يجمع موسم طناء الرمان في ولاية الجبل الأخضر بين تقاليد البيع بالمزايدة وتجربة التجول بين البساتين ومعاينة الثمار على أشجارها، في مشهد يجسد موروثًا زراعيًا توارثته الأجيال، ويتيح للمزارعين تسويق محاصيلهم، وللزوار التعرف على تفاصيل هذه الممارسة التي ارتبطت بموسم حصاد الرمان في الجبل الأخضر.
وتبدأ رحلة المحصول بتحديد موعد الطناء، ثم معاينة الثمار والمنافسة بين المشترين، وصولًا إلى القطف والفرز ونقل المحصول إلى الأسواق، في سلسلة من المراحل التي تجمع بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والسياحي للموسم.
في هذا الحوار، أوضح المهندس يحيى بن ناصر الريامي من ولاية الجبل الأخضر تفاصيل موسم طناء الرمان، وآلية المزايدة، وأسباب استمرار هذه الممارسة، إلى جانب عوائدها الاقتصادية وحضورها السياحي، والتحديات المرتبطة بمياه الري وظروف عرض المنتجات، فضلًا عن تطلعات وصول محصول الرمان العُماني إلى الأسواق الخارجية.
تجربة بين البساتين
وعن تجربة طناء الرمان وما تمنحه للزائر الذي يعيشها للمرة الأولى، قال المهندس يحيى بن ناصر الريامي: «هي تجربة مشوقة، حيث السير بين بساتين الرمان وعلى ضفاف الأودية، فهي بحد ذاتها تترك ترسخًا في النفس لموروث تناقله الأبناء عن الآباء والأجداد. وما يميز هذه التجربة عن كونها مجرد عملية شراء للرمان أنها تقرّب الزائر من شجرة الرمان، فيلاحظ الثمار على الشجرة بأحجامها المختلفة، ويتعرف على تفاصيل المحصول ومراحل إنتاجه».
وحول مفهوم الطناء وجذور هذه الممارسة وأسباب استمرارها، أوضح الريامي: «إن طناء الرمان هو عملية مزايدة بين المشترين نشأت منذ زمن طويل، وإن من أسباب استمرارها إقبال الأهالي على هذه الأساليب في البيع والشراء، وذلك لتميزها بالشفافية والمعاينة الآنية، حيث يستطيع المشتري معاينة المحصول على الطبيعة قبل الدخول في المزايدة».
ويضيف أن الطناء لا يمثل مجرد وسيلة للبيع، وإنما يعد جزءًا من الممارسات المرتبطة بموسم الرمان، ويحافظ على حضور تقليد زراعي وتجاري ارتبط بالمجتمع المحلي وتوارثته الأجيال.
من تحديد الموعد إلى رسو المزايدة
وعن الترتيبات التي تسبق عملية الطناء والجهة التي تتولى تحديد موعده، قال يحيى الريامي: «تبدأ عملية الطناء بتحديد الموعد، من حيث اليوم والساعة والمكان الذي سيبدأ منه الطناء، ويتولى ذلك وكلاء أوقاف القرية».
وفيما يتعلق بتقييم المحصول والعوامل التي ينظر إليها المشتري قبل الدخول في المزايدة، بيّن الريامي: «يتم التقييم من خلال المشاهدة والمعاينة للأشجار المراد طناؤها، والعوامل التي ينظر إليها المشتري تتمثل في جودة الثمار من جميع النواحي».
وأضاف الريامي، موضحًا آلية تحديد السعر وكيفية رسو الطناء على المشتري: «يتحدد السعر عن طريق المزايدة، حيث يبدأ أحد المشترين بوضع سعر معين للأشجار المراد طناؤها، وتستمر مزايدة السعر بين الحضور حتى تتوقف المزايدة (المناداة)، وترسو على الشخص الذي توقفت عنده المزايدة».
وحول تفاوت قيمة الطناء من مزرعة إلى أخرى، أوضح: «تختلف قيمة الطناء بشكل كبير من مزرعة إلى أخرى، بناءً على عدد الأشجار، وعدد الثمار في الشجرة الواحدة، وجودة الثمار، وخلوها من الإصابة بالآفات والحشرات».
عوائد المحصول ومخاطر التلف
وفي جانب المخاطر المرتبطة بتلف الثمار وكيفية التعامل معها بعد الاتفاق، أوضح الريامي: «عادة ما يتم طناء الثمار إلى أن تصل إلى مرحلة النضج وإمكانية استهلاكها، وبالتالي قابليتها للتسويق في الأسواق، وفي حال تعرض الثمار لتلف خارج عن إرادة الجميع، يتم التفاهم فيما بينهم حول إمكانية تخفيض المبلغ، بتراضي الجميع».
