فهد الفهدي: تشتت الأسرة أو انفصال الوالدين وضعف المتابعة وراء أغلب القضايا الواردة -
د. الصلت التوبي: عوامل نفسية قد تؤثر في المراهق منها الاندفاع الشديد وضعف القدرة على تأجيل الرغبات -
كان في الثالثة عشرة من عمره حين عبث بسيارة جارهم وكسر ماسحة زجاجها، ولم يزد ما فعله على ذلك. قُدّمت ضده شكوى ولم يتنازل صاحبها، وانتهت القضية في أروقة المحاكم.
تروي علياء بنت سليم الأغبري المراقب الاجتماعي بدائرة شؤون الأحداث، هذه الواقعة بوصفها من أخف الحالات التي وردت إلى الدائرة، وتقول أن الطفل تلقى هناك الدعم والرعاية المناسبين، وتم التعامل مع أصعب الحالات الواردة من النيابة العامة وتقديم الدعم والرعاية المناسبين.
وعلى الطرف الآخر من السلّم نفسه قضايا من وزن آخر: شروع في القتل، ومراهق يقود بتهور، فيتسبب في حادث يموت فيه أحيانا أقرانه، وعراك جسدي تنتهي إصاباته في بعض الحالات بالقتل.
بين هذين الطرفين سجّلت دائرة شؤون الأحداث التابعة للمديرية العامة للتنمية الأسرية بوزارة التنمية الاجتماعية 706 حالات خلال عام 2025. ويصف المختصون الذين حاورتهم «عمان» الفعل الذي يوصل الحدث إلى الدائرة بأنه كثيرا ما يكون الحلقة الأخيرة في سلسلة أطول: أسرة مشتتة أو غائبة عن المتابعة أو اضطراب نفسي لم يُشخَّص أو إشارات مبكرة سبقت الفعل بسنوات.
وبعد الفعل تأتي الوصمة، وقد لا تسقط بانقضاء العقوبة.
من بين حالات العام الماضي صُنِّف 604 أحداث جانحين، أي ارتكبوا أفعالا يعاقب عليها القانون، و102 حدث «معرضين للجنوح». ولم يصدر أمر قضائي بالإيداع إلا في 86 حالة، أودع منها 73 حدثا دار إصلاح الأحداث و13 حدثا بدار توجيه الأحداث، أي إن الإيداع بأمر قضائي شمل حالة واحدة تقريبا من كل ثماني حالات.
وفي الربع الأول من 2026 بلغ إجمالي الحالات الواردة إلى الدائرة من النيابة العامة 162 حالة، بينها 23 حدثا معرضا للجنوح، وأودع 12 حدثا دار الإصلاح وحدثان دار التوجيه. وتصدّرت قضايا ممارسة العنف ضد الأطفال سجل ذلك الربع بـ53 قضية، تلتها السرقة بـ40 قضية.
وتشمل القضايا المسجلة للأحداث كذلك هتك العرض، ودخول البلاد بطريقة غير شرعية، ومخالفة قانون تقنية المعلومات، والتخريب.
ويوضح فهد بن زاهر الفهدي مدير دائرة شؤون الأحداث أن الدائرة تختص بمتابعة فئتين وتأهيلهما، ويشرح الفرق بينهما: فالحدث الجانح: هو من بلغ التاسعة من عمره ولم يكمل الثامنة عشرة وارتكب فعلاً يعاقب عليه القانون.
وفقاً لقانون مساءلة الأحداث العماني (المرسوم السلطاني رقم 30 / 2008) أما الحدث المعرض للجنوح فيعد كذلك في عدة حالات، منها: إذا لم يكن له محل إقامة معروف، أو كان سيئ السلوك، أو إذا وجد في بيئة تعرض سلامته الأخلاقية أو النفسية أو التربوية للخطر، وغيرها من الحالات».
وفي الفئة الثانية تفصيل له دلالته؛ فالأسرة هنا هي التي تطرق الباب. يشرح الفهدي أن حالة الحدث المعرض للجنوح تُعرف بطلب من ولي أمره الذي يلجأ إلى الدائرة طالبا المساعدة برسالة رسمية أو بالحضور شخصيا، واستكمال الإجراءات القانونية، ثم يُودَع الحدث دار توجيه الأحداث إذا صدر فيه قرار قضائي من المحكمة.
