تهدف التقارير السنوية لمؤشر الابتكار العالمي بشكل عام إلى ترتيب دول العالم وفق قوتها الابتكارية، سواء في الترتيب العام أو في المؤشرات الفرعية التي يتألف منها المؤشر.

كما يساعد هذا الترتيب على قياس مستويات الأداء، وإجراء المقارنات على المستويين الإقليمي والدولي، وتحديد نقاط القوة والضعف في جميع المؤشرات الفرعية التي يتألف منها والموزعة على سبع ركائز رئيسية هي: المؤسسات، ورأس المال البشري والبحوث، والبنية التحتية، وتطور السوق، وتطور الأعمال، ومخرجات المعرفة والتكنولوجيا، وأخيراً المخرجات الإبداعية.

وقد عرّفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الابتكار بأنه منتجٌ أو عملية جديدة أو محسّنة تختلف جوهرياً عن المنتجات أو العمليات السابقة للوحدة الابتكارية؛ بحيث تكون متاحة للاستخدام.

ونظراً لتعدد الركائز والمؤشرات التي يتكون منها المؤشر؛ يُسلط هذا المقال الضوءَ على نتائج سلطنة عُمان في بعض مؤشرات ركيزتي رأس المال البشري والبحوث، ومخرجات المعرفة والتكنولوجيا؛ نظراً إلى أن التراجع خلال الأعوام الخمسة للفترة بين (2022 إلى 2026) تركز فيهما دون غيرهما من الركائز السبع.

تُرتب الدول في مؤشر الابتكار العالمي وفقاً للدرجة الكلية التي تحصل عليها؛ فكلما حصلت الدولة على درجة أعلى، ارتفع ترتيبها والعكس صحيح. وتعكس النتائج الصادرة لـ (139) دولة دقة وموضوعية منهجية القياس؛ إذ لم تتجاوز درجة الدولة الأولى عالمياً (سويسرا) ستّاً وستين درجة من أصل (100) درجة.

كما أن تشعّب المؤشر وتشكّله من تسعة وسبعين مؤشراً فرعياً يجعل من الصعوبة بمكان الحصول على درجات مرتفعة في جميع المؤشرات.

وبشكل عام ارتفع ترتيب سلطنة عُمان خلال الأعوام الخمسة بمقدار عشر مراتب لتصل إلى الترتيب (69) عالمياً، وهو الترتيب نفسه المستقر خلال السنتين الأخيرتين. كما حلّت سلطنة عُمان في المرتبة الأخيرة خليجياً بينما تصدرت دولة الإمارات العربية المتحدة الترتيب الخليجي والعربي.

وعلى المستوى الوطني في الركائز السبع للمؤشر شهدت خمس ركائز رئيسة تحسناً كان أبرزه في ركيزة، المؤسسات، وفي المقابل سجلت ركيزتا رأس المال البشري والبحوث، ومخرجات المعرفة والتكنولوجيا تراجعاً. وبالنظر إلى المؤشرات الفرعية كافة حققت سلطنة عُمان أفضل ترتيب عالمي لها في مؤشري استدامة سياسات وممارسة الأعمال، وسياسة وثقافة ريادة الأعمال.

وتتكون ركيزة رأس المال البشري والبحوث من اثني عشر مؤشراً فرعياً تشير نتائج سبعة مؤشرات منها إلى ضعف ملحوظ. من المؤشرات المهمة في فئة التعليم: مؤشر، العمر المتوقع للتعليم - لكلا الجنسين - من المرحلة الابتدائية حتى التعليم العالي؛ حيث حصلت سلطنة عُمان على درجة ضعيفة وترتيب متأخر مقارنة بالدول المدرجة.

إذ تشير القيمة التي حصلت عليها (13 سنة) إلى قصر متوسط فترة بقاء الطلبة في المنظومة التعليمية مع ملاحظة أن عدد السنوات لا يعني بالضرورة عدد الصفوف التي ينجح فيها الطالب، لكونه يحتمل وجود حالات تسرب أو إعادة للسنة الدراسية.

وللمقارنة حققت دولة الإمارات مرتبة متقدمة في هذا المؤشر بعمر متوقع بلغ (15.8) سنة. وجدير بالذكر أن سويسرا - المتصدرة للمؤشر العالمي - لم تحتل المركز الأول في هذا المؤشر الفرعي رغم وصول متوسط سنوات بقاء الطلبة لديها إلى (16.5) سنة، بل جاءت في المرتبة (29) عالمياً؛ حيث سبقتها دول أخرى مثل اليونان وأستراليا.

ومن المؤشرات المهمة أيضاً في فئة التعليم: مؤشر نتائج برنامج تقييم الطلاب الدولي (PISA) في القراءة والرياضيات والعلوم؛ حيث يتضح من البيانات أن سلطنة عُمان غير مدرجة، وقد يعود ذلك إلى عدم مشاركتها ودولتي الكويت والبحرين في هذا التقييم في حين أن قطر والسعودية والإمارات التي شاركت فيه حققت مراتب متقدمة عالمياً وخليجياً في الترتيب العام للمؤشر.

