تتجه سياحة المغامرات في سلطنة عُمان إلى تسجيل حضور متزايد على الصعيد العالمي، مستفيدة من تنوع التضاريس والمقومات الطبيعية والثقافية التي تمنح محبي المغامرة تجارب استثنائية تجمع بين التحدي والاستكشاف. ومع تنامي الإقبال على أنشطة المغامرات، وخصوصا رياضة المشي الجبلي، تسعى الجهات المختصة إلى تعزيز استثمار هذه المقومات بما يدعم القطاع السياحي، ويسهم في تحقيق التنويع الاقتصادي وبناء قطاع سياحي مستدام، انسجاما مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040».
وتولي وزارة التراث والسياحة اهتماما بأنشطة المغامرات وإحياء المسارات الجبلية القديمة المعتمدة من قبل الوزارة، بما يضمن تطبيق معايير الأمن والسلامة في أنشطة المغامرات، كما يسهم تنظيم المسير الجبلي في تعزيز التجربة السياحية لما تزخر به سلطنة عُمان من تنوع في الطبيعة الجغرافية المتميزة والجانب الجيولوجي والثقافي والتراثي الذي تتمتع به سلطنة عُمان، إلى جانب تشجيع الشركات السياحية المتخصصة والمرخصة من قبل وزارة التراث والسياحة على تنظيم رحلات سياحة المغامرات لهذا النوع من المسارات الجبلية، وكذلك الترويج لسياحة المغامرات بسلطنة عُمان.
وبحسب موقع وزارة التراث والسياحة، بلغ عدد المسارات الجبلية المسجلة 52 مسارا؛ حيث قامت الوزارة بتوريد وتركيب عدد من اللوحات المعلوماتية والتوجيهية للمسارات الجبلية، بـ(73) لوحة توجيهية، و (30) لوحة معلوماتية بالمسارات الجبلية في سلطنة عُمان، لا سيما في سلسلة جبال الحجر الشرقي والغربي ومحافظة مسقط. ولعل الهدف هو التعريف بالمحتوى الطبيعي والثقافي لهذه المسارات الجبلية ونطاقاتها، وغرس مفاهيم الوعي بأهمية هذه المسارات في تعزيز التجربة السياحية، وتوعية المغامرين بأهمية الإلمام بمعايير الأمن والسلامة.
وقد أطلقت وزارة التراث والسياحة بعض الإصدارات المرتبطة بأنشطة سياحة المغامرات من أدلة استرشادية وخرائط المسارات الجبلية المعتمدة من الوزارة. وقد تم إعداد وإصدار هذه الأدلة الاسترشادية لتكون مرجعا إرشاديا للشركات المختصة وممارسي أنشطة المغامرات، بما يسهم في رفع مستوى الوعي بالسلامة، وتعزيز ممارسات إدارة المخاطر، وضمان ممارسة أنشطة المغامرات وفق معايير السلامة المعتمدة، مع الحفاظ على جوهر التجربة القائمة على التحدي والإثارة.
وفي هذا الاستطلاع، نرصد تجارب مجموعة من المغامرين ومرتادي المسارات والوجهات الطبيعية في سلطنة عُمان، للوقوف على دوافعهم لخوض هذه التجارب، وأبرز ما واجهوه من تحديات، ومدى جاهزية المواقع لممارسة أنشطة المغامرات، إلى جانب أهمية إجراءات الأمن والسلامة والخدمات المقدمة للممارسين، وما يمكن تطويره لتعزيز حضور سلطنة عُمان كوجهة آمنة وجاذبة لسياحة المغامرات.
يقول محمد الحميدي، مغامر عُماني: لا يمثل المشي الجبلي بالنسبة لي مجرد رياضة وحسب، وإنما تجربة متكاملة تجمع بين المتعة والمغامرة واكتشاف أماكن جديدة، بالإضافة إلى التأمل في الطبيعة وعظمة الخالق سبحانه وتعالى. وهذا ما يجعلها مختلفة عن كثير من الرياضات؛ لأنها تجمع بين النشاط البدني والجانب النفسي والروحي وبين الاستكشاف.
