في ديسمبر 2018 تعهدت نانسي بيلوسي أمام جمهور غالبيته من اليهود قائلة إنه إذا ما انهارت المؤسسة التشريعية الأمريكية (الكابيتول) فإن الشيء الوحيد الذي سيبقى هو الالتزام بمساعدتنا لإسرائيل، ولا أسميها مساعدة أصلا وإنما هو تعاون، فهذا أمر أساسي.
ولكن هذا الالتزام تعثر في ما يبدو في منتصف يوليو حينما صوتت بيلوسي مع أكثر من مائة من زملائها لصالح تخفيض المساعدات للدولة اليهودية.
كان الدعم غير المشروط لإسرائيل في يوم من الأيام شائعا في الكونجرس الأمريكي شيوع شعار العلم على صدور أعضاء مجلس الشيوخ؛ وذلك إلى حد كبير بفضل جهود لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) التي حظيت بمباركة الحزبين. واليوم في أعقاب حرب إسرائيل الدموية على غزة التي بدأت ردا على هجمات حماس القاسية في السابع من أكتوبر 2023، باتت إسرائيل شبه منبوذة على المستوى العالمي والأمريكي.
وفي حديث له عن أفعال إسرائيل في غزة ولبنان والضفة الغربة قال جافين نيوصم حاكم كاليفورنيا لشبكة (بي بي إس نيوز) في سبتمبر: إن «إدانة ما يفعله بيبي نتنياهو تكاد تكون مطلقة» في دوائر الحزب الديمقراطي، وأضاف إلى ذلك أن في الحزب هذه الأيام «أغلبية كبيرة تعارض تلقي أموال من أيباك».
انتهى إذن عصر سلطة أيباك ونفوذها السياسيين منعدمي النظير؛ فلعل أكثر ما تثيره المجموعة الآن هو إجماع الحزبين على رفضها. ففي السباق الانتخابي على مقعد مجلس الشيوخ في ميشيجن تردد أن حلفاء المرشح الجمهوري مايك روجرز قد طلبوا من أيباك عدم الدعاية باسمه.
وقد استثمرت أيباك وجماعات تابعة لها قرابة ثلاثين مليون دولار في الإعلان خلال انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية هذا الصيف لمساعدة النائبة هالي ستيفنز في سعيها لنيل ترشيح مجلس الشيوخ في ميشيجن. وخلال ذلك السباق تباهى منافسها د. عبدالرحمن السيد بقوله: «إن أيباك وصفتني بأخطر مرشح في السباق». وبالطبع فاز د. عبدالرحمن السيد كما نعلم.
برغم التحول العميق في رؤية العالم لعميل أيباك الوحيد -أي دولة إسرائيل-، وبرغم تهميشها المتزايد في المشهد السياسي الأمريكي، لم تكتف المجموعة بعدم اعترافها بهذا التغير، لكنها تتصرف وكأن إسرائيل لا تزال تحظى بمثل ما كان لها من شعبية سنة 1991 حينما كانت الدولة اليهودية تحظى بنسب تأييد تصل إلى 80% من الأمريكيين.
في حين أن استطلاعا للرأي أجرته (إن بي سي نيوز) في 2026 قد انتهى إلى أن 32% من الناخبين الأمريكيين الآن هم الذين يرون إسرائيل إبجابيا، ويقل الرقم بـ13% بين الديمقراطيين.
فضلا عن ذلك، خسرت إسرائيل اليهود الأمريكيين أنفسهم. فوفقا لاستطلاع واشنطن بوست للرأي سنة 2025 قال 61% من اليهود الأمريكيين إنهم يعتقدون أن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب في غزة وإن 40% يعتقدون أنها ارتكبت إبادة جماعية.
وتبين لاستطلاع رأي حديث آخر أن قرابة نصف اليهود الأمريكيين دون سن الخامسة والثلاثين يعتقدون بوجوب حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال إقامة دولة واحدة ثنائية القومية، وهي فكرة تعدُّ هامشية منذ أن قال بها الباحث الأمريكي الفلسطيني إدوارد سعيد سنة 1999.
بات دعم إسرائيل اليوم عبئا ثقيلا كحجر رحى معلق في أعناق الساسة الديمقراطيين ومصدر صراع داخلي عميق لليهود الأمريكيين ممن ينشدون الموازنة بين إيمانهم بالصهيونية والليبرالية. فكثير من اليهود الذين لا يزالون يحددون هوياتهم من خلال دعمهم لإسرائيل هم ممن يحسبون الآن تكاليف دور رعاية المسنين ويفكرون في الأوساط التي سيتقاعدون فيها.
