تُعد فترة حكم السلطان سعيد بن تيمور الممتدة من عام 1932م إلى عام 1970م، على مدى 38 عامًا، من الفترات الغزيرة بالأحداث والتقلبات والتحولات.

وبالرغم من تباين الآراء بشدة بين المؤرخين والباحثين حول شخصية السلطان سعيد وحول السياسة التي انتهجها وألقت بظلالها الحالكة على مفاصل الدولة وحيوية المجتمع، إلا أن الحق يُقال بأن شخصيته امتلكت من الدهاء السياسي الشيء الكثير والمثير، ولو وُظف ذلك في تطوير وتحديث مؤسسات الدولة لكان اختصر على عُمان سنوات من العزلة والمرض والفقر والجهل أيضًا.


إن اكتشاف النفط في عُمان وانقسامها بين سلطتين سياسيتين ممثلتين في سلطة السلطان سعيد بن تيمور (السلطنة) وسلطة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، ومن بعده الإمام غالب بن علي الهنائي (الإمامة)، جعلا من عُمان مسرحًا للكثير من التجاذبات وطرح مقترحات من واقع تلك الأوضاع والمستجدات على المستويين السياسي والاقتصادي، وكانا أحد الأسباب التي أدت إلى تأخير الاستفادة من التصدير التجاري للنفط حتى العام 1967م.

وبالعودة إلى المقترحات، فمن بعض ما تم طرحه مقترح "عاصمة جديدة لعُمان في الداخلية". ويمكن القول إن بعض الأطروحات لم تكن تعالج إلا واقعًا آنيًا فرضته بعض الأطراف والظروف، ولم تكن تملك فهمًا دقيقًا وواقعيًا لمسار عُمان التاريخي والحضاري.


ففي وثيقة مصنفة بشكل سري، مؤرخة في 4 فبراير 1959م، تم نشرها في موسوعة عُمان الوثائق السرية في المجلد الرابع، اقترح السيد بيرد من شركة نفط العراق مقترحًا استخلصه من محادثاته المتكررة مع السلطان سعيد بن تيمور في زيارته للندن في العام 1959م، ولفهم سياق المقترح سأقتبس نصًا مما جاء في تلك الوثيقة: "أبلغني السيد بيرد من شركة نفط العراق بالآتي اليوم:
(أ) في سياق محادثاته المتكررة مع السلطان خلال زيارته الحالية إلى لندن سأله السير بيرد، لماذا لم يؤسس عاصمته في المنطقة الداخلية بدلًا عن مسقط. الأمر الذي سيمكنه من السيطرة بسهولة أكبر على مناطق بلده النكدة وتحظى باهتمام كبير من قبل شركة النفط.

وأجاب السلطان بأنه كان يفكر في نفس هذه الخطوط. وفي الحقيقة كان قد طلب من شركة النفط أخذ صور جوية لمنطقة منح. وتقع منح على بعد ما يزيد عن عشرة أميال جنوب وجنوب شرق نزوى.


(ب) لقد قهقه السلطان بنوبة قهقهة فتاتية بمجرد التفكير بمدى التزامنا بتقديم الدعم له. ولقد فسر دوافعنا بالقول إن (عُمان هي مفتاح الخليج الفارسي. تعلم ذلك)".


وأود التوقف عند هذه الوثيقة في تحليل أكثر من نقطة، بدايةً دهاء السلطان سعيد بن تيمور وفهمه العميق للسياسة الإنجليزية وتعامله معهم كند؛ لأن الدعم المقدم له لم يكن منّة ولا تفضلًا، بل هو دعم مشروع له؛ لوجود مصلحة ومكاسب كثيرة لهم، ودون الخوض في أهمية الخليج للسياسة الإنجليزية، فقد لخصها السلطان سعيد بقوله: "عُمان هي مفتاح الخليج الفارسي".

ومع كثرة التقارير التي كتبها الإنجليز عن شخصية السلطان سعيد، التي كانت مهمة ومؤثرة في آلية التعاطي السياسي معه، فقد اطلعت على وثيقة مصنفة كذلك "سري" في ذات المجلد تتحدث عن شخصية السلطان سعيد بن تيمور، جاء فيها بعض التحليلات التي كتبها شخصان يعرفان السلطان حق المعرفة، هما الرائد شونسي والسير باروز، وسأنقل بعض ما جاء في تلك الوثيقة، مما يتيح فهمًا أعمق لشخصية السلطان سعيد، وطريقة إدارته للحكم والدولة.

