أكد الدكتور طالب بن عيسى الكيومي، المحاضر بقسم أصول الدين بكلية العلوم الشرعية بمسقط، أن الوصول إلى إتقان تلاوة القرآن الكريم عملية تدريجية تحتاج إلى ترتيب وتنظيم وأخذ بالأسباب، موضحًا أن القارئ لا يستطيع الانتقال مباشرة إلى مرحلة الإتقان دون المرور بمراحل تأسيسية تتعلق بصحة النطق، ثم تحسين الأداء، وصولًا إلى المهارة العالية في التلاوة.
جاء ذلك خلال محاضرة بعنوان «مراحل الوصول إلى إتقان تلاوة القرآن»، تناول فيها الكيومي عددًا من الأساليب والطرق والنصائح التي تساعد القارئ على تحسين قراءته والارتقاء بمستوى تجويده، مؤكدًا أن التلاوة المتقنة لا تأتي بمجرد الرغبة، وإنما تحتاج إلى تدريب مستمر وتدرج في التعلم والاستفادة من أهل الاختصاص.
وأوضح أن إتقان التلاوة يقوم على محورين أساسيين، أولهما الإخلاص، وثانيهما الأخذ بالأسباب، مبينًا أن إخلاص النية لله تعالى هو الأساس الذي ينبغي أن ينطلق منه قارئ القرآن، ثم يأتي بعد ذلك العمل والتدرب للوصول إلى الغاية المنشودة، وقال الكيومي: «إذا أراد الإنسان أن يقرأ القرآن فلا بد له من إخلاص نيته لله عز وجل»، مشيرًا إلى أن القارئ حين يستشعر أن القرآن كلام الله وأن تلاوته من أعظم القربات، فإنه سيجتهد في تحسين قراءته والارتقاء بها.
وأضاف أن إتقان التلاوة «فن لا يتأتى إلا بهذه المراحل»، موضحًا أن القارئ لا يمكنه أن ينتقل من عدم الإتقان إلى الإتقان بصورة مباشرة، وإنما ينبغي أن يمر بمراحل تعليمية متدرجة، بحيث لا ينتقل من مرحلة إلى أخرى قبل إتقان المرحلة السابقة، وبيّن أن المرحلة الأولى تتمثل في تصحيح النطق والأساسيات، وهي المرحلة التي يعالج فيها القارئ اللحن الجلي، موضحًا أن القارئ الذي لا يستطيع قراءة الكلمة القرآنية قراءة صحيحة من حيث الحروف والتشكيل لا يمكن أن ينتقل بصورة سليمة إلى تعلم أحكام التجويد، وقال: «كالذي يريد أن يبني بيتًا، لا بد أن يجهز القواعد، وبعد تجهيز القواعد ينتقل إلى ما بعد ذلك»، مؤكدًا أن معرفة الأساسيات تمثل قاعدة البناء التي تقوم عليها المراحل اللاحقة.
وأشار إلى أن تصحيح النطق يبدأ بمعرفة الحروف الهجائية وأشكالها وأصواتها ومخارجها وصفاتها، مبينًا أن لكل حرف اسمًا وشكلًا ومخرجًا وصفة وصوتًا، وأن معرفة هذه العناصر تساعد القارئ على التمييز بين الحروف وعدم الخلط بينها، وأوضح أن القارئ يحتاج كذلك إلى معرفة الحالات التي يمر بها الحرف من حيث الحركة والصوت، ومنها الحركات القصيرة، والمدود، والسكون، والتشديد، والتنوين، مشيرًا إلى أن فهم هذه الحالات يساعد على تحليل الكلمة القرآنية وقراءتها بصورة صحيحة.
وتناول المحاضر مفهوم تحليل الكلمة وتهجيها، موضحًا أن بعض المتعلمين قد يصلون إلى مراحل تعليمية متقدمة دون أن يتعلموا الطريقة الصحيحة لتحليل أصوات الكلمات، وهو ما قد يسبب لهم صعوبة في القراءة السليمة، وبيّن أن الحركات القصيرة، وهي الفتحة والضمة والكسرة، يمكن أن تُنطق مع الحرف بصورة مستقلة، بينما ترتبط حروف المد بالحرف الذي قبلها، كما أن الحرف الساكن والمشدد يحتاجان إلى طريقة خاصة في النطق والتحليل، وأشار إلى أن هذه المهارات تحتاج إلى التدريب، مبينًا أن المتعلم إذا أتقنها أصبح قادرًا على التعامل مع الكلمات القرآنية بصورة أكثر وضوحًا، وهو ما يساعده على تجنب اللحن الجلي.
وأوضح الكيومي أن القارئ بعد إتقانه أساسيات النطق ينتقل إلى المرحلة الثانية، وهي تحسين الأداء، التي تُعنى بمعالجة اللحن الخفي وتعلم مبادئ علم التجويد، وتشمل هذه المرحلة تعلم أحكام التجويد المتعلقة بالغنة والمدود والتفخيم والترقيق والقلقلة والإدغام ومخارج الحروف وصفاتها وغيرها من الأحكام التي تمنح التلاوة جمالها وأداءها الصحيح.
وقال إن القارئ قد يكون قادرًا على قراءة الكلمات القرآنية دون أخطاء ظاهرة، لكنه لا يكون قد وصل بعد إلى جمالية التلاوة إذا لم يتعلم أحكام التجويد ويطبقها بصورة صحيحة، وأضاف أن القرآن الكريم يتميز في تلاوته بأحكام مخصوصة تجعل القراءة مختلفة عن قراءة الشعر أو النثر، موضحًا أن أحكام التجويد والصفات والمدود والغنن ليست أمورًا يبتدعها القارئ من عنده، وإنما هي قراءة متوارثة ومتلقاة عن أهل الأداء.