أما اليهود الأصغر سنا، شأن أغلب الشباب الأمريكيين من شتى الخلفيات الدينية والعرقية، فيزدادون إعرابا عن رؤى سلبية للدولة اليهودية.
والسؤال الذي يواجه أيباك لا يتمثل ببساطة في ما لو أنها قادرة على العثور على سبيل للتكيف مع هذا العالم السياسي الجديد ولكنه سؤال أعمق عما لو أنها قادرة على أن ترى أصلا التغيرات التي تفرضها هذه الظروف الجديدة؟
***
لقد تأسست أيباك على يد (إيل . سي. كينين)، وهو مسؤول دعاية سابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، في غداة مجزرة الجيش الإسرائيلي سنة 1953 التي راح ضحيتها تسعة وستون فلسطينيا في قرية تدعى قبية. اقترح كينين على أصدقائه وزملائه إقامة منظمة جديدة، حملت في البداية اسم اللجنة الأمريكية الصهيونية للشؤون العامة، لتمثيل القضية الإسرائيلية كلما استوجبت الظروف ذلك.
وكان دأب وزارة الخارجية الأمريكية أنها تحاول الضغط على إسرائيل لتبني موقف أكثر كرما مع قرابة سبعمائة وخمسين ألف فلسطيني طردتهم قبل حرب استقلالها وخلالها ـ وذلك ما يطلق عليه الفلسطينيون اصطلاح النكبة ـ فلا تلقى محاولاتها إلا العقبات التي أسهمت في إثارتها المعارضة السياسية السابقة لأيباك.
كان هدف أيباك في تلك السنين الأولى هو دعم مصالح إسرائيل التي كانت تمثل آنذاك داود الشاب المكافح في مواجهة جالوت الدول العربية المحيطة المعادية. وكانت رسالتها مباشرة ومقبولة من الحزبين: إسرائيل بوصفها بلدا ديمقراطيا في الشرق الأوسط تستحق أخلاقيا سخاء الدعم الأمريكي ماليا وعسكريا ودبلوماسيا.
كانت الولايات المتحدة تنتظر أن يدر ذلك الدعم عائدات استراتيجية سواء في المنطقة التي بات للولايات المتحدة فيها حليف موثوق أو في السياسة الداخلية؛ حيث كانت لإسرائيل شعبية هائلة بين الناخبين بغض النظر عن أديانهم إلى حد كبير.
وبحلول عام 1963 وصف السناتور جيه وليم فولبرايت ـ رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ آنذاك ـ منظمة أيباك بـ«أقوى وأكفأ جماعة ضغط - لوبي - معنية بالسياسة الخارجية في المشهد السياسي الأمريكي».
في مطلع ثمانينيات القرن العشرين شرع مدير أيباك التنفيذي توماس داين ـ مساعد تيد كينيدي السابق في توسيع جماعة الضغط لتشمل عملياتها البلد كله من الساحل إلى الساحل على غرار (الاتحاد الوطني للبنادق) أو (الاتحاد الأمريكي للمتقاعدين) فتكون عضويتها وطنية شاملة للممولين الأثرياء وكذلك لليهود الأمريكيين الذين يزدادون تعريفا لهوياتهم الدينية والسياسية من خلال دعم إسرائيل. فيمكن الاعتماد على كلتا المجموعتين في الاتصال بأعضاء مجلسي الشيوخ والنواب والكتابة إليهم وتهديدهم إن لزم الأمر.
وبالاعتماد على مزيج من شديدي الثراء وشديدي الالتزام، زاد داين من ميزانية أيباك السنوية لتبلغ خمسة عشر مليون دولار بعد أن كانت 1.7 مليون دولار تقريبا. وبنهاية القرن باتت خمسين مليون دولار وباتت لها تسعة مكاتب إقليمية وعشرة مكاتب فرعية، وفي الوقت نفسه تضاعف تقريبا الإنفاق الأمريكي العام على المساعدة العسكرية لإسرائيل.
بدأت أيباك أيضا في التودد إلى المرشحين الانتخابيين وموظفي الكونجرس، وكانت توفر لكل واحد منهم لغة التشريع ومحاور للحديث. ومولت رحلات ترفيهية فاخرة ونظمت لقاءات دورية مع الصحفيين والمحررين لمحاولة صياغة سرديات بشأن إسرائيل والشرق الأوسط تصل إلى الرأي العام. وكان الحاخامات يتلقون خطبا وعظية جاهزة للاستعمال وموالية لإسرائيل.