من أين يبدأ الطريق؟
يربط الفهدي أغلب القضايا التي تصل إلى الدائرة بتشتت الأسرة أو انفصال الوالدين، وبضعف متابعة الأسرة لأبنائها، وبثقة زائدة يمنحها الوالدان لهم، وبسوء استخدام التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي. ويرى أن لضعف الوازع الديني لدى الأسرة وغياب التربية السليمة وسوء استخدام التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي وضعف متابعة الأسرة لأبنائها وانفصال الوالدين (الطلاق) من الأسباب التي تؤدي إلى ذلك ..
أما الطبيب النفسي الدكتور الصلت التوبي فيقول: «من المهم عند الحديث عن جنوح الأحداث أن نفرق بين الجنوح بوصفه «سلوكا مخالفا للقانون» وبين الاضطراب النفسي؛ بمعنى أنه ليس كل حدث جانح لديه اضطراب نفسي، كما أن وجود اضطراب نفسي لا يعني أن الطفل أو المراهق سيصبح جانحا».
ويضيف التوبي: إن الجنوح لا يكون له في العادة سبب واحد، وأن ما يُرى غالبا تفاعل بين عوامل بيولوجية ونفسية وأسرية ومدرسية واجتماعية. لذلك يجب أن يمتد تقييم الحدث من الفعل الذي ارتكبه إلى مسار المشكلة كله.
ويوضح أن هناك عوامل نفسية قد تدفع الطفل أو المراهق إلى الجنح، منها الاندفاعية الشديدة، وضعف القدرة على تأجيل الرغبات وضبط الغضب، خاصة إذا كان لديه اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لم يُشخَّص أو لم يُعالج. ومنها اضطراب السلوك، وما يصحبه من عدوان متكرر وسرقة وكذب ومخالفة للقواعد وهروب متكرر من المنزل أو المدرسة، وتدنّي تقدير الذات.
ويضيف إليها ما تصنعه البيئة: التعرض للعنف أو الإساءة أو الإهمال، وفقدان الأمان العاطفي، والصراعات الأسرية، والقسوة أو التفرقة بين الأبناء، والفشل أو الانقطاع الدراسي وصعوبات التعلم، وضغط أقران لهم سلوكيات خطرة أو مخالفة للقانون.
ويلفت إلى أن الاكتئاب والقلق والصدمة النفسية والتنمر قد تظهر أحيانا في صورة غضب وعدوان وسلوك خارجي بدلا من الشكوى المباشرة، إلى جانب سلوكيات خطرة أخرى كالتدخين والقيادة الخطرة والعنف.
ويقول: «قد تسبق الجنوح سنوات من الإشارات، كمشكلة دراسية، أو اندفاعية شديدة، أو اضطراب سلوك، أو تنمر، أو عنف أسري، أو غياب عن المدرسة، أو أصدقاء سوء، أو تعاط، أو اكتئاب، أو شعور بعدم القيمة. وكلما تدخلنا في هذه المرحلة كان لدينا مجال أكبر لتغيير المسار».
ويستشهد بدراسات عُمانية على أن الصحة النفسية للمراهقين موضوع لا يحتمل التهميش، فقد وجدت دراسة ممثلة وطنيا أن 13.9% من أفراد عينتها لديهم تشخيص نفسي واحد على الأقل وفق الدليل التشخيصي DSM-IV، وأظهرت دراسة أخرى أن وصول المراهقين المصابين باضطرابات القلق أو المزاج إلى العلاج النفسي منخفض.
بين البيت والدار
ويعاقب الحدث الجانح بحسب الفهدي بنوعين من العقوبات هما: الاحتجاز وإيداعه دار إصلاح الأحداث، وفقا لقانون مساءلة الأحداث. أما العقوبة الأخرى غير الاحتجازية فتُبقيه في بيته تحت الاختبار القضائي، تتابعه أسرته وأقاربه بإشراف مراقب اجتماعي يبقى على تواصل دائم مع الأسرة، ويزورها ميدانيا، ويرشدها إلى أساليب التعامل معه.
