مايكل روبنز، وأماني جمال، ومارك تيسلر

في سبتمبر 2025، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطة سلام لإنهاء الحرب في غزة، متعهدا بأنها ستعيد إعمار القطاع المدمر وتفتح أيضا باب «السلام الأبدي في الشرق الأوسط». وبعد عام، تعثرت الخطة. لم تُلقِ حماس سلاحها، وما زالت إسرائيل تسيطر على أكثر من 60 بالمائة من القطاع.

ولم ترَ النور حكومة التكنوقراط وقوة الأمن الدولية الموعودتان، وبالكاد بدأت إعادة الإعمار الواسعة؛ وما زال معظم سكان غزة يكابدون للحصول على الغذاء والماء والمأوى.

ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر، شدّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو موقفه، رافضا اتفاقا لنزع السلاح تدعمه الولايات المتحدة. ورغم أن «مجلس السلام»، الذي يضم 25 دولة وأنشأه ترامب لتنفيذ خطته، أعلن هذا الأسبوع برنامجا أكثر تفصيلا لإعادة الإعمار، قال مسؤولون كبار لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل» ووسائل إعلام أخرى إن المجلس توقف عن الضغط على نتنياهو للالتزام بالخطة بسبب الانتخابات المرتقبة.

يلقى هذا الموقف المتشدد قبولا لدى أغلبية الإسرائيليين، الذين لا يعتقدون أن الفلسطينيين مهتمون بالمفاوضات أو بالدبلوماسية. وقد أظهرت استطلاعات الرأي مرارا أن أغلبية ساحقة من الإسرائيليين تعتقد أن الفلسطينيين لا يريدون السلام أصلا، وأن إسرائيل، تبعا لذلك، لا تملك شريكا حقيقيا للتفاوض.

ففي يوليو من هذا العام، مثلا، سأل استطلاع لجامعة تل أبيب الإسرائيليين اليهود عما يعتقدون أن الفلسطينيين يريدونه. وقال 72 بالمائة إنهم يعتقدون أن الفلسطينيين «يعارضون أي مفاوضات سلام بدرجة متوسطة أو شديدة»، فيما قال أكثر من 80 بالمائة إنهم يعتقدون أن الفلسطينيين يرون استحالة تحقيق أي سلام مع إسرائيل.

لكن هذا التصور يشوّه تماما ما يؤمن به معظم الفلسطينيين وما هم مستعدون لقبوله. على مدى عقدين، أجرى «الباروميتر العربي»، وهو مشروع لاستطلاعات الرأي نشارك في إدارته، استطلاعات شاملة للرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة.

وأظهر أحدث استطلاعاتنا الواسعة، الذي أُجري في أكتوبر 2025، أن أغلبية الفلسطينيين ترى في المفاوضات الدبلوماسية، لا المقاومة المسلحة، أفضل سبيل لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني نهائيا. ولم تتغير الظروف على الأرض على نحو من شأنه أن يبدّل هذه النتائج تبديلا جوهريا، كما تدعمها إجابات عن أسئلة طرحها في أغسطس من هذا العام «المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية»، وهو شريك للباروميتر العربي ومقره رام الله.

والواقع أن كثيرا من الفلسطينيين يملكون رؤية واضحة وواقعية للمستقبل. ويتفوق تأييد خيار الدولتين بفارق كبير على تأييد أي حل محتمل آخر. ويميل سكان غزة إلى أن يكونوا الأكثر واقعية، رغم أنهم تحملوا القسط الأكبر من الدمار خلال السنوات الثلاث الماضية؛ إذ تفوق نسبة المتقبلين لحل الدولتين بينهم نظيرتها في الضفة الغربية، ويؤيد نصفهم تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين الدول العربية وإسرائيل ما دام هذا المسار يتضمن تقدما ملموسا نحو تقرير المصير الفلسطيني.

كذلك تراجعت بشدة ثقة الفلسطينيين بكل من حماس والسلطة الفلسطينية؛ فهم يرون أن أيا من الطرفين لم يضمن أمنهم أو يحسّن حياتهم، ويريدون تجديدا سياسيا. واللافت أن معظم سكان غزة يعربون عن رغبتهم في البقاء والمساهمة في إعادة بناء وطنهم المدمر بدلا من الهجرة.

