تحل اليوم الذكرى الثالثة لأطول حرب عربية إسرائيلية، وهي ذكرى هجوم السابع من أكتوبر أو طوفان الأقصي. في ٦ أكتوبر ٢٠٢٣ أي قبل يوم من حدوث التطور الأخطر في الشرق الأوسط منذ حرب أكتوبر ١٩٧٣ تنبأ كاتب هذا المقال في هذه الصحيفة الغراء بأن الغرور الإسرائيلي قد يعرضها لضربة كبرى كضربة العبور.. وهو ما حدث بعدها بيوم واحد باختراق المقاومة الفلسطينية غلاف غزة واقتحام المستوطنات الإسرائيلية فيما يعتبره استراتيجيون إسرائيليون الهزيمة الأكثر إذلالا منذ ١٩٤٨.
يتبع الصهاينة والإعلام اليميني الإسرائيلي والغربي نظرية مؤسسي إسرائيل في تيئيس الفلسطينيين والعرب من فكرة المقاومة واسترداد حقوقهم المشروعة عبر تسييد سردية قنوط تصور فيها كل أفعال المقاومة والمبادأة العسكرية العربية على أنها لم تجن سوى الهزيمة وتكبيد ثمن فادح من الخسائر البشرية والمادية.
يسمي العرب الإبراهيميون يوم ٧ أكتوبر باليوم المشؤوم على العرب وهو أمر مثير للسخرية؛ إذ إنه نفس التعبير الذي يستخدمه الإسرائيليون ولكن باعتباره اليوم الأكثر شؤما على إسرائيل منذ الهولوكوست !!
فرز الحقائق وفصلها عن تيار الهاسبارا «الدعاية» الصهيونية التي يقوم بها عرب بشكل أكثر حماسا وخبثا من الإسرائيليين أنفسهم هو مهمة ضرورية لوضع ٧ أكتوبر في ميزان الإنصاف عندما يعتدل ويستقر وتنجز توابعه الجيوسياسية المزلزلة مهماتها التاريخية.
أربعة معايير سياسية يمكن بها قياس مكاسب وخسائر الطوفان وأيهما يرجح الآخر.
أولا ماذا حقق الطوفان؟ وثانيا ماذا منع الطوفان من مخططات العدو؟ وثالثا ماذا كشف من مشاريع لإعادة بناء شرق أوسط جديد على مقاس الإمبريالية وقاعدتها الإسرائيلية المتقدمة في المنطقة؟.
ورابعا ما الذي حول نصرا كان ليكون مبينا ليتحول مثل كل انتصاراتنا نصرا ناقصًا «نصر إلا خمسة» يتجرأ الأعداء والطابور الخامس في صفوفنا على التشكيك فيه، بل وادعاء أنه كان هزيمة.
يمكن معرفة بعض ما حققه الطوفان من ملاحظة أين كانت القضية الفلسطينية قبله مباشرة؛ إذ كانت قد سقطت سقط متاع من أجندة العلاقات والشواغل الدولية وصارت قضية منسية.
وكانت الخطوة الأخيرة في تصفيتها على وشك الإنجاز بمشروع يدخل دولا عربية وإسلامية لا حصر لها في الاتفاقات الإبراهيمية. وكانت خطبة نتنياهو في الأمم المتحدة قبل الطوفان بـ ١٣ يوما فقط عن إسرائيل من النهر إلى البحر وما عرف بممر بهارات الذي يربط جنوب آسيا والعالم بنفط وتجارة الخليج وجزء من الشام عبر إسرائيل التي كانت ستصبح بمقتضاه ركيزة المنطقة والدولة الجيوستراتيجية القائدة في المنطقة.
أثبت الطوفان ما سعت اتفاقات إبراهام لطمسه وهو أنه من رابع المستحيلات تخطي القضية الفلسطينية، وأن طاقة المقاومة لدى الشعب الفلسطيني لم ولن تنفد طالما هناك احتلال عنصري، فعادت القضية الفلسطينية مرة أخرى إلى رأس الأجندة الدولية وإلى الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، والأهم من ذلك كله تحولت لأهم قضية إنسانية لدى شعوب العالم خاصة أجياله الجديدة التي ملأت الشوارع وساحات الجامعات شهورا متصلة.
بسبب الشجاعة والتضحيات وليس بسبب التوسلات بطلب الحماية ولا التعاون الأمني ارتفعت موجة غير مسبوقة للاعتراف بدولة فلسطين وانضمت إليها دول وازنة مثل بريطانيا وفرنسا وكندا.
تتبنى معظم الدول الآن شعارا سياسيا جامعا يقول «لن نسمح لإسرائيل بتدمير حل الدولتين وحرمان الفلسطينيين من دولة مستقلة».