أما بالنسبة لمؤشر معدل الالتحاق بالتعليم العالي كنسبة من إجمالي السكان في الفئة العمرية للسنوات الخمس التالية لإتمام التعليم العام - بغض النظر عن العمر - فقد جاءت نتائج سلطنة عُمان في مرتبة متأخرة. ويمكن تعليل ذلك بأن نظام القبول بمؤسسات التعليم العالي الحكومية يحصر فرص استكمال الدراسة غالباً على حديثي التخرج من التعليم العام.

وفيما يخص فئة البحوث والتطوير ضمن ركيزة رأس المال البشري والبحوث جاءت أغلب نتائج المؤشرات دون التوقعات؛ فعلى سبيل المثال يقيس مؤشر الباحثين بدوام كامل لكل مليون نسمة، الوقت الفعلي الذي يقضيه الباحثون في الإنتاج العلمي والتطوير، وإيجاد معارف جديدة. وقد يُعزى ضعف نتيجة سلطنة عُمان إلى عدم تفرغ الأكاديميين للأغراض البحثية بسبب انشغالهم بالمهام التدريسية والإدارية.

ومن الأسباب الرئيسية أيضاً أن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) تصنف سلطنة عُمان ضمن الدول ذات الدخل المرتفع، ومعه يرتفع المعيار المتوقع لنسبة الباحثين بدوام كامل مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي؛ إذ يُتوقع أن يكون المعدل في حدود ثلاثة آلاف باحث على الأقل لكل مليون نسمة بدلاً من (739.4) باحثاً مكافئاً للدوام الكامل وفق النتائج الحالية فضلاً عن تمركز معظم القوة البحثية في القطاع الحكومي مع ضعف مساهمة القطاع الخاص في البحث والتطوير.

وعلى الرغم من ذلك أظهرت إحصاءات المسح الوطني للبحث والتطوير التجريبي نمواً متسارعاً في الإنفاق ليصل إلى (189) مليون ريال عُماني. وعليه فالمعضلة لا تكمن في ضعف التأهيل؛ إذ يشير مؤشر، خريجي العلوم والهندسة إلى حصول سلطنة عُمان على ترتيب متقدم، عليه ينبغي استثمار هذه المخرجات في رفع كفاءة البحوث من خلال التفرغ والتوظيف البحثي الكامل، وهو توجه أخذت به بعض الجامعات الخليجية بتعيين باحثين متفرغين للبحث العلمي دون إشغالهم بالتدريس لرفع جودة المخرجات العلمية.

أمّا الركيزة الثانية؛ وهي مخرجات المعرفة والتكنولوجيا، فقد شهدت نتائج سلطنة عُمان فيها أعلى نسبة انخفاض في الترتيب العالمي خلال الأعوام الخمسة بلغت (31%)، وانخفاضاً سنوياً حاداً لنتائج هذا العام مقارنة بالعام الماضي بنسبة (41.9%). وتتضمن هذه الركيزة ثلاث فئات هي: إنتاج المعرفة وتتألف من خمسة مؤشرات، وتأثير المعرفة وتتكون من أربعة مؤشرات، وانتشار المعرفة وتتضمن خمسة مؤشرات؛ حيث لم تحقق سلطنة عُمان درجات أو مراتب متقدمة في أَيٍّ من هذه الفئات.

ومن أبرز مؤشرات هذه الركيزة: مؤشر طلبات براءات الاختراع لكل مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي، والذي يقيس طلبات البراءات المودعة من المقيمين سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات، لدى مكتب الملكية الفكرية الوطني. وتُعزى النتيجة المتواضعة التي حصلت عليها سلطنة عُمان (0.40 طلب لكل مليار دولار) إلى عدم تناسب هذا الرقم مع حجم الناتج المحلي الإجمالي المرتفع، مما يستدعي زيادة حجم طلبات براءات الاختراع لكي تواكب المستوى الاقتصادي.

وفي فئة تأثير المعرفة المكونة من أربعة مؤشرات سجل مؤشر نمو إنتاجية العمل أدنى درجة وترتيب عالمي لسلطنة عُمان في هذه الفئة. ويُقاس هذا المؤشر بمتوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لكل عامل خلال السنوات الخمس الأخيرة. وبمقارنة نتيجة هذا المؤشر سالب (1.7) بمستهدفات وثيقة رؤية عُمان يتضح أنها أقل حتى من بيانات خط الأساس لعام (2017) في حين تستهدف الرؤية الوصول بمعدل نمو إنتاجية العمالة إلى ما بين (2% و3%) في نهاية فترة الرؤية.

ختاماً حلّت سلطنة عُمان هذا العام في المرتبة (69) عالمياً. ولتحقيق مستهدفات رؤية عُمان بالوصول إلى قائمة أفضل (20) دولة عالمياً في مؤشر الابتكار بحلول عام (2040) يتطلب الأمر وضع خارطة طريق واضحة لجميع ركائز الابتكار السبع، وعلى وجه الخصوص ركيزتي رأس المال البشري والبحوث، ومخرجات المعرفة والتكنولوجيا اللتين تدنت أغلب مؤشراتهما الفرعية.

كما أن إنشاء هيئة البحث العلمي والابتكار كجهة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، ودمج قطاع التعليم ليكون في وزارة - التعليم - من الممكن أن يعمل على إعادة النظر في مواطن القوة والضعف لرفع نتائج سلطنة عمان في مؤشر الابتكار العالمي في الأعوام القادمة.