في بلد عربي، فصلت نحو أربعة عقود بين تعدادين شاملين للسكان. وُلد جيل وكبر ودخل سوق العمل بين الموعدين. وفي بلد عربي آخر، يعود آخر تعداد شامل إلى ثلاثينيات القرن الماضي وفي بلد ثالث لا يبدو الحال أفضل كثيرا والأمر نفسه في بلد رابع وخامس. توجد تقديرات ومسوح وسجلات تعين على معرفة السكان واحتياجاتهم، لكن طول هذه الفجوة وضياعها يترك مسائل أساسية عن المجتمع معلقة بين أرقام متباينة، مع أن الكثير من القرارات التي تمس حياة الملايين تُبنى عليها.

وراء الحالات السابقة حروب وانقسامات وحسابات سياسية وترهل في بنية العالم العربي من أجل بناء مجتمعات تقوم على المعرفة، إلا أن هذه النماذج لا تختزل العالم العربي كاملا. مع ذلك، تضعنا تلك النماذج أمام عادة أوسع تتمثل في الحديث عن أنفسنا بثقة تتجاوز ما نعرفه. نجزم بما يريده الشباب وما يفكر فيه الناس وما ستنتهي إليه الحروب، وكثيرا ما يصعب العثور في هذا الكلام على دراسة يمكن الرجوع إليها، أو على خط فاصل بين ما نعرفه وما نرجحه وما نريد له أن يحدث، وكثيرا ما يغيب المنطق عن هذه التحليلات.

ولهذا الجزم سوق رائجة، فالشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي تكافئ وتصفق طويلا لصاحب التوقع القاطع وبطريقة قد لا ينالها الباحث الذي يتحفظ في إجابته من أجل التدقيق والبرهنة. يستطيع المحلل أن يبشر بانتصار أو انهيار ثم يعود بتوقع جديد بعدما أسقط الواقع توقعه الأول، من دون أن يُسأل عن سبب الخطأ أو عن المنهج الذي قاده إليه. ومع التكرار، يعتاد الجمهور نبرة الواثق ويغيب عن النقاش سجل أقواله ومدى صمودها أمام الوقائع.

تزداد جاذبية اليقين أثناء الحروب والأزمات، حين يحتاج الناس إلى ما يطمئنهم ويصبح التحفظ ثقيلا على السمع. كما يضطر أصحاب القرار إلى التصرف قبل اكتمال المعلومات. هذه الظروف تجعل الإفصاح عن حدود المعرفة أكثر ضرورة. التقدير الجاد يوضح الأدلة التي يستند إليها واحتمالات خطئه، وما قد يدفع إلى مراجعته. والوعد القاطع يرفع كلفة المفاجأة حين تسلك الأحداث طريقا آخر، ويترك وراءه ثقة يصعب ترميمها.

وقد تكون المعرفة نفسها مزعجة لمن طلبها. ربما تظهر دراسة أن برنامجا يحظى بسمعة واسعة محدود الأثر، أو أن أولويات الشباب تختلف عما يقال باسمهم. وقد تحمل الأرقام ما يستدعي إعادة توزيع الموارد أو مراجعة سياسة قائمة. وهذا الأمر يختبر قدرة المؤسسات في العالم العربي على الاستفادة من البحوث التي تمولها بغض النظر عن النتيجة التي وصلت لها تلك البحوث والدراسات.

يظل الحديث عن «ثقافة اليقين» ناقصا من دون النظر إلى الشروط التي تشجعها؛ فالحصول على المعلومات والبيانات التي تبنى عليها التصورات في العالم العربي أمر صعب جدا الأمر الذي يفتح الباب واسعا أمام حديث الانطباعات والتخمين. وتظهر كذلك مشكلة المراجعة في الثقافة العربية؛ لذا تستمر بعض السياسات القاصرة لأن الاعتراف بقصورها مكلف لصاحبها فيما تبقى كلفة استمرارها على الناس قائمة!

يحتاج العالم العربي إلى عمل مؤسسي متصل له تمويل وقواعد وضمانات. يبدأ ذلك بإحصاءات منتظمة تُتاح للباحثين والجمهور، مع شرح طرق جمعها وحدود دقتها، وبجامعات تملك موارد البحث وحرية السؤال ونشر النتائج. وينبغي أن تصبح مراجعة السياسات جزءا معلوما من تنفيذها، يُحدَّد موعدها ومعاييرها منذ البداية، حتى يكون التصحيح جزءا من مسؤولية صاحب القرار، ويستطيع الناس أن يروا أثره.