الوضع الراهن في غزة قاتم. وتتدهور أوضاع الفلسطينيين في الضفة الغربية بسرعة. ولا يمكن للوضع القائم أن يستمر، رغم غياب نهاية واضحة للصراع في الأفق. غير أن آراء الفلسطينيين أنفسهم تحمل بصيصا من الأمل.

أمام الإسرائيليين فرصة لاختيار حكومة جديدة أكثر التزاما بالتفاوض. وإذا سعت حكومة كهذه، ومعها الجهات المانحة الدولية، إلى انتقال سياسي يجعل قيام الدولة الفلسطينية عنصرا محوريا في المفاوضات، ويقرّ برغبة سكان غزة في الأمن وفي حكم يتمتع بالشرعية، فإن سكان غزة مستعدون للتسوية، وكذلك كثير من الفلسطينيين في الضفة الغربية. وهم مستعدون للعمل من أجل نظام سياسي جديد، شرط أن يكون جديدا بالفعل.

الواقعية الفلسطينية

كشف استطلاع الباروميتر العربي في أكتوبر من العام الماضي مدى اليأس الذي بلغته الأوضاع في غزة والضفة الغربية، وسط أزمة أمنية واقتصادية وإنسانية لم تشهد منذ ذلك الحين تحسنا يُعتد به. وشمل الاستطلاع 855 شخصا في غزة أُجريت معهم مقابلات مباشرة في منازلهم أو مراكز إيوائهم أو مخيماتهم، و800 شخص في الضفة الغربية أُجريت معهم مقابلات مباشرة في منازلهم. وبدأ في اليوم نفسه الذي أُعلن فيه وقف رسمي لإطلاق النار في غزة، مقدما صورة واسعة للظروف التي تواجه إعادة إعمار القطاع.

وبسبب توقيت الاستطلاع، لم تُطرح في غزة بعض الأسئلة التي طُرحت في الضفة الغربية ودول أخرى في الشرق الأوسط، مثل الأسئلة المتعلقة بالسياسة الداخلية والعلاقات الاجتماعية، لإفساح المجال لأسئلة تكشف الاحتياجات العاجلة لسكان غزة. ومنذ استطلاع الباروميتر العربي عام 2025، لم يُجرَ استطلاع مماثل لرصد الوضع الإنساني في القطاع. وفي ضوء محدودية المساعدات التي سُمح بدخولها، وإخفاق مجلس السلام في إحراز تقدم حقيقي يتجاوز المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، ظل حجم التحدي إلى حد بعيد على حاله.

في استطلاعنا، أفاد 85 بالمائة من سكان غزة بأنهم نزحوا مرة واحدة على الأقل منذ أوائل أكتوبر 2023. ومن بين النازحين، اضطر 70 بالمائة إلى النزوح ثلاث مرات أو أكثر. وقال 61 بالمائة من سكان غزة إن فردا من أفراد أسرهم فقد عمله بسبب الحرب، فيما قال أقل من نصفهم إنهم تناولوا الطعام كل يوم خلال الأسبوع السابق.

وقضى ما يزيد قليلا على واحد من كل خمسة أشخاص الأيام السبعة السابقة كلها أو معظمها من دون طعام. وتعرض التعليم أيضا لاضطراب شديد؛ إذ قالت 31 بالمائة من الأسر التي لديها أطفال في سن الدراسة إن أيا من أطفالها لا تتاح له حاليا فرصة الحصول على التعليم. وظلت الخدمات الأساسية الأخرى محدودة. لم تتجاوز نسبة سكان غزة الذين تتاح لهم الكهرباء تسعة بالمائة، والذين يتاح لهم الوقود أو غاز الطهي ستة بالمائة، وهي أزمات استمرت.

وفي أوائل سبتمبر، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن غزة ما زالت تعاني «غيابا شبه كامل لإمدادات كهرباء موثوقة»، فيما أشارت تقارير سابقة إلى اضطرار سكان القطاع إلى حرق النفايات لطهي الطعام.

