ما تعلمته مع مرور الوقت أن للقلق مظاهر عديدة، بالتأكيد أن الجميع يختبرون القلق، لكنه يصبح مرضيًا عندما يُلح في تثبيت أعراضٍ بعينها، ويعمل على تغذيتها لتصبح حارقة على نحو غير محتمل.

والقلق لا يرتبط بالضرورة بحدثٍ في الماضي، يتم إحياء صور «استعادية» مرتبطة به، بل هو قادر على اختراع صور لها طبيعة الصور الاستعادية المتحققة كما لو أنها حدثت بالفعل! ربما لهذا أعتقد أن للأشخاص القلقين قدرة على التخييل تفوق أقرانهم.

من بين أكثر الأشياء التي تقلقني خلال هذه الفترة -وقد كتبتُ عن هذا كثيرًا- الذكاء الاصطناعي. فكلما مر الوقت شعرتُ بأنني في حالة من الإنكار المدفوع قسرًا لعدم قدرتي على التعامل مع تعقيد هذه الكارثة وحتميتها.

أنا أُفضل، كما يبدو كحيلة دفاعية، التصرف كما لو أن ما يحدث يمكن الحكم عليه من الخارج، وتقييمه دون أن يسبب ضررًا مباشرًا وجسيمًا بالفعل، مع أنني أكثر من سيواجه مخالب هذا الوحش الذي ولد وانتهى الأمر، وعلينا التعامل مع فكرة أنه يكبر.

عندما أفكر في أننا كبشر لن نقبل أن يكبر بيننا هذا الوحش، أجد نفسي قد تخليتُ فورًا عن العالم كما هو عليه، كيف أنسى مثلًا أن هنالك حروبًا ضارية وإبادات جماعية، ومجموعات بشرية لا تجد شربة ماء، بينما «يلقي الآخرون بالتفاح في عرض البحر»؟ كيف أنسى هذه الفظاعات التي طبعنا معها، وبالتالي لماذا يبدو أن تنويعة أخرى على الشر والقبح قد انبثقت، وإن كانت هذه المرة في وجهي مباشرةً بعد أن كنتُ أختبر وجودها عبر ما تفعله بالآخرين البعيدين مباشرةً وعليّ بالتبعية، بصفتنا جميعًا نشترك في المصير نفسه شئنا أم أبينا.

أتأمل من حولي وسرعان ما تصبح لديّ أسئلة ملحة، ما الذي سيحدث لو لم يكن لكتابتي أي أهمية بعد الآن؟ لا أستطيع فعل أي شيء آخر، وقد استثمرت بالفعل كل عمري في العمل على تطوير كتابتي وقدرتي على فهم ما يحدث وتحليله وتقديم مقاربات للاشتباك معه، ماذا لو أن هذا لم يعد مهمًا بعد الآن؟ حسنًا، هل ينبغي عليّ فعل شيء الآن وفورًا قبل أن يفوت الأوان؟ لكنني أدرك أنه ما من شيء أستطيع القيام به.

وأنا غير قادرة على مجاراة هذا الوحش، ولا أستطيع التعويل على أخلاقيات العالم الذي أعيش فيه، إذ ما من أخلاقيات كما تقدم.

لطالما حدث التاريخ بينما لا يشعر الفاعلون فيه أنهم جزء منه، هذا أكثر ما تعلمته مثلًا من فترة جائحة كورونا، لقد كنا في وسط الكارثة، وبدا كما لو أننا بعيدون عنها، ورغم إلحاح حضورها، إلا أنه بدا كما لو أنني أقرأ عنها فصلًا تاريخيًا من كتاب قديم، إنها فترة خاصة ومحتقنة بطريقتها، إنها قطع في الزمن، شرخ في الإيقاع، وتكثيف لحالة بعينها، بيد أنها لم تكن هذا كله ونحن داخلها، كانت كما لو أنها تحدث في الخارج وأن بيننا وبينها غلالةٌ ومسافة بعينها.

يحدث الأمر نفسه الآن، إننا داخل لحظة مكثفة من وباء قاتل، ومع ذلك لا يبدو أننا معجونون بتلك اللحظة حقًا، إننا كمن يستطيع التعامل معها وإبقاء مسافة بينها وبينه.

يصعب عليّ تعلم أي شيء مما حدث، تبدو الدروس جديدة كلها، وحتى وإن أردتُ بكامل قواي أن أصر على التوقف لبعض الوقت لتشريح كل شيء، أجد بأنني بحاجة شديدة للإنكار لكي لا أُجن، ولأتمكن من استيفاء المطلوب وسداد ما ينبغي عليّ إنجازه الآن في عملي وفي علاقتي اللحظية بالعالم.

يزداد ألمي لهذا، وتزداد حيرتي، ولا أعرف ما الأولوية بالنسبة لي، الاستمرار في أداء الواجبات، أم الثورة لكي أحافظ على هذه الواجبات التي لم تكن عادلة في الأصل! كم هو محزن هذا كله، وقاتل.

ربما لا تكون المشكلة في أنني لا أعرف ما ينبغي فعله، بل في أنني أعرف أن ما ينبغي فعله أكبر من قدرتي الفردية على فعله، فيما تستمر الحياة في مطالبتي بأشياء صغيرة ومحددة وفورية: موعد، ونص، وعمل، وفاتورة، والتزام. لا يتوقف شيء لكي نتمكن من فهم ما يحدث لنا.

وربما لهذا تحديدًا يبدو القلق منطقيًا إلى هذا الحد؛ لأن الكارثة لا تأتي دائمًا في هيئة حدث يقطع الحياة إلى نصفين، بل قد تأتي بينما تستمر الحياة نفسها، بكل انتظامها السخيف، كأن شيئًا لم يحدث.