وتقول علياء الأغبري: «تختلف الحالات الواردة لدينا، وتنقسم إلى ثلاث حالات: مخالفات، وجنح، وجنايات، وتختلف العقوبات لدى الجانح حسب الوضع وقرار المحكمة، فأقصاها الإيداع في المؤسسات الصحية للحالات التي تستدعي التعافي من الإدمان، وكذلك الإيداع في دار الإصلاح».
وتتراوح مدة الحكم بين أسابيع وعشر سنوات بحسب الجرم. وأغلب ما يرد إلى الدائرة وفق حديثها، عنف بين المراهقين وشجار قد يصل إلى إصابات خطيرة، فيُحال أصحابه إلى النيابة العامة. ويلازم المراقب الاجتماعي الحدث داخل الدار وخارجها، يلاحظه ويرصد سلوكه وتصرفاته، ويُعدّ تقريرا عن كل حالة مودعة. وفي المحاكم يقف باسم الحدث، وهو موقع يجرّ عليه -كما تقول- مهاترات واعتداءات لفظية من بعض الأسر ينبغي التعامل معها بعقلانية.
داخل الدار
ويرى فهد الفهدي أن تهيئة المكان جزء من العلاج؛ فقد طُوّرت مباني الدار بما يتوافق مع البيئات التي جاء منها الأحداث، ويقُسّم المودعون بحسب هذه البيئات. ويقول: إن ردود فعل الأحداث عند إيداعهم كانت عنيفة في السابق، وإن دراسات أُجريت لقياس الأثر أظهرت بعد التطوير انخفاضا في ردود الفعل القاسية وسرعة أكبر في تكيف الحدث مع المكان. ويضيف: إن بعض الأحداث قالوا للمختصين إن الدار احتضنتهم وغيرت سلوكهم واهتمت بهم أكثر من ذويهم، وأن أعضاء في لجنة حقوق الإنسان زاروا الدائرة وأشادوا بجهودها.
ويقول الفهدي: إن أغلب المودعين في دار الإصلاح يتميزون بذكاء عال، وإن الدائرة اختارت لهم أفضل المعلمين بالتعاون مع وزارة التعليم. ويذكر أن بعض هؤلاء الطلاب حققوا في شهادة الدبلوم العام معدلات بلغت 93% و94%، ثم التحقوا بالجامعات.
وفي الصيف نفّذت الدائرة برنامج «غراس»، ويضم البرنامج ورشا لتصليح الساعات والهواتف النقالة، وأخرى للنحت والفنون وتصميم الديكور، وبرامج نوعية تتوافق مع اهتمامات الأحداث، ورحلات ميدانية للذكور بالتعاون مع شركات تطوعية، منها «مسير الجبل الأخضر».
ويقول الفهدي: إن هذه الرحلات تُرتَّب وفق أهداف مدروسة، منها غرس قيم بعينها، ورصد سلوكيات خاطئة تظهر على الحدث خلال الرحلة لمعالجتها. وتطبّق الدائرة كذلك برنامج «أمل للأطفال» المرتبط إلكترونيا بدول أخرى لتبادل البرامج والخبرات إلى جانب البرنامج الجدلي السلوكي.
وفي الدار أيضا أحداث من غير العمانيين، أغلبهم -بحسب الفهدي- مودعون بسبب السرقة أو دخول البلاد بطريقة غير شرعية، وبعضهم بلا بيانات رسمية وتتولى الدائرة تعليمهم بالعربية والإنجليزية، وأغلبهم يتلقى تعليمه بالعربية. وحين تحول اللغة دون التواصل، تنسق الدائرة مع السفارات لتوفير مترجم، خصوصا في المرافعات القضائية.
التأهيل النفسي
يضع الدكتور الصلت التوبي التأهيل النفسي في صلب الوقاية من تكرار السلوك؛ لأن المراهق ما زال في طور نمو عصبي ونفسي، ومهارات ضبط الاندفاع والتخطيط واتخاذ القرار وحل المشكلات لديه ما زالت قابلة للتطور والتعلم.
ويرى أن التأهيل يبدأ حيث ينتهي قول «ما فعلته خطأ»، أي بتحديد العوامل القابلة للتغيير ووضع خطة علاجية لها. وقد تشمل الخطة تقييم اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) واضطراب السلوك وعلاجهما، ومعالجة الاكتئاب والقلق والصدمة النفسية واضطرابات التعاطي إن وُجدت. وتشمل أيضا تدريب الحدث على تنظيم انفعالاته ومقاومة ضغط الأقران، وبناء شبكة اجتماعية صحية حوله.