كانت الخدمات الأساسية أكثر إتاحة لسكان الضفة الغربية، لكنهم أفادوا بتدهور سريع في الأمن. ولم يصف أحياءهم بأنها آمنة سوى 58 بالمائة من الفلسطينيين هناك، بانخفاض قدره 16 نقطة مئوية عن الاستطلاع الذي اكتمل في أكتوبر 2023. وقيّم ثلثاهم أداء السلطة الفلسطينية في توفير الأمن بأنه «سيئ» أو «سيئ جدا»، وفكّر 24 بالمائة في الهجرة.

وطلبنا ممن أرادوا مغادرة الضفة الغربية أن يشرحوا أسبابهم بكلماتهم الخاصة. وفي المجمل، تضمنت إجابات 38 بالمائة منهم أسبابا أمنية، وإجابات 37 بالمائة أسبابا سياسية، وإجابات 71 بالمائة أسبابا اقتصادية. ويختلف ذلك عن معظم الدول الأخرى التي نستطلع آراء سكانها، حيث لا يذكر سوى عدد قليل من الراغبين في الهجرة دوافع رئيسية غير اقتصادية.

وبات أثر الأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية أشد وطأة. فقد وصف 92 بالمائة من المشاركين الوضع الاقتصادي فيها بأنه «سيئ» أو «سيئ جدا»، بزيادة قدرها 21 نقطة مئوية عما كان عليه قبل عامين. ويشكل الجوع أيضا مشكلة كبيرة.

وأفاد 51 بالمائة من فلسطينيي الضفة الغربية بأن العبارة «الطعام الذي اشتريناه لم يكفِ، ولم يكن لدينا مال لشراء المزيد» انطبقت عليهم كثيرا أو أحيانا خلال الأيام الثلاثين السابقة. وأفاد 41 بالمائة بأنهم «اضطروا إلى تفويت إحدى الوجبات» بسبب نقص المال أو الموارد خلال الأشهر الاثني عشر السابقة.

ومع ذلك، لم يستسلم سكان غزة، على وجه الخصوص، لليأس. فقد قالت أغلبيتهم لباحثي الباروميتر العربي إنهم هم وأفراد أسرهم لن «يغادروا غزة الآن لو استطاعوا». وبلغت نسبة من قالوا إنهم سيغادرون القطاع الآن لو استطاعوا، سواء بمفردهم أو مع أفراد أسرهم، 41 بالمائة.

وهي نسبة قريبة من نسبة الذين فكروا في الهجرة في مجتمعات أخرى أكثر سلاما واستقرارا بكثير، مثل الأردن، حيث بلغت 44 بالمائة، وتونس، حيث بلغت 41 بالمائة، بحسب استطلاعات أجراها الباروميتر العربي في خريف 2025. وبعبارة أخرى، رغم الظروف المروعة التي يعيشونها، يريد معظم سكان غزة البقاء وإعادة البناء.

وقد يفترض المرء أيضا أن حجم الدمار في غزة وعنف المستوطنين في الضفة الغربية أضعفا التأييد لتسوية تفاوضية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. غير أن ذلك لم يحدث. فعندما سُئل المشاركون في الضفة الغربية عن الحل الذي يفضلونه لإنهاء الصراع، بين دولتين، أو دولة واحدة، أو اتحاد كونفدرالي، أو خيار «آخر»، اختار 56 بالمائة حل الدولتين، بزيادة قدرها سبع نقاط مئوية عن استطلاع الباروميتر العربي عام 2023.

وخلال عامين من الصراع المدمر، ارتفع تأييد حل الدولتين في غزة بدرجة أكبر، من 54 بالمائة في أوائل أكتوبر 2023 إلى 64 بالمائة في أكتوبر 2025. وفي الفترة نفسها، ارتفع تأييد الاتحاد الكونفدرالي في غزة عشر نقاط مئوية ليصل إلى 20 بالمائة، وانخفض تأييد الدولة الواحدة أربع نقاط مئوية إلى خمسة بالمائة، وتراجع تأييد الخيار «الآخر»، الذي غالبا ما يعكس تفضيلا للمقاومة المسلحة، من 20 بالمائة إلى سبعة بالمائة.