ويشير الحميدي إلى أنه بحكم الطبيعة الجبلية المتنوعة في سلطنة عُمان، تكثر المسارات الجميلة جدا، وكل منطقة تقريبا لها طابعها الخاص، لذلك من الصعب حصرها في مسارات محددة، ولكن من المسارات التي أحبها هو «مسار البوصلة» في جبل شمس، وهو مميز جدا بحكم موقعه في أعلى منطقة جبلية في سلطنة عُمان، بالإضافة إلى الإطلالات التي ترافق المغامر طوال المسار، وكلما تقدم المغامر في المسير صادف مناظر أجمل من التي رآها في البداية.
ويرى الحميدي أن مسار سداب البحري من أجمل المسارات التي زارها، والذي يتميز بالإطلالات البحرية الجميلة، ويناسب مستويات مختلفة من المغامرين. كذلك مسار سعال الذي يعد من المسارات المناسبة للمبتدئين، خصوصا لمن يريد ممارسة رياضة المشي أو «الكارديو» في أجواء الطبيعة الخلابة.
التعريف بالمقومات الطبيعية والسياحية
ويشير الحميدي إلى أن المشي الجبلي له دور كبير جدا في التعريف بالمقومات السياحية في السلطنة؛ لأن المغامر عندما يدخل المسار لا يكتفي بزيارة المكان وحسب، وإنما يعيش التجربة ويكتشف تفاصيل قد لا تظهر للسائح في الزيارة التقليدية، وعندما يقوم المغامر بتوثيق هذه التجربة ومشاركتها في وسائل التواصل الاجتماعي، فهو يعرّف الآخرين على أماكن طبيعية ربما لم تكن معروفة لهم، وهذا يساعد على زيادة الاهتمام بالسياحة الجبلية والطبيعية في سلطنة عُمان.
وبيّن الحميدي أن هناك إقبالا متزايدا على خوض سياحة المغامرات وممارسة المشي الجبلي خلال السنوات الأخيرة، خصوصا من فئة الشباب، ويرى أن وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور كبير في ذلك؛ لأن الناس أصبحوا يشاهدون تجارب الآخرين في المسارات الجبلية ويتعرفون على أماكن جديدة لم يعرفوها في السابق. كذلك زيادة الوعي بأهمية الرياضة والحياة الصحية، والرغبة في الابتعاد عن الروتين وتجربة المغامرات والطبيعة، كلها عوامل ساهمت في انتشار هذه الرياضة.
دور وسائل التواصل الاجتماعي
يرى محمد الحميدي أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت من أهم الأدوات في الترويج للمسارات الجبلية؛ لأنه قد تكون صورة أو مقطع فيديو ممكنا أن يعرّف آلاف الأشخاص بمكان لم يسمعوا عنه من قبل، وقد تعبر الصورة حدود الدول والقارات عبر الإنترنت لتروج لجمالية المسارات الجبلية في سلطنة عُمان. ويتلقى الحميدي عدة استفسارات من خلال المحتوى الذي يقدمه، تتعلق بالمواقع التي يرتادها، وطريقة الوصول، بالإضافة إلى درجة الصعوبة، وهذا يدل على أن المحتوى الرقمي قادر على تحويل المشاهدة إلى تجربة وزيارة فعلية للموقع السياحي.
وأكد ضرورة «الترويج المسؤول»، ويقصد به نقل الصورة في الموقع كما هي، والتوضيح للناس مدى صعوبة المسار ومخاطره، وبيان سلبيات وإيجابيات المكان، حتى لا يقع أي مغامر في دائرة الخطر.
قصة مغامرة وإنجاز.
يسرد حمدون الهاشمي، مستكشف ومغامر، رحلته في تجربة أحد أطول المسارات الجبلية في سلطنة عُمان، والتي كانت في سلسلة جبال الحجر الغربي بمسافة 120 كلم على مدى ثمانية أيام، فيقول: بداية المسار كانت في قرية حدش الواقعة في وادي مستل، ثم اتجهنا إلى عقبة وكان، وواصلنا المسير مرورا بقرية السوجرة في الجبل الأخضر، ثم منطقة حب حيل مخلب، وصولا إلى منطقة الروس، واتجهنا إلى منطقة شرف العلمين وبركة الشرف «معبر ناء مهم للقوافل لنقل المؤونة