قد تظهر النزعة التبشيرية في خطاب رواد التكنولوجيا في أوجه رهيفة للغاية. لكن من بين عيوب سام ألتمان أنه كثيرا ما يفتقر إلى هذه الرهافة. فقد قال الرئيس التنفيذي لشركة (أوبن آيه آي) في حوار أجرته معه مجلة (بوليتيكو) في عطلة الأسبوع الماضي «إننا نعتقد أن العالم ينبغي أن يقبل وقوع بعض الأمور السيئة من أجل منافع هذه التكنولوجيا».

وهذا كلام يسهل قوله على سام ألتمان. لكنه مثير لأشد أشكال الغضب لدى من عداه ممن يستمعون إلى كلامه. ولكي لا ننسى: نحن لم نطلب من شركة (أوبن آيه آي) أن تطلق برامج الذكاء الاصطناعي التي تمردت وتسللت إلى أنظمة تكنولوجيا حكومية وشركات خاصة في أرجاء العالم.

ولم يصوت أحد منا من أجل إطلاق (تشات جي بي تي)، لكن الشركة طرحته على العالم باعتبار أنه منتج تجريبي، وتصادف أنه لقي اهتماما كبيرا من العالم. فكان أن أدى ذلك إلى إطلاق سباق تسلح بين شركات الذكاء الاصطناعي من أجل التقدم بهذه التكنولوجيا إلى مدى أبعد وبوتيرة أسرع، فأسفر ذلك عن الفوضى التي نعاني منها الآن.

ولقد بدأ منافسو شركة (أوبن آيه آي) ـ ومن بينهم شركة أنثروبيك ـ في التقهقر عن حافة الهاوية، شأن شركة (أوبن آيه آي) نفسها، إذ قررت الشركة ألا تطلق أحدث نماذجها الذي يتردد أنه فائق الخطورة.

ولقد تحدث داريو أمودي الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك عن الحاجة إلى «إبطاء وتيرة التقدم»، وهذه من تعبيرات لغة القاموس السري لرواد التكنولوجيا ومعناه الضغط على المكابح لإبطاء سرعة انزلاق المركبة الجامحة ومنع خروجها عن السيطرة.

ولكن المتوقع منا نحن أن ننظر إلى هذه الحوادث ـ وما تتسبب فيه من أضرار ـ باعتبارها من العواقب الطبيعية لمسيرة شركة (أوبن آيه آي) المستمرة نحو طرح أسهمها للاكتتاب العام بما يدر الملايين على مستثمريها؛ فمن الصعب أن نهرب من فكرة أن ألتمان يريد خصخصة أرباح شركته مع تعميم مخاطر المضي بالذكاء الاصطناعي إلى تطور لا قيود عليه.

ثمة مخاطر في كل تكنولوجيا نافعة ـ ولا شك أن الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا نافعة برغم الرافضين لها وتذمر مستخدميها بين الحين والآخر.

فالسيارات قد تتصادم، والأدوية التي تنقذ حياتنا كثيرا ما تكون لها آثار جانبية ضارة. وفي حالات نادرة للغاية، تسقط الطائرات من السماء. لكننا نتقبل هذه المخاطر لأن الفوائد كبيرة، ونضع القواعد للحد من الضرر. كما أننا أيضا نحاسب الشركات، والأهم من ذلك أن لنا رأيا ما في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستوى الخطورة المقبول أو غير المقبول.

ويبدو أن ألتمان يقترح أن يكون إصلاح تخبطات شركته مسؤوليتنا نحن، أو لعله يقترح ما هو أسوأ وهو أن نتسامح مع عواقب التكنولوجيا التي ينتجها. وخير لسام ألتمان أن يفكر في الأمر على نحو مختلف؛ فشركة (أوبن آيه آي) هي التي تقرر سرعة تطويرها لتكنولوجيتها وموعد إطلاقها لهذه التكنولوجيا. ومستثمروها هم الذين يستفيدون ماليا إذا ما ربحت مراهناتهم.

لكن يبدو أنه يقترح في حال حدوث مشكلات بسبب هذه التكنولوجيا خارج أسوار شركة (أوبن آيه آي) أن تقع تكاليف إزالة الأضرار على عاتقنا نحن لا على عاتق شركته.

وتزداد صعوبة الدفاع عن فكرة أن تجني شركات خاصة الأرباح ويبقى علينا أن نحن أن نعالج العواقب حينما لا تكون شركات الذكاء الاصطناعي شيئا نختار أن نستعمله من قبيل (روبوتات الدردشة) بل تكون شيئا يعمل في العالم ويغيره من حولنا.

فأنا حينما أسأل (تشات جي بي تي) عن شيء ويعطيني إجابة سيئة، أختار بنفسي أن أعرض نفسي لهذه المخاطرة، ومن ثم يكون عليَّ احتمال العبء. لكن هذا لا ينطبق على إدارة حكومية تجد فجأة أن أحد برامج شركة (أوبن آيه آي) يتسلل إلى ملفاتها ويفتش فيها؛ فهي لم تختر هذا، ولكنها أصبحت رغم إرادتها شريكا قسريا في تجربة شخص آخر.

لهذا تبدو الحجة التي يحتج بها سام ألتمان مفتقرة إلى الأمانة؛ فلا ينبغي أن يتسنى لشركة (أوبن آيه آي) اتخاذ القرار بالنيابة عنا جميعا حيال مستوى الفشل المقبول وغير المقبول، ثم تطلب من الجميع أن يتعايشوا مع النتيجة.

لا عجب أن تريد شركة (أوبن آيه آي) السرعة؛ فالشركة تسعى إلى كسب ثلاثين مليار دولار تمويلا جديدا، وإلى تقييم يبلغ 1.4 ترليون دولار قبل طرح أسهمها للاكتتاب العام المحتمل في السنة القادمة. فثمة أموال يجب جنيها، وليس مهما على حساب من سيكون ذلك.

لكن يحسب لسام ألتمان أنه اعترف أيضا في حوار مجلة بوليتيكو بأنه سوف يلزم إيجاد إطار لمحاسبة الشركات التي تطرح نماذج من قبيل نماذج شركة (أوبن آيه آي)، وأنه سوف يجب على الشركة أن تتحمل المسؤولية في بعض الأخطاء على الأقل مما يقع في فترات التدريب، ولكن صيغة الـ«بعض» هذه تعني بذل الكثير.

فلو أن سام ألتمان يعتقد أن بعض الأمور تمثل ثمنا مقبولا لتقدم الذكاء الاصطناعي فبوسع شركة (أوبن آيه آي) أن تتحمل هي هذا الثمن، حينما يحدث على سبيل المثال أن تمرق برامجها وتلحق أضرارا بأنظمة حكومية أو أنظمة خاصة أو تعرض للخطر بيانات بعض المستخدمين. فلا يمكن، ولا يجب، أن تحصل على المكسب المالي حينما يمضي كل شيء على ما يرام، ثم تطلب منا جميعا أن نقبل العواقب حينما تسوء الأمور. وذلك على وجه الخصوص هو الحال في تجربة لا قواعد لها ولم نوافق أصلا على إجرائها.

كريس ستوكل ووكر هو مؤلف «طفرة تيك توك: القصة الداخلية للتطبيق المفضل في العالم».

الترجمة عن الجارديان