واللافت أن الزيادة في تأييد حل الدولتين كانت كبيرة على نحو خاص بين الفلسطينيين الأصغر سنا. ففي عام 2023، كانت نسبة تأييده بين الفلسطينيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما أقل بتسع نقاط مئوية من نسبتها بين من تبلغ أعمارهم 30 عاما فأكثر. وبحلول خريف 2025، لم تعد نسبة التأييد بين الشباب أقل من نسبتها لدى الفئة الأكبر سنا. وفي الوقت نفسه، انخفض تأييد الخيار «الآخر» بين الشباب الفلسطينيين إلى النصف بحلول عام 2025، من 27 بالمائة إلى 14 بالمائة.

وتؤكد استطلاعات أحدث استمرار رسوخ هذه المواقف. فقد وجد استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أوائل أغسطس من هذا العام، وشمل عينة من 440 شخصا في غزة، أن 61 بالمائة يفضلون حل الدولتين على أساس حدود 1967 على خيارات أخرى، مثل دولة واحدة يتمتع فيها الجميع بالمساواة. ووافق 65 بالمائة من سكان غزة على أن المقاومة المسلحة أخفقت في حماية الفلسطينيين وجلبت الدمار بدلا من ذلك.

ويُظهر سكان غزة واقعية خاصة. ففي استطلاع الباروميتر العربي في أكتوبر 2025، لم يؤيد تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين الدول العربية وإسرائيل سوى 11 بالمائة من المشاركين في غزة والضفة الغربية المحتلتين. لكن تأييد هذا الخيار كان أعلى بكثير في غزة منه في الضفة الغربية، وبلغ نحو واحد من كل خمسة أشخاص. وفي المقابل، لم يؤيد التطبيع في استطلاع أكتوبر 2023 سوى عشرة بالمائة من سكان غزة وخمسة بالمائة من فلسطينيي الضفة الغربية.

وفي عام 2025، عندما سُئل المشاركون عما إذا كانوا يؤيدون التطبيع العربي الإسرائيلي إذا ارتبط بقيام دولة فلسطينية، وهو شرط أصرت عليه السعودية خصوصا في الآونة الأخيرة، أجاب بالإيجاب نصف سكان غزة وأكثر من ربع فلسطينيي الضفة الغربية.

كانت البيانات واضحة؛ إذ يفوق عدد سكان غزة المؤيدين لعملية سلام عدد المؤيدين للمواجهة العنيفة. كما طعنت نتائج الاستطلاع في تصور خاطئ واسع الانتشار. فأغلبية سكان غزة تعطي الأولوية لنيل الاستقلال على الانتقام من إسرائيل. ومن الأسباب الرئيسية لمعارضة الفلسطينيين التطبيع احتمال أن يمضي من دون استقلال فلسطيني. وعندما يُضاف الاستقلال إلى المعادلة، يرتفع تأييد الفكرة ارتفاعا كبيرا.

طيّ صفحة القيادات القديمة

ويتمسك الفلسطينيون أيضا بقناعتهم بأن قياداتهم الحالية خذلتهم. على مدى عقود، تمحورت السياسة الفلسطينية حول فصيلين رئيسيين، حركة فتح التي تسيطر على السلطة الفلسطينية، وحركة حماس. وكثيرا ما افترض المحللون أن تراجع التأييد لأحدهما يعني مكاسب للآخر. وستكون سلطة فلسطينية مُصلحة أفضل من الوضع القائم، لكن الحاجة واضحة إلى إصلاح أشمل للنظام السياسي الفلسطيني. فمعظم الفلسطينيين اليوم لا يؤيدون حماس ولا السلطة الفلسطينية.

وفي استطلاع الباروميتر العربي في أكتوبر 2025، عندما سُئل الفلسطينيون في الضفة الغربية عن الحزب السياسي الذي يشعرون بأنهم الأقرب إليه، اختار 24 بالمائة حماس و18 بالمائة فتح، فيما قال 51 بالمائة إنهم لا يشعرون بالقرب من أي حزب، أو إنهم «لا يعرفون»، أو رفضوا الإجابة. ولم يعرب عن الثقة في حكم السلطة الفلسطينية سوى 23 بالمائة، وهي نسبة لا تزيد إلا قليلا على نسبة 19 بالمائة المسجلة عام 2023. وكانت الثقة برئيس السلطة محمود عباس أقل، إذ بلغت 19 بالمائة فقط.

