتهم أو يفرض عليهم طريقة محددة للعمل. أما الموظفون في الشركات الكبرى، فيحتاجون إلى مديرين يدركون الإمكانات التي تتيحها هذه التقنية، ويعيدون على أساسها تنظيم أساليب العمل.

ويرى مؤلفو «الوظائف المعقدة» أن أكثر الموظفين ندرة وأهمية في هذه المرحلة الانتقالية هم أولئك القادرون على مساعدة مؤسساتهم في التكيف مع الذكاء الاصطناعي. والمفارقة، في رأيهم، أن أفضل من يستطيع القيام بهذا الدور ليس بالضرورة مدير تقنية المعلومات أو المستشار الخارجي، وإنما الموظف العادي الذي يعرف من الداخل كيف يسير العمل فعلياً، ويدرك تفاصيله اليومية ومشكلاته التي قد لا تظهر في الخطط والتقارير.

ويضرب المؤلفون مثالاً ناجحاً على ذلك ببنك «BBVA» الإسباني، وهو مؤسسة ضخمة تضم أكثر من 120 ألف موظف وتخدم نحو 80 مليون عميل. فبدلاً من إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي لجميع الموظفين دفعة واحدة، اختارت إدارة البنك في البداية الأشخاص الأكثر حماساً لهذه التقنية من مختلف أقسام المؤسسة، ثم كافأت من توصل منهم إلى طرق مجدية لاستخدامها.

وهكذا جاء التغيير من داخل المؤسسة، لا بقرار يُفرض من الإدارة العليا إلى المستويات الأدنى. لقد قاده موظفون جمعوا بين ثلاث خصال مهمة وهي فهم التقنية، ومعرفة التفاصيل الدقيقة للعمل اليومي، والوعي بحسابات بيئة العمل والعلاقات الداخلية التي قد تقاوم التغيير.

غير أن اجتماع هذه الصفات الثلاث في شخص واحد ليس شائعاً. ويرى المؤلفون أن ندرة هؤلاء الأشخاص هي أحد الأسباب التي تحول دون أن يغير الذكاء الاصطناعي عالم العمل بالسرعة التي توقعها البعض. ولهذا، فإن المديرين الذين يدركون ما يجري سيبدأون البحث عنهم.

لكن هل أصاب كتاب «الوظائف المعقدة» في تحليله؟

من جوانب كثيرة، يقدم الكتاب رؤية تبعث على شيء من الاطمئنان. فالذكاء الاصطناعي، وفقاً لتحليله، ليس فقاعة عابرة، وإنما تقنية جديدة ذات قيمة حقيقية، لكنها معقدة وتحتاج إلى وقت حتى نتعلم أفضل السبل لاستخدامها. وبدلاً من أن يقود إلى انهيار واسع في سوق العمل، يُرجح أن يضر ببعض العاملين، بينما يمنح آخرين القدرة على إنجاز المزيد وتحقيق قيمة أكبر لأنفسهم ولمؤسساتهم.

لكن هناك احتمالين آخرين، وكلاهما غير مُطَمْئـِن.

الأول أن تفشل الإدارات في توظيف الذكاء الاصطناعي على النحو الصحيح. فبدلاً من أن ترى فيه وسيلة لتعزيز قدرات الموظفين وزيادة قيمتهم، قد تنظر إليه في المقام الأول بوصفه أداة لخفض التكاليف والاستغناء عن العاملين. وقد ينتهي بها الأمر إلى إضعاف مؤسساتها من الداخل.

أما الاحتمال الثاني، فهو أن يتسارع تطور الذكاء الاصطناعي أكثر مما نتوقع، فتصبح بعض الأعمال سهلة ورخيصة إلى درجة يمكن معها تفكيك الوظائف التي وصفناها سابقاً بأنها «حزم قوية» إلى مهام منفصلة، فتتحول بذلك إلى «حزم ضعيفة» يسهل توزيع أجزائها بين الإنسان والآلة أو إسناد جانب أكبر منها إلى الذكاء الاصطناعي.

لا أحد يستطيع أن يجزم بما سيحدث. وحده الزمن سيكشف لنا ذلك. أما ما نستطيع فعله الآن، وربما كان هذا هو الخيار الأفضل المتاح لنا، فهو أن نتأكد من أننا نطرح الأسئلة الصحيحة.