وأكد أن «القراءة سنة متبعة وليست مبتدعة»، مشيرًا إلى أن تعلمها يقوم على التلقي والمشافهة، وأن القارئ ينبغي أن يحرص على أداء الأحكام في مواضعها دون زيادة أو نقص، وأوضح أن جمال الصوت وحده لا يكفي لتحقيق التلاوة المتقنة، فقد يكون للقارئ صوت حسن، لكنه يمد في غير موضع المد أو يغن في غير موضع الغنة أو لا يضبط التفخيم والترقيق، وهو ما يؤثر في صحة الأداء.
وبيّن المحاضر أن المرحلة الثالثة هي مرحلة الإتقان، وهي المرحلة التي يصل فيها القارئ إلى المهارة العالية في النطق والأداء والوقف والابتداء، مؤكدًا أن هذه المرحلة لا تتحقق بصورة كاملة إلا بالمشافهة مع المتقنين، وقال: «هذه الدقة هي الفاصلة، وهي الموصلة إلى إتقان تلاوة القرآن الكريم»، موضحًا أن القارئ في هذه المرحلة يعرض تلاوته على من يتقن القراءة، ليقوم بتصحيح ما قد يخفى عليه من أخطاء دقيقة في مقادير الغنن والمدود والصفات وغيرها.
وأشار إلى أن المشافهة تساعد على ضبط مقدار الغنة والمد، وضبط صفات الحروف، والتفريق بين المفخم والمرقق، ومنع المبالغة في التفخيم أو الترقيق، وهي أمور يصعب الوصول إلى دقتها من خلال الدراسة النظرية وحدها، مؤكدًا أهمية تعلم الوقف والابتداء، حيث إن القارئ قد يكون متقنًا لأحكام التجويد، لكنه يخطئ في مواضع الوقف أو يبدأ من مواضع لا يحسن الابتداء منها، وهو ما يؤثر في المعنى والأداء، وأوضح أن القارئ المتمرس يجمع بين حسن الصوت، وإتقان الأحكام، وحسن الوقف والابتداء، وهي عناصر تجعل التلاوة أكثر انسجامًا وأحسن أداءً.
وشدد على أن إتقان التلاوة يحتاج إلى التدريب المستمر، محذرًا من الاكتفاء بحضور المحاضرة أو معرفة الأحكام نظريًا دون تطبيق، وقال: «لا يكتفي الشخص بأن يقول: استمعت إلى محاضرة، وإن شاء الله سأصل إلى الإتقان، هذا العمل مستحيل»، مؤكدًا أن الوصول إلى الإتقان يحتاج إلى الأخذ بالأسباب والتدرب ومجالسة المتقنين.
ودعا القارئ إلى الجمع بين التدريب الفردي والعرض على المعلم، مشيرًا إلى أن الإنسان يستطيع اليوم الاستفادة من البرامج التعليمية والتسجيلات والوسائل المتاحة عبر الهاتف، لكنه مع ذلك يحتاج إلى أن يعرض تلاوته على قارئ متقن، لافتًا إلى أن عرض القرآن كاملًا على أحد المتقنين أمر مهم، حتى بالنسبة لمن يرى نفسه متقنًا لأحكام التجويد، لأن القارئ قد لا ينتبه إلى بعض أخطائه عندما يقرأ منفردًا، وقال: «نفسك لن تصحح لك، غيرك سيصحح لك»، مؤكدًا أن القارئ قد يكتشف عند عرضه تلاوته على غيره أخطاء لم يكن منتبهًا لها.
كما دعا إلى الإكثار من التكرار، وعدم الاكتفاء بقراءة الحكم مرة واحدة، مشيرًا إلى أهمية القراءة من المصحف، والقراءة غيبًا لمن يحفظ القرآن، والتدرب على القراءة بمراتبها المختلفة، وأكد كذلك أهمية الاستماع إلى القراء المتقنين، موضحًا أن السماع والمشافهة لهما أثر كبير في اكتساب الأداء الصحيح، وأشار إلى أن بعض القراء يتمتعون بأداء متقن رغم عدم معرفتهم التفصيلية بالأحكام النظرية، لأنهم اكتسبوا كثيرًا من مهارات التلاوة من خلال السماع والمشافهة والتصحيح المستمر.
ودعا إلى الجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي والاستماع والمشافهة، معتبرًا أن اجتماع هذه العناصر يساعد القارئ على الوصول إلى قراءة أكثر سلامة وانضباطًا، ولخص مراحل إتقان التلاوة في ثلاث مراحل رئيسية؛ تبدأ بتصحيح النطق ومعالجة اللحن الجلي من خلال معرفة الحروف وأشكالها وأصواتها والحركات والمدود والسكون والتشديد والتنوين، ثم تحسين الأداء ومعالجة اللحن الخفي من خلال تعلم مبادئ التجويد وأحكامه، وصولًا إلى مرحلة الإتقان التي تقوم على التطبيق والمشافهة مع المتقنين، وضبط الأداء والوقف والابتداء.
كما أوصى بالاستماع إلى عدد من القراء المعروفين، ومنهم عبد الباسط عبد الصمد ومحمد صديق المنشاوي، للاستفادة من أدائهم في التلاوة، وأكد أهمية إخلاص النية لله تعالى والاستمرار في التعلم والتدريب، سائلًا الله أن يوفق المسلمين إلى إتقان تلاوة كتابه وتعاهده وتعليمه.