وعن العائد الذي يحققه الطناء للمزارع، ومدى حصوله على قيمة عادلة لمحصوله، قال المهندس يحيى الريامي: «في كل الأحوال، فإن الإنتاج الزراعي مرتبط بالمخاطرة بشكل أكبر من الأنشطة الأخرى، وبالتالي فإن الناتج من المحصول هو عائد مادي، سواء تم تسويقه عن طريق المناداة أو بيعه في الأسواق، وإن ضمان حصول المزارعين على قيمة عادلة للمحصول يتوقف على عدم تعرض المحصول لعوامل تؤثر على جودته».
رحلة الرمان إلى السوق
ويوضح الريامي المراحل التي يمر بها المحصول بعد رسو المزايدة، قائلًا: «بعد عملية الطناء ورسو المزايدة على المشتري، يبدأ المشتري في قطف الرمان، وذلك بقطف الثمار التي وصلت إلى مرحلة النضج، وكذلك قطف الثمار المتشققة والمصابة وفرزها؛ فالثمار القابلة للاستهلاك يتم بيعها، والثمار غير القابلة للاستهلاك يتم التخلص منها».
وعن أسباب اختلاف سعر الرمان بين المزرعة والسوق، قال الريامي: «إن فرق الأسعار بين المزرعة والسوق تدخل فيه عدة عوامل، مثل أجرة القطف، وقيمة العبوات الكرتونية، وقيمة النقل من المزرعة إلى موقع البيع».
موروث يستفيد من التقنيات الحديثة
وفيما يتعلق بالحفاظ على الطناء وتوظيف التقنيات الحديثة في ممارسته، قال المهندس يحيى الريامي: «المحافظة على الموروث مطلب يجب المحافظة عليه ونقله إلى الأجيال المتعاقبة، رغم وجود الوسائل والتقنيات الحديثة، حيث إن عملية الطناء هي الأنسب لما تتميز به من شفافية، ناهيك عن وجود المشتري ومشاهدته المعروض للطناء، وهذا بحد ذاته يعكس رضا المشتري. وفي الوقت نفسه، لا يمكن الاستغناء عن التقنيات الحديثة، لأنها في بعض الأحيان تكون الوسيلة الوحيدة لإجراء عملية الطناء، مثلما حدث خلال فترة كورونا».
وعن مشاركة السائحين في موسم طناء الرمان والتعرف على هذه الممارسة، أوضح الريامي: «مثلما هو معلوم، فإن ولاية الجبل الأخضر تزخر بالكثير من المقومات السياحية، ولإبراز مثل هذه المقومات كانت عملية الطناء إحدى الفعاليات التي يمكن عن طريقها إبراز الولاية وما تتميز به».
ويضيف، حول الأثر الاقتصادي للطناء على أصحاب المزارع والمشترين: «عملية الطناء كان لها أثر سابقًا وحاليًا، بأن يحصل صاحب المزرعة على عائد ثمار مزرعته في أقصر وقت، وبالتالي يوجه وقته إلى أعمال أخرى، أما المشتري فيستفيد من مبلغ الفائدة، وهو فارق البيع والشراء».
مياه الري وسوق المنتجات
وعن أبرز التحديات التي تواجه الموسم وتؤثر على الإنتاج والتسويق، قال الريامي: «يمكن القول إن أهم التحديات تتمثل في تعرض الولاية لفترات من الجفاف وقلة مياه الري، مما يؤثر على الإنتاج، وهذا يتكرر سنويًا ما لم يتم إيجاد حلول جذرية لاستدامة مصادر الري».
وأضاف: «بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد سوق متكامل لاستقبال منتجات الفواكه التي تتميز بها الولاية، حيث إن الوضع الحالي في عملية التسويق غير ملائم، وذلك بعرض المنتجات على جنبات الطريق، وتعرضها لأشعة الشمس المباشرة والهواء والغبار، إلى جانب وقوف الباعة طوال اليوم تحت أشعة الشمس. وجميع هذه العوامل تؤثر تأثيرًا مباشرًا على جودة المنتج، وبالتالي تؤثر في إقبال الزوار عليه، والمحصلة هي انخفاض الأسعار، مما سيؤدي إلى قلة الدخل للمزارع والمسوق».
تطلعات إلى الأسواق الخارجية
وفيما يتعلق بتطلعاته حول مستقبل محصول الرمان العُماني وموسم الطناء خلال السنوات المقبلة، قال المهندس يحيى الريامي: «نتمنى أن نرى منتج الرمان العُماني قد أخذ شهرته العالمية، وأن تكون هناك جهة تتبنى التنسيق مع الأسواق العالمية، كما نشاهد المنتجات التي يتم استيرادها من الدول الأخرى، حيث إن ثمار الرمان نجدها في أسواق بلادنا من عدة دول حول العالم، ولكن يا ترى، هل نراه خارج سلطنة غُمان، وليكن في أسواق دول الجوار؟
لذا نأمل من الجهات المعنية الأخذ بتطوير هذه المنتجات النادر وجودها على مستوى سلطنة عمان، بكل ما هو مرتبط بها من فعاليات، والعمل على تعزيز حضورها وتسويقها بما يواكب ما تتميز به من جودة وقيمة، وصولًا إلى حضور الرمان العُماني في الأسواق الخارجية».