الذين لا يقفون في الطوابير الطويلة -سواء لاستلام آيفون جديد، إصدار فنتازي، أو حتى كوز مثلجات بنكهة البيذام- لا يفهمون دافع المصطفين؛ إذ يبدو أن الواقفين يصنعون أوقات الانتظار التي طالما اجتهدنا لقتلها.
حين نصطف في طوابير العيادات، مؤسسات الخدمات العامة، والبقالات نقول إننا مضطرون؛ لأن هذه النشاطات تلبي حاجة أساسية. فنمضي متسائلين عن الحاجة التي يلبونها، وما إذا كانت القيمة تكمن في الإشباع الفوري للحاجة، أو مكافأة السبق، أو حتى في تجربة الوجود في الطابور نفسه.
نتحدث عن الحاجات وكأنها معطى تحدده الطبيعة، لنا قدرة تقسيمها إلى أساسي وثانوي. ثم نضعها في هياكل هرمية، ونفترض أنها تُلبى عبر عملية خطية نتحرك فيها من الأساسي إلى الثانوي إلى الرفاهيات.
وطريقة السير على هذا الخط تفصل بين الإنسان الحكيم الذي يسير نحو النجاح، والأرعن الذي سيكون إلى الأبد ضحية فوضاه. ننظر إلى ترتيب الأولويات كأمر يجوز فيه العتب. يُلام من يثب، ويُستخف بمنطقه.
نتحدث عن ترتيب الأولويات وكأنه شيء متفق عليه، مع أن هذا لا يتطابق بأي شكل مع الواقع الذي نختبره في يومنا. وكلما حاولنا أن نُحدد ما هو الأولى بالتلبية نُفاجأ بأنفسنا، حين يأتي قلم الحمرة قبل الخبز.
بالطبع سمعنا عن الإقبال على عمليات التجميل في سوريا، التي صارت تنشط كلما اشتدت الحرب، التي تُقدم باعتبارها ظاهرة اجتماعية.
دراسة العلاقة بين الأزمات (الحروب، الركود الاقتصادي) ونمط الاستهلاك ليس جديدا. غالبا ما يُشار إلى نمطين يبدوان متعارضين. النمط الأول يتمثل في التقشف عبر التحول إلى منتجات أدنى قيمة، كاللجوء للمعلبات أو استبدال اللحوم بالبقوليات، كل حسب الظرف.
أما النمط الثاني فيتعلق بزيادة استهلاك ما يُسمى بالمنتجات المعززة للمعنويات؛ أي اللجوء للكماليات في وضع يصعب فيه سد الحاجات الأساسية.
يُطلق على هذه الظاهرة «أثر قلم الحمرة» الذي يصف ميل النساء إلى استهلاك منتجات التجميل (أو خدماته في هذه الحالة) مع اشتداد الأزمات، ويعزون ارتفاع المبيعات لرغبة النساء في أن يبدين جذابات أكثر؛ لتحسين فرصهن في الارتباط، وبالتالي تحسين ظروفهن المعيشية.
ثمة طرح آخر يقترح أن الظروف الاستثنائية للحروب تصنع نوعا من الاستقطاب الجندري، والتجمل هو المعادل الأنثوي لحمل السلاح.
خلاصة القول إن حياتنا المعاصرة المعقدة تفرض ترتيبا يصعب تفسيره للأولويات، والأزمات تجعل فوضى الحاجات صارخة.
يذهب الحوار دائما باتجاه النظر إلى من لا يرتب الأولويات وفق المتعارف عليه و»المنطقي» بأنه شخص مأزوم، فيما تغيب فكرة أهلية تحديد الحاجات، والحق في خلق ظرف يضمن القدرة المستقلة على إشباعها.
وعند تناول القضية، تتحول المعاناة الاقتصادية، إلى ظاهرة اجتماعية. وبدل التشديد على أن النساء يتضررن بالحروب على نحو خاص (أي باعتبارهن نساء)، تُطلق دعوات لإعادة تصويب الأولويات. وما أكثر كلمات الحق التي يُراد بها باطل في هذا السياق.
فالواقع أن الخضوع لعمليات التجميل نادرا ما يسبقه تقييم سريري للتثبت من أن المقبلات عليه يتخذن قرارهن بوعي كامل وسط الحرب وما تجره من اضطرابات. والعالق في الأزمة يُريد تحريك حياته بأي اتجاه؛ ليشعر ولو قليلا بأنه يمتلك نفسه ويتحكم بحياته. لكن لا يجب أن تتحول دعوات التقييم النفسي (وهي مهمة) إلى أداة للوصاية.
نتحدث عن الحاجات أيضا وكأنها معطى ثابت، عابر «للبلادين» والثقافات، إلى أن نتنبه أن السيارة -مثلا- ضرورة لا غنى عنها في مدن الخليج، وهو أمر لا ينطبق على معظم مدن العالم.
وبالتالي، فهذه الحاجة الخاصة وليدة السياسات العمرانية، وأمر تقرره البنية التحتية وتوفر المواصلات. والتفاوت في توفر المرافق والخدمات يُقرر من يُمنح الرفاه والفرص، ومن يُحرم منها. والحرمان (وهو نتاج سياسي) يصنع منطقا مختلفا للأولويات.
ولا ننسى ما أججته أزمة كورونا من أسئلة حول الحاجات الاجتماعية؛ إذ وجدنا أنفسنا في وضع تقرر فيه السلطات شروط تلبية هذه الحاجات. وترتب -كما يحدث دائما في الأزمات الطارئة- الأولويات بناء على قراءتها للواقع وتقييمها للأوضاع.
ما أحاول قوله هنا هو أنها ليست الغريزة بل النظام من يصنع منطق الأولويات.