ربما تكون الولايات المتحدة بصدد خسارة حرب أخرى؛ حرب قد ترسم ملامح أمنها حتى القرن المقبل. تتشابك القوة العسكرية مع القوة التجارية. وللقوة البحرية، على وجه الخصوص، دور حاسم على الدوام في إرساء النفوذ التجاري والحفاظ عليه. وتتعلم أمريكا هذا الدرس اليوم بثمن باهظ.

على مدى مئات السنين، حكم العالمَ من حكم البحار، بحسب تعبير الاستراتيجي البحري الأمريكي ألفريد ثاير ماهان في القرن التاسع عشر. وقد يكون من المفهوم أن نظن، في عصر الطائرات المسيّرة، أن ذلك الزمن قد انقضى. لكن السفن ما زالت تنقل اليوم أكثر من 80% من التجارة العالمية، فيما كادت أمريكا تفقد قدرتها على بنائها. والدولة التي كانت تبني 5% من سفن العالم، محسوبة بالحمولة، وتهيمن على الصناعة البحرية العالمية في سبعينيات القرن الماضي، باتت حصتها اليوم 0.2%.

كيف وصلنا إلى هنا؟ خلال عهد ريجان، قرر صانعو السياسات الأمريكيون وقف دعم النقل البحري التجاري، الذي سرعان ما انتقل إلى دول أخرى، مثل اليابان وكوريا الجنوبية. وانكمش الشق العسكري من صناعة السفن عقب تخفيضات الإنفاق الدفاعي في تسعينيات القرن الماضي، بعد انتهاء الحرب الباردة. وفي الوقت نفسه، قررت الصين جعل بناء السفن والصناعات البحرية أولوية استراتيجية، ورفعت إنتاجها، قياسا إلى الإنتاج الأمريكي، إلى ثلاثة أمثاله خلال العقدين الماضيين.

وباتت الصين تتصدر العالم من حيث حجم الطاقة الإنتاجية وحصتها من سوق بناء السفن، بفضل عقود من الدعم الحكومي. وفي عام 2006، أدرجت الحكومة بناء السفن ضمن سبع صناعات استراتيجية يتعين على الشركات الصينية المملوكة للدولة الاحتفاظ بالسيطرة عليها. وبحلول عام 2015، كانت بكين قد حددت بناء السفن بوصفه أحد عشرة قطاعات ذات أولوية تعتزم من خلالها الهيمنة على التجارة العالمية.

حدث كل ذلك بينما كانت الولايات المتحدة تسير في الاتجاه المعاكس، وتنقل إلى الخارج بناء السفن، إلى جانب كثير من سلاسل الإمداد في قطاعات صناعية أخرى. كان ذلك جزءًا من صفقة كبرى تتدفق بموجبها رؤوس الأموال الأمريكية إلى الصين، ويحصل المستهلكون الأمريكيون في المقابل على سلع رخيصة. وطوال ذلك الوقت، جرت التضحية بالوظائف الأمريكية، وبقدرة سلاسل الإمداد على الصمود، وبالأمن القومي في بعض الحالات.

وإلى جانب تفوق الصين في عدد السفن الحربية، بنت أسطولًا للقطاع الخاص ينقل معظم السلع التجارية في العالم، ويفوق الأسطول الأمريكي عددًا بفارق هائل. لدى الولايات المتحدة اليوم أقل من 200 سفينة عابرة للمحيطات، مقابل 5500 سفينة للصين. هل يشك أحد في قدرة الصين على التفوق على الولايات المتحدة في أي مناورة تستخدم سلاسل الإمداد البحرية العالمية، أو في حصار عسكري حول تايوان مثلًا؟

ويزداد الأمر وضوحًا حين نعلم أن الجيش الأمريكي يعتمد على الأساطيل التجارية في نقل معظم إمداداته، حتى في زمن الحرب. وإذا سحبت الصين سفنها، كما حجبت لبعض الوقت خلال الجائحة إمدادات معدات الوقاية الشخصية المخصصة للعاملين الصحيين، فقد تترتب على ذلك تداعيات اقتصادية وأمنية هائلة على الولايات المتحدة، أو على أي دولة أخرى تعتمد على السفن التجارية الصينية.

وحتى من دون تطور بهذا الحجم، أصبحت اضطرابات النقل البحري أكثر شيوعًا. وقد قالت «المجموعة الاستشارية للنقل البحري»، التي يمثل أعضاؤها أكثر من خُمس التجارة العالمية من حيث الحمولة، مؤخرًا إن إغلاق الممرات البحرية واضطرابات سلاسل الإمداد في أماكن مثل مضيق هرمز وقناتي السويس وبنما لم تعد «صدمات عابرة»، وإنما واقعًا اعتياديًا جديدًا في عالم أصبحت فيه السفن ومسارات الملاحة مواضع اختناق تتنازع عليها القوى العالمية.

ولا عجب أن تسعى دول مثل الصين وروسيا إلى استغلال طرق جديدة بديلة تستطيع التحكم فيها، مثل المسار العابر للقطب الشمالي عبر المحيط المتجمد الشمالي، الذي تدّعي روسيا السيطرة على أجزاء منه. وقد أطلقت شركة صينية مؤخرًا خدمة شحن أسبوعية عبر المنطقة القطبية الشمالية، تختصر 40 يومًا من زمن الرحلة عبر المسار المعتاد.

تمتلك هاتان الدولتان نحو 60 كاسحة جليد، وهي سفن ضرورية للعبور الآمن في أقصى الشمال، مقابل ثلاث كاسحات أمريكية في المنطقة القطبية الشمالية. وهذا أحد أسباب تعاون إدارة ترامب مع فنلندا لبناء المزيد منها.