ففي تعامله مع المال كان الخوف من الإفلاس دافعًا ومبررًا لتلك السياسة، تقول الوثيقة: "... واقتصاده في إنفاق المال ربما يعود جزئيًّا إلى عدم رغبته المطلقة في وقوع بلده مرة أخرى في الإفلاس التام واعتماده علينا كما كان عليه الحال عندما خلف والده عام 1932م". وتكشف الوثيقة عن شخصيته التفاوضية القوية والحازمة، فجاء فيها: "هو في المفاوضات لا يتردد في استغلال ما يفترضه ضعفًا أساسيًّا لوضعنا، وعلى الأخص اعتمادنا الكلي عليه لضمان مصالحنا المهمة في منطقة الخليج".

وتضيف: "إن وسائل السلطان التكتيكية في المفاوضات من أعلى الدرجات، أنه يحسب بهدوء وحذر ومستعد دائمًا للجلوس في الخلف بانتظار الجانب الآخر للبدء في الضغط.

ويملك ميزة المعرفة الجيدة عن خلفية بلده أكثر من أي رجل بريطاني آخر". وعن استقلالية السلطان وعُمان، تقول الوثيقة: "إن السلطان غيور على استقلاله كحاكم، لحد رفض أي مقترحات ربما قد تؤدي إلى الخوض في أموره الداخلية.

وهو يعتبر نفسه بأنه أفضل بكثير من حكام الخليج الفارسي المحميين". وفي وثيقة أخرى صادرة من وزارة الخارجية البريطانية بتاريخ 25 فبراير 1953م، أشارت الوثيقة، في إطار استعدادات لندن لزيارة السلطان سعيد بن تيمور، إلى ما جاء فيها: "سلطنة مسقط وعُمان دولة كاملة الاستقلال، ولم تكن في أي من الفترات دولة محمية".

عمومًا، من أهم ما يمكن استخلاصه من تلك الوثيقة وغيرها من الوثائق التي اهتمت بخبايا وتفاصيل شخصية السلطان سعيد، هو بُعد نظره وحصافته في فهمه الدقيق للسياسة الإنجليزية، وهو -كما أراه كباحثة- كان نهجًا ثابتًا لسلاطين عُمان عبر التاريخ؛ لإدراكهم العميق للواقع الجيوسياسي للمنطقة، ودون الخوض في تفاصيل لا يحتملها المقال، يكفي القول كما قال السلطان سعيد بن تيمور منذ 67 عامًا: "عُمان هي مفتاح الخليج الفارسي" وإلى الأبد.


وأعود إلى منح التي تصدرت عنوان هذه المقالة، فهي إحدى ولايات محافظة الداخلية. تحدها ولاية أدم من الجنوب، وولاية إزكي من الشرق والشمال، وولاية نزوى من الغرب. وتبعد عن العاصمة مسقط 160 كم تقريبًا.

وكانت منح تُعرف بـ"أم الفقير"، إذ كان الناس يقصدونها لكثرة خيراتها من الزراعة وغيرها. واتخذت من "شجرة المتك" شعارًا لها، وهي تُعد من الأشجار النادرة ولا تنمو إلا في قرية العين بمنح.

وارتبط تاريخ هذه الولاية بكثير من الأئمة والعلماء، منهم: الإمام عبدالله بن محمد القرن، والإمام محمد بن أبي عفان الخروصي، ومحمد بن أبي الحسن بن صالح المنحي، وسالم بن سعيد بن علي الصائغي، وصالح بن وضاح بن محمد بن أبي الحسن، وجمعة بن علي بن سالم الصائغي، ونضيرة بنت العبد المنحية.

وتحتضن منح اليوم أحد أبرز متاحف عُمان، "متحف عُمان عبر الزمان"، الذي وضع حجر أساس بنائه السلطان قابوس -طيَّب الله ثراه- في 15 يوليو 2015م، وافتتحه جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- في 13 مارس 2023م، لتحتل منح مكانتها التي تليق بها كإحدى أهم الوجهات السياحية الثقافية في عُمان.