إعادة الدمج
ويرى التوبي أن إعادة دمج الحدث يجب أن تبدأ قبل خروجه من الدار، فعودته إلى البيئة نفسها دون خطة قد تعيد إليه الضغوط والمثيرات والعلاقات ذاتها التي أسهمت في المشكلة. ويحدد لهذه العودة محاور في التحضير النفسي تشمل: بناء هوية جديدة للحدث، وتدريب الوالدين على استقباله دون إذلال أو تذكير دائم بالماضي، وترتيب عودته إلى الدراسة أو التدريب، وحماية خصوصيته قدر الإمكان.
ومنها كذلك تقييم شبكة أقرانه القديمة، وبناء بدائل اجتماعية آمنة ونشطة، ثم متابعته بمواعيد نفسية واجتماعية. ويعدّ من ضرورات التأهيل أيضا إعادة بناء تقدير الذات والهوية الإيجابية، وتحقيق نجاح دراسي أو مهني، وإعادة ربط الحدث بالمدرسة أو التدريب المهني وبالأنشطة الرياضية والاجتماعية المنظمة.
والأسرة -في نظر الفهدي- شريك لا غنى عنه في منع عودة الحدث إلى الجنح، ولذلك يشدد على حضور الأسر الورش التي تقدمها الدائرة حول التعامل مع الحدث بعد خروجه. فالهدف يتمثل في إعداد فرد صالح للمجتمع يبدأ بإصلاح نفسه من الداخل، فينعكس ذلك مباشرة على صلاحه في المجتمع. غير أن ما ينتظر الحدث خارج الدار لا يتوقف على أسرته وحدها.
يقول الفهدي إن الوصمة المجتمعية قد تلاحق الجانح، فتسبب له أذى نفسيا واجتماعيا وتمنعه من الاندماج في المجتمع بعد قضاء عقوبته. ولذلك يرى ضرورة توعية المجتمع كله للتخفيف من آثار الوصم ومن النظرات التي يتلقاها الجانح بعد خروجه.
الخوف من الوصمة
الأسرة التي تخشى نظرة المجتمع قد تمتنع عن الحديث عن مشكلات أبنائها أو عن طلب المساعدة في مراحلها الأولى، وهي المرحلة التي يؤكد الصلت التوبي: إن مجال تغيير المسار فيها يكون أوسع.
وفي الأرقام ما يشير إلى الاتجاه المقابل كذلك؛ فالأحداث الـ102 المعرضون للجنوح في العام الماضي ينتمون إلى فئة يبيّن الفهدي أن حالتها تُعرف بطلب من ولي الأمر. ويرى أن الحد من الجنوح يبدأ قبل أن يصل الحدث إلى دار الإصلاح أو أي جهة مختصة، وأن الوعي يأتي في مقدمة أدوات الوقاية.
فالمدرسة والجامعة، في رأيه، بيئتان تشكلان شخصية الطالب إلى جانب تعليمه، وتساعدانه على فهم حقوقه وواجباته والتعامل مع المشكلات والضغوط.
ومن هنا يدعو إلى توعية مستمرة بالتعاون مع الأسرة والمختصين، لتعريف الطلبة بمخاطر السلوكيات المخالفة للقانون، ومساعدتهم على اتخاذ خيارات أكثر أمانا، والتعامل مبكرا مع المشكلات التي قد تقود إلى الجنوح.
وفي الربع الأول من 2026 سجلت الدائرة 45 مشاركة توعوية في مؤتمرات وندوات وملتقيات وحلقات تدريبية، و8 محاضرات تركزت على مدارس الفتيات. ويخلص إلى أن المجتمع يحتاج إلى تقليل الوصمة، وتشجيع الأسر على طلب المساعدة المبكرة، ودعم المدرسة والاختصاصيين، وأن يرى في الحدث شخصا قابلا للتغير والتعلم.
أما رسالته الأولى فيوجهها إلى الأسرة: «لا تختزلوا ابنكم أو ابنتكم في الخطأ الذي ارتكبه. الطفل يحتاج إلى حدود واضحة ومحاسبة مناسبة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى أن نفهم ما الذي أدى إلى السلوك، وأن نعالج أسبابه».