(1)

في عالم مختلف، وقف الشاعر على تلة غارقة في الظلام، يكتب جراحه، ويزرع ألمه، ليرويه من دم شعره، يستلهم عاشقةً قديمة مرت على خاطره، فأرسل لها مع الريح قصيدته:

يا ريحْ.. سلّم، ما بقى للجفا ريحْ

أيامْ مرّت، والليالي، قبرها

يا ريحْ.. خلّك، والمواني مجاريح

من ريحها.. كنّ المواني صدرها

(2)

ترك أثره ثم مضى، لم يكن أمامه غير قصيدة تركها على مشجب العاصفة، وضع فيها مسك العاشق، ومضى في طريق لا يعلم منتهاه.

(3)

مرت الأيام دون أن يدري، مضت دون أن ينتبه، وصل العمر إلى مطاراته الأخيرة، نظر خلفه، فلم يرَ غير طريق طويل من الأمل، نظر أمامه فلم يجد غير سراب يملأ ذاكرته.

(4)

أمسك بريشة الكتابة، غمسها في محبرة الظلام، حاول أن يتذكر ملامح وجهها الغائب، كان الرحيل موحشًا، لم يعد لملامحها وجود، كانت مجرد قصيدة مرت عليه ذات حنين.

(5)

لعله الآن يحاول أن يستعيد حكايتها، يراوغ الأيام كي يستعيد ذاكرته، لا يمكن لهذه الذاكرة أن تحتفظ بما فقدناه من خمسين سنة، يا له من حب أحمق، ذهب كخيال شاعر منسيّ على قارعة القصيدة.

(6)

هناك، في مكان ما من هذا الكون، وقفت (العاشقة) وحيدة في وجه الريح، تلملم ذاكرتها، وتستعيد ذكرياتها، وتشاهد صورته التي علقت في قلبها منذ خمسين عامًا، ولم تمحها رمال الأيام، أخرجت قصاصة ورقة قديمة، كتبها لها قبل أن يرحل:

(لا ترحلي، قلبي بدونك ما هو حيْ

لا ترحلي، ما عاد يمدينا الرحيل

خلك هنا، أحتاج لك روحٍ وضي

أحتاج أنفاسك، صدى صوتك، دليل)

قبّلتها، ووضعتها في مندوس الحكايات القديمة.. وهي تبتسم بحب.