وقد وُلدت الفكرة خلال ولاية ترامب الأولى، وتطورت في عهد إدارة بايدن، التي رأت فرصة استراتيجية لتوطين الإنتاج لدى حلفاء في حلف شمال الأطلسي، من بينهم فنلندا وكندا. كانت أمريكا بحاجة إلى مزيد من كاسحات الجليد للإبحار في منطقة ازدادت أهميتها الاقتصادية والاستراتيجية كثيرًا.

وقد أتاح الاحترار العالمي، مع ذوبان الجليد، إمكان فتح مسارات تجارية جديدة عبر أقصى الشمال. ويعود الروس إلى عسكرة طريق بحر الشمال، كما فعلوا خلال الحرب الباردة، فيما تتسابق دول عديدة لمسح المنطقة بحثًا عن الغاز الطبيعي والمعادن. وكل ذلك يحتاج إلى كاسحات جليد.

ومع أن إدارة بايدن أعطت الاستراتيجية مضمونًا عمليًا بتوقيع مذكرة تفاهم على هامش قمة حلف شمال الأطلسي عام 2024، فإن الرئيس ترامب هو من أبرم لاحقًا، خلال ولايته الثانية، اتفاق بناء 11 كاسحة جليد بالتعاون مع فنلندا. ويعكس ذلك كله تحوّل بناء السفن إلى أولوية صناعية تحظى بدعم الحزبين.

لطالما حذّر أنصار التشدد في السياسة الدفاعية من أن أمريكا، رغم احتمال احتفاظها بالتفوق في مجالات مثل الغواصات النووية والمعدات البحرية الأكثر تقدمًا تقنيًا، ستواجه عائقًا كبيرًا بسبب افتقارها إلى سفن أكثر مرونة، صالحة للاستخدامين المدني والعسكري، ويمكن إنتاجها بسرعة أكبر وكلفة أقل.

ويكتسب هذا النقص خطورته في عالم تتزايد فيه أهمية قدرة سلاسل الإمداد على الصمود ومناطق النفوذ. وفي الصناعات البحرية، كما في صناعات كثيرة غيرها، لم تعد هناك سوق عالمية واحدة، وإنما أساطيل تملكها مجموعات من الدول والشركات، قد تتعاون عند الشدة وقد لا تتعاون.

خلال إدارة بايدن، أعلن جيك سوليفان، مستشار الأمن القومي آنذاك، أن «السفن هي الرقائق الجديدة»، في إشارة إلى مجال ينبغي للولايات المتحدة أن تعزز اكتفاءها الذاتي فيه بالتعاون مع حلفائها. وبينما تباهى ترامب ببناء «أسطول ذهبي» من البوارج، علّق أيضًا إجراءات تجارية تستند إلى المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، من شأنها الحد من قوة الصين في بناء السفن. وخلال القمة الأمريكية الصينية في أواخر سبتمبر، مُدّد هذا التعليق حتى أوائل عام 2027.

ورغم خطابه، لا يُعدّ ترامب من المتشددين تجاه الصين. لكن في الكونغرس أعضاء كثيرين من كلا الحزبين أكثر التزامًا بإعادة بناء القطاع البحري الأمريكي. ففي أبريل 2025، أعلن السيناتور الجمهوري عن ولاية إنديانا تود يونغ، والسيناتور الديمقراطي عن ولاية أريزونا مارك كيلي، تحركًا للدفع بمشروع قانون «سفن لأمريكا» (SHIPS for America Act).

ويهدف المشروع إلى إنعاش صناعات بناء السفن الأمريكية، بضخ مزيد من الأموال في تدريب القوى العاملة، وفي صندوق استئماني للأمن البحري. ويسعى هذا الصندوق، على غرار الصناديق الاستئمانية الوطنية للمطارات والطرق السريعة، إلى توفير موارد مالية لا تحتاج إلى تجديد إقرارها كل عام، بما يتيح مواصلة العمل طويل الأمد على تعزيز الصناعات البحرية.

وقد يؤجل الكونجرس مناقشاته إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، لكن بناء السفن سيظل حاضرًا بقوة في النقاش السياسي؛ إذ إن ولايات متأرجحة انتخابيًا، مثل ويسكونسن وميشيغان وبنسلفانيا، تُعدّ أيضًا مراكز كبيرة للصناعات البحرية. كما أن استخدام نقاط الاختناق البحرية سلاحًا، من جانب إيران والصين والحوثيين وغيرهم، لن يتوقف. ولا شك يُذكر في حاجة أمريكا إلى تعزيز أسطولها في زمن تتصاعد فيه الصراعات، وتنتشر عالميًا السياسات التجارية القائمة على تعظيم مكاسب الدولة وقوتها.

وكما كتب جيري هندريكس، الضابط البحري السابق ومستشار ترامب لشؤون بناء السفن، في كتاب صدر عام 2020، فإن بكين، «ربما استحضارًا لانهيار الصين في أواخر القرن التاسع عشر تحت ضغط القوى الإمبريالية الأوروبية»، اتبعت استراتيجية بحرية «حاكت النهج الذي أرسته قبل قرون شركتا الهند الشرقية الهولندية والبريطانية»، بالسيطرة على سلاسل الإمداد العالمية، اعتمادًا في جانب من ذلك على السيطرة على البحار.

فرّطت أمريكا في تفوقها البحري، وعرّضت نفسها للخطر. لكن أمام الكونجرس فرصة لاستعادته، ببطء وثبات، من خلال سياسة صناعية يريدها اليمين واليسار معًا. وهي فرصة ينبغي ألا تُترك لتجرفها الأمواج.