ومع ذلك، لسنين كثيرة، لم تكن أيباك تؤيد مرشحين انتخابيين محددين أو تقدم تمويلات مباشرة لهم. لكنها كانت تكتفي بضمان أن يحظى مرشحون معينون توافق عليهم، وينتمون لكلا الحزبين، بتمويلات كافية، خلافا لمن لا توافق عليهم.
بدأ دور أيباك يتغير في عام 1993 باستقالة داين وتولي مجموعة أكثر محافظة من أعضاء مجلس الإدارة وكبار الموظفين. حينما حاول رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين أن يقيم سلاما مع الفلسطينيين في مطلع تسعينيات القرن الماضي، اكتفت أيباك بدعم القضية على مضض.
وفي حين أن قادتها لم يقوضوا عملية السلام بوضوح، فقد ضغطوا منفردين من أجل إصدار تشريعات تعقّد المفاوضات، من قبيل مشروع قانون يطالب إدارة كلينتون بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس.
بعد اغتيال رابين سنة 1995 وما أعقبه من انهيار عملية السلام استأنفت أيباك مسيرتها المطّردة إلى اليمين. كما بدأت جماعة الضغط تتبنى دعم الصهاينة المسيحيين اليمينيين المتشددين.
في حوار علني سنة 2021، قال رون ديمير ـ وهو سفير إسرائيلي سابق لدى الولايات المتحدة وحليف وثيق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ـ إن «العمود الفقري لدعم إسرائيل في الولايات المتحدة يتمثل في المسيحيين الإنجيليين» وليس اليهود الأمريكيين الذين قال إنهم «يشكلون نسبة من نقاد إسرائيل تتجاوز حجمهم». وحذت أيباك حذوه.
***
يمكن أن نتعقب التحدي المعين الذي تواجهه المنظمة اليوم رجوعا إلى قرار نتنياهو بالمثول أمام الكونجرس في مارس 2015 بدعوة من النائب الجمهوري جون بوينر رئيس المجلس آنذاك. ففي خطوة غير معهودة من حليف أجنبي، اصطف نتنياهو علنا مع محاولات الحزب الجمهوري لتقويض الرئيس أوباما، وهو الديمقراطي الذي كانت تدعمه أغلبية من اليهود الأمريكيين.
وفي خطبته، أدان نتنياهو الجهود الدبلوماسية التي تبذلها إدارة الرئيس أوباما لنزع الأسلحة النووية الإيرانية، وهي الجهود التي اشتهرت باسم «صفقة إيران». أنفقت أيباك ومنظمة تابعة لها قرابة ثلاثين مليون دولار في حملة فاشلة لمنع إجازة هذه الصفقة.
بات التطابق المتزايد بين أيباك وأساليب الحزب الجمهوري وأهدافه أشد وضوحا خلال العقد الماضي. ففي مطلع 2020، أنتجت إعلانا على فيسبوك يتهم «الراديكاليين في الحزب الديمقراطي» بأنهم «يحشون حلوق الشعب الأمريكي بسياساتهم المعادية للسامية ولإسرائيل».
كان مؤتمر أيباك السنوي في وقت من الأوقات منصة لكل الطامحين إلى الرئاسة، لكن في عام 2019 رفضت السناتورتان إليزابث وارين وكمالا هاريس، وكذلك النائب السابق بيتو أوروك وآخرون، حضور المؤتمر، وذلك قرار كان يصعب تخيله قبل أربع سنوات فقط.
في ديسمبر 2021، أنشأت أيباك لجنة عمل سياسية عليا تميل هي الأخرى إلى اليمين. وسارعت المجموعة بحشد تمويل هائل وأعلنت تأييدها لأكثر من مائة مرشح جمهوري، أغلبهم سبق أن صوتوا ضد التصديق على نتائج الانتخابات الرئاسية لعام 2020. بحلول عام 2022 ضمت قائمة كبار المتبرعين أثرياء جمهوريين محافظين من أمثال بيرني ماركوس مؤسس سلسلة متاجر هوم ديبوت، ومدير صندوق التحوّط، بول سينجر.
باستعمال أموال الجناح الجمهوري اليميني في إلحاق الهزيمة بالمرشحين الليبراليين في انتخابات الحزب الديمقراطي التمهيدية أثارت أيباك غضبا كبيرا من التقدميين عليها، وزادت الجفوة بينها وبين التيارات الأساسية للرأي العام لدى اليهود الأمريكيين.