في استطلاعنا عام 2023، لم يعرب عن الثقة بحكومتهم التي تقودها حماس سوى 29 بالمائة من سكان غزة، وانتقد 72 بالمائة وجود فساد كبير في المؤسسات الحكومية. ورغم أن الاستطلاع تضمن في غزة أسئلة أقل عن التوجهات السياسية العامة للفلسطينيين مما تضمنه في الضفة الغربية، لإفساح المجال لمزيد من الأسئلة عن الاحتياجات العاجلة لسكان القطاع، كان واضحا أن هجوم حماس المروع على إسرائيل في السابع من أكتوبر والحرب التي أعقبته لم يكسباها أي تأييد على المدى الطويل. وفي استطلاع أكتوبر 2025، أعربت نسبة تقارب المستوى نفسه من سكان غزة، نحو الثلث فقط، عن الثقة بما تبقى من حكومة القطاع التي تقودها حماس.

ببساطة، لا يريد الفلسطينيون أن تقودهم حماس أو فتح. فعندما سُئلوا عمن سيختارونه في انتخابات تشريعية افتراضية تشارك فيها الأحزاب نفسها التي خاضت انتخابات 2006، اختار 16 بالمائة من الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية فتح، وقال 19 بالمائة إنهم سيؤيدون قائمة حماس «التغيير والإصلاح». وقال ما مجموعه 55 بالمائة إنهم إما لن يؤيدوا أيا من الأحزاب التي خاضت انتخابات 2006 أو لن يصوّتوا أصلا. فالكتلة الأكبر في السياسة الفلسطينية ليست فتح ولا حماس، وإنما الذين يشعرون بالاغتراب السياسي.

وأظهر استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أغسطس أن نحو 40 بالمائة من الفلسطينيين يفضلون مروان البرغوثي مرشحا للرئاسة، بما يزيد على ضعف التأييد الذي ناله أي اسم آخر. والبرغوثي أحد قادة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وهو مسجون في إسرائيل منذ عام 2002، وأُدين بالقتل عام 2004. لكن إسرائيل رفضت مرارا الإفراج عنه في صفقات تبادل الأسرى، وتشير تقارير حديثة إلى تدهور شديد في صحته.

لن تُفضي إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة، حتى بعد عملية إصلاح، إلى حكومة تتمتع بالشرعية. فالفلسطينيون لا يعتقدون أن السلطة قادرة على توفير الأمن بفاعلية؛ إذ لا تثق أغلبية الفلسطينيين في الضفة الغربية بقوات الأمن الوطني التابعة للسلطة، وهي أقرب ما لدى الضفة الغربية إلى جيش، ولا بشرطتها. ولم يكن أي من الجهازين يعمل في غزة وقت إجراء الاستطلاع، وما زال الأمر كذلك.

وقد يكون أحد المسارات الممكنة إنشاء حكومة تكنوقراط للإشراف على المرحلة الانتقالية في غزة. وتحظى هذه الفكرة ببعض التأييد بين الفلسطينيين. فبحسب استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أغسطس 2026، يفضل 43 بالمائة من سكان غزة أن تتولى «اللجنة الوطنية» التي اقترحها مجلس السلام إدارة القطاع في المدى القريب، بينما يؤيد 34 بالمائة إجراء انتخابات لتشكيل حكومة. وفي الضفة الغربية، يقل التأييد لكلا الخيارين، إذ يبلغ 24 بالمائة لكل منهما.

وقد تكون حكومة التكنوقراط خطوة أولى ضرورية لتحقيق الاستقرار في غزة وإتاحة مزيد من المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، لكن ترسيخها على المدى الطويل ينطوي على خطر إضفاء مزيد من الطابع المؤسسي على فصل غزة عن الضفة الغربية. وكما أشار سلام فياض، رئيس الوزراء الفلسطيني بين عامي 2007 و2013، في مقابلة حديثة مع «فورين أفيرز»، فإن تشكيل حكومة انتقالية موحدة وغير فصائلية للمنطقتين أمر أساسي.