على مستوى خسائر إسرائيل من الطوفان يكفي وفي عجالة ذكر غيض من فيض:
إسرائيل وأجهزة أمنها التي رفعتها الدعاية الغربية لمرتبة الآلهة التي لا تخطئ ليس فقط كانت ضحية لهول مفاجأة هجوم ٧ أكتوبر بل أنها كررت نفس الأخطاء التي وقعت فيها في ٦ أكتوبر ٧٣ عندما توالت إليها التحذيرات من عرب رفيعي المستوى ولم تصدقها واستهترت بها.
ففي ٧ أكتوبر تكشف الفضائح المتوالية وشجار نتنياهو والمعارضة قبل الانتخابات عن عشرات التحذيرات، وكان الاستهتار والغرور نصيبها.
الموساد والشاباك والوحدة ٢٠٠٨ ومجلس الأمن القومي الإسرائيلي ومخابرات الجيش كلهم سقطوا في الاختبار.
الأسوأ أن الاعتراف «بالتقصير» والبدء في استخلاص العبر من الخداع الأكبر في تاريخ إسرائيل لم يحدث بعد؛ فنتنياهو يتهرب من المسؤولية ويلقيها على غيره، وعرقل إنشاء لجنة تحقيق مستقلة حتى الآن على عكس جولدا مائير التي وافقت على لجنة أجرانات الشهيرة.
أسطورة الجيش الذي لايقهر والقادر على إقامة جدار حديدي على طريقة «جابوتنسكي» لا يمكن اختراقه تحطمت كما سبق وتحطمت على شط القناة قبل ٥١ عاما.
بل كان السقوط أسوأ؛ فهذه المرة تم اختراق الحدود الإسرائيلية نفسها وجرى جزء من الحرب على أراضيها، وتهاوت نظرية الأمن القومي الصهيوني الراسخة بنقل الحرب لأراضي العدو.
ومن هزم رابع أقوى جيش في العالم هذه المرة لم يكن جيشا كلاسيكيا مثل الجيش المصري في ٧٣ ولكن ألفين من المقاتلين من حركة مقاومة يلبسون سترة رياضية وينتعلون خفا بلاستيكيا.
سقوط السردية الصهيونية، سردية الضحية والدولة المحاصرة بالأعداء. وسقطت معها أكذوبة الدولة الديمقراطية الوحيدة التي تحمل القيم الغربية خاصة قيم حقوق الإنسان.
بسبب الإبادة الجماعية في غزة والتطهير العرقي في الضفة والعدوان على ٧ دول في المنطقة في آن واحد انكشفت صورة إسرائيل الحقيقية، دولة عنصرية متطرفة دينيا مدمنة على الحرب عطشى للدماء، تمثل بشهادة حتى سياسيين في الغرب المصدر الأول للحروب وانعدام الأمن والاستقرار وتهديد الاقتصاد الدولي وسلاسل إمداد الطاقة والغذاء في العالم كله.
تحولت إسرائيل إلى دولة مارقة ومنبوذة، رئيس حكومتها محكوم عليه بأنه مجرم حرب يخشى السفر لكثير من دول العالم حتي لا يقبض عليه مثل مجرمي النازي في نورمبرج، تقاطع معظم دول الجمعية العمومية كلمته وتخرج من القاعة، وتهدده دول غربية كبرى بمقاطعة منتجات المستوطنات غير الشرعية في الضفة، ويتبرأ قسم وازن من شباب اليهود في العالم من جرائم إسرائيل وينخرط غالبية من فناني ومثقفي العالم ـ بما في ذلك هوليوود التي كانت قلعة للسردية الصهيونية ـ في مؤسسات لدعم فلسطين حرة ولمعاقبة إسرائيل ومقاطعتها ثقافيا وفنيا وأكاديميا.
تحولت إسرائيل أكثر من كوريا الشمالية إلى الدولة المارقة الأخطر في العالم والدولة المكروهة حتى في أكثر الدول دعما مطلقا لها مثل ألمانيا.
النزيف الاقتصادي: تكلفت إسرائيل في أطول حرب ما يقرب من ٥٠٠ مليار شيكل، وازدادت نسبة الدين الخارجي والداخلي وتراجعت الاحتياطات الأجنبية، وجنت النفقات العسكرية المتزايدة على نفقات التعليم والصحة والرفاه الاجتماعي، ورفعت الضرائب على المواطنين، وتراجعت مساهمة الفرد الإنتاجية « تستدعي إسرائيل أفراد الاحتياطي {١٠٠ يوم في السنة منذ ٧ أكتوبر وتحرم المصانع والمعامل منه }.
هذه خسائر قد تحدث خللا هيكليا في اقتصاد زعم أنه حقق معجزة منذ نهاية السبعينيات لما سماه فوائد السلام بعد إخراج مصر الدولة العربية الأكبر من الصراع في وقت تأخرت فيه الأخيرة عن الركب وأثقلتها الديون الخارجية.
أما ما الذي منعته هجمات ٧ أكتوبر من كوارث عربية وما كشفته من مخططات تفكيك وتركيب العالم العربي وهدم الدولة الوطنية فيه، ومحو حدود وخلق حدود جديدة فهذا يستحق مقالًا قادمًا.