وصحَّ هذا بصفة خاصة على شباب اليهود الأمريكيين الذين تشكلت رؤاهم لإسرائيل بفعل الاحتلال القمعي المتزايد للضفة الغربية وغزة قبل السابع من أكتوبر والقتل الجماعي للفلسطينيين الذي وقع في غداة ذلك اليوم.
ونتيجة لذلك بدأت الاستراتيجية الانتخابية للجماعة تأتي بنتائج عكسية. في فبراير أنفقت لجنة العمل السياسي العليا التابعة لأيباك 2.3 مليون دولار في الانتخابات التمهيدية بنيوجيرسي لمحاولة إلحاق الهزيمة بالنائب السابق توم مالينوسكي وذلك لما اعتبرته دعما متراخيا منه لإسرائيل.
وخسر مالينوسكي، لكنه لم يخسر أمام المرشح الأكثر موالاة لإسرائيل، إنما أطاحت به مرشحة أشد يسارية منه هي أناليليا ميخيا المساعدة السابقة لبيرني صاندرز التي أشارت إلى اعتقادها بأن أفعال إسرائيل في غزة ترقى إلى الإبادة الجماعية.
في إيلينوي استثمرت لجنة العمل السياسية العليا التابعة لأيباك أكثر من خمسة ملايين دولار في محاولة لعرقلة دانيال بيس في سباق الانتخابات التمهيدية الديمقراطية للترشح للكونجرس عن الولاية. وبيس هو حفيد ناجين من الهولوكوست، ووالدته إسرائيلية، لكنه يؤيد الحد من مبيعات الأسلحة لإسرائيل والاعتراف بدولة فلسطينية. وحينما فاز بيس بالسباق تباهى بعزمه على «مواجهة أيباك بوضوح وتكرار».
بل إن الديمقراطيين في المؤسسة من أمثال كوري بوكر وروبن جاليجو قطعوا صلتهم بأموال أيباك إدراكا منهم ولا شك لأن الارتباط بجماعة الضغط في تلك الأيام يمكن أن يحول الحملة الانتخابية إلى ما لا تحمد عقباه. ويشعر كثير من الديمقراطيين المؤيدين لإسرائيل أنهم مرغمون على مقاومة نتنياهو وانتقاد سلوكه في الحكم علنا، والجهر برفض قاطع لدعم جماعة الضغط.
ومن المرجح أن تأثير أيباك في سياسة الحزب الديمقراطي في المستقبل سوف يقتصر إما على أن تكون جهة مثيرة للقلق أو مفسدة خفية.
ومن خلال التمسك بخطها العتيد المتصلب الموالي لإسرائيل في الحق والباطل، وتحالفها مع حزب باتت رؤاه للعرق والهجرة والاقتصاد، وتضاف الديمقراطية في هذه الأيام، مرفوضة لدى معظم اليهود الأمريكيين، فقدت أيباك عمليا دورا نعمت به في الأيام التي كانت فيها إسرائيل قضية إجماع من الحزبين. وفي الوقت الذي تتجه فيه أمريكا إلى انتخابات التجديد النصفي، من الواضح أن جماعة الضغط قد فقدت الديمقراطيين تماما ولعلها تمضي في علاقتها بالجمهوريين أيضا على طبقة هشة من الجليد.
***
ولكن تبقى فرصة لأيباك كي تلعب دورا أمينا إيجابيا، ولا يقل أهمية في السياسة الأمريكية.
ففي حين أن الحجج المناصرة للفلسطينيين في اليسار لا تخلو تقليديا من مسحة معاداة للسامية، ففي الآونة القريبة بات تسامح اليمين المتزايد مع انتشار معاداة السامية بين الأصوات الأكبر نفوذا فيه ـ من أمثال تاكر كالرلسن وكانديس أوينز وحتى نيك فوينتس ـ قد بات يتحول إلى حمى من معاداة الصهيونية. وغضب حركة ماجا بسبب إيران (ودور إسرائيل في الحرب) زاد الأمر صعوبة.
لو كان لأيباك أن تلزم نفسها بالمعركة ضد هذا الدمج لمعاداة السامية اليمينية قديمة الطراز بمعاداته الجديدة الحادة للصهيونية، فسيكون بوسعها أن تخدم مصالح إسرائيل، واليهود الأمريكيين، والولايات المتحدة، في آن واحد، ولعلها تنقذ سمعتها أيضا في أثناء ذلك.