ورغم أن نسبة فلسطينيي الضفة الغربية الذين وافقوا على أن الديمقراطية هي «أفضل نظام» للحكم بقيت عمليا من دون تغيير بين استطلاعي 2023 و2025، عند 78 بالمائة و77 بالمائة على التوالي، فإن تأييد قائد قوي «يتجاوز القواعد عند الضرورة لإنجاز الأمور» ارتفع خلال هذه الفترة عشر نقاط مئوية، من 41 بالمائة إلى 51 بالمائة. ووافق ثلثا المشاركين على أنه «ما دامت الحكومة قادرة على حل المشكلات الاقتصادية لبلادنا، فلا يهم نوع الحكومة التي لدينا».

وفي ضوء الدمار في غزة والأزمات الأمنية المتواصلة في الضفة الغربية، تتضح رغبة الفلسطينيين الشديدة في قائد قادر على إرساء النظام والاستقرار. لكن ذلك لا يعني أنهم لا يؤيدون الديمقراطية. والأدق فهمه بوصفه عَرَضا للإنهاك السياسي والشعور بالهشاشة بعد سنوات من الانقسام والمصاعب الاقتصادية والحرب. يفضل الفلسطينيون الديمقراطية، لكنهم يريدون في نهاية المطاف نتائج من نظامهم السياسي.

الخطة المناسبة

تقدم آراء الفلسطينيين أنفسهم اتجاهات واضحة للجهود الرامية إلى إنهاء الصراع في غزة وإعادة إعمار القطاع. وينبغي لأي نقاش بشأن إعادة الإعمار أن يعكس تفضيلاتهم. فمع أن فقدان الفلسطينيين الثقة بالسلطة الفلسطينية يرتبط إلى حد كبير بفسادها، فإنه يعكس أيضا إعطاءها الأولوية في كثير من الأحيان لتلبية المطالب الأمنية الإسرائيلية، بينما أسهم التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية في تقويض شرعيتها.

وقد أدى الانطباع المتزايد بأن السلطة تعمل ذراعا للاحتلال الإسرائيلي، بدلا من أن تكون وسيلة لتمثيل الفلسطينيين سياسيا والتعبير الحقيقي عنهم، إلى تغذية صعود شعبية حماس مباشرة في منتصف العقد الأول من هذا القرن. ويجب ألا يتكرر خطأ بهذه الفداحة.

إن مجرد إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة من دون خطة لمعالجة أزمة شرعيتها لن يحقق الاستقرار. وستكون غير صائبة أيضا أي خطة تقوم على مغادرة أعداد كبيرة من سكان غزة قبل بدء إعادة الإعمار، مثل الخطة التي كشف عنها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في سبتمبر 2026. يريد سكان غزة البقاء وإعادة تشكيل وطنهم وفق خياراتهم هم، والعيش جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيل.

وعلى نطاق أوسع، تظهر الاستطلاعات أن الفلسطينيين، رغم ابتعادهم عن فصيليهم السياسيين الرئيسيين، لم يفقدوا اهتمامهم بالسياسات أو بنتائجها. لديهم رؤية واضحة، وهم مستعدون لتأييد التسوية. لكنهم، رغم إنهاكهم، لن يقبلوا بنتيجة تكتفي بإنهاء القتال وتترك مستقبلهم معلقا.

لا يمكن فصل مستقبل غزة عن مستقبل الضفة الغربية. وسيكون تحقيق الاستقرار في القطاع، حتى لو نُظر إليه بمعزل عن محيطه، تحديا كبيرا، وسيزداد صعوبة بدرجة هائلة مع اتساع المستوطنات وعنف المستوطنين في الضفة الغربية.

ويوضح الفلسطينيون أيضا أن أي حل في المدى القريب يجب أن يتضمن مسارا موثوقا نحو دولة مستقلة؛ فلا ينبغي التعامل مع الدولة الفلسطينية بوصفها مكافأة محتملة في نهاية طريق طويل يكتنفه الغموض. ويزداد استعداد الفلسطينيين لاحترام دور إسرائيل في المنطقة، كما يتجسد في تطبيع علاقاتها مع الدول العربية الأخرى، عندما يُتاح لهم هم أيضا تقرير مصيرهم. ولا يجوز إرجاء مسألة الدولة الفلسطينية إلى نهاية عملية السلام، وينبغي أن تكون آفاق قيامها قابلة للتصديق لضمان انخراط الفلسطينيين في التجديد السياسي.

شريك للفلسطينيين

تعرض الفلسطينيون، ولا سيما في غزة، لصدمات نفسية عميقة. والإحباط متجذر، وستستغرق إعادة البناء سنوات، وربما عقودا. لكن نتائج الباروميتر العربي تناقض بقوة أي تصور للسياسة الفلسطينية باعتبارها أسيرة جمود أيديولوجي، ومتمسكة بالانتقام، ومؤيدة للعنف.

وعلى العكس، يُظهر الفلسطينيون قدرا لافتا من الواقعية، خصوصا في غزة، حيث قد يتوقع المرء تنامي التطرف. فهم لم يرفضوا فكرة التسوية السلمية مع إسرائيل. ورغم خيبة أملهم في السلطة الفلسطينية، فإنهم لا يتجهون نحو حماس أو المقاومة العنيفة. ورغم وجود معارضة فلسطينية لحل الدولتين، فإن نسبة متزايدة، باتت تمثل أغلبية، تريده، وتتطلع إلى قيادة أكثر قدرة ومسؤولية، تلبي احتياجاتهم وتوفر لهم الأمن.

تأتي العقبة الأشد أمام التسوية اليوم من إسرائيل، ولا تقتصر على الجناح اليميني في طيفها السياسي. فبحسب استطلاع أجراه معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب في أكتوبر 2025، يرفض نحو 70 بالمائة من الإسرائيليين اليهود التفكير في قيام دولة فلسطينية «تحت أي ظرف».

وعلاوة على ذلك، تؤكد قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي أن الفلسطينيين غير مهتمين بالتسوية أو بالسلام. وقد وجد استطلاع أجراه المعهد نفسه في يونيو ويوليو أن 52 بالمائة من فلسطينيي الضفة الغربية يرون المفاوضات أفضل سبيل لإنهاء الصراع مع إسرائيل، وهي نسبة تفوق بكثير تأييد أي خيار آخر، مثل المقاومة المسلحة.

للوقت أهمية حاسمة في تحسين أوضاع الفلسطينيين على الأرض. ففي غزة، يرزح القطاع تحت سوء التغذية والفقر والأمراض المعدية وندرة المياه النظيفة وتراكم النفايات والأنقاض، بينما يُجبر الفلسطينيون في الضفة الغربية بصورة متكررة على مغادرة منازلهم وأراضيهم على أيدي المستوطنين الإسرائيليين، وكثيرا ما يحدث ذلك بتعاون الجيش الإسرائيلي. وهناك واقع بديل ممكن، هو التعايش. ومن اللافت، وربما المدهش، أن الفلسطينيين الذين يعيشون في هذه الظروف ما زالوا متمسكين بحل الدولتين. واستعداد الجمهور الفلسطيني للتسوية بشأن الأرض وللسلام ليس جديدا؛ لكن دلالته تكمن في أنه صمد، بل ازداد خلال السنوات الثلاث الماضية، رغم كل ما عانوه.

ما يقدمه الفلسطينيون هو الرغبة والاستعداد لإنهاء الصراع إنهاء حقيقيا. والكرة الآن في ملعب إسرائيل والولايات المتحدة والأعضاء الآخرين في مجلس السلام. وعلى هذه الأطراف أن تتخذ خطوات مؤثرة لدفع السلام إلى الأمام. وقد عانى الإسرائيليون أيضا معاناة هائلة. لكن السؤال المطروح ليس ما إذا كانت إسرائيل تملك شريكا للسلام، وإنما ما إذا كان الفلسطينيون يملكون شريكا كهذا. وقد تسهم نتائج الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر في الإجابة عن هذا السؤال.

مايكل روبنز مدير الباروميتر العربي وأحد الباحثين الرئيسيين المشاركين فيه.

أماني جمال من المؤسسين المشاركين للباروميتر العربي ومن الباحثين الرئيسيين المشاركين فيه، وعميدة كلية الشؤون العامة والدولية بجامعة برينستون، وأستاذة كرسي إدواردز إس. سانفورد للسياسة والشؤون الدولية في الجامعة.

مارك تيسلر من المؤسسين المشاركين للباروميتر العربي ومن الباحثين الرئيسيين المشاركين فيه، وأستاذ كرسي صامويل جيه. إلدرسفيلد للعلوم السياسية بجامعة ميشيغان.

عن مجلة فورين أفيرز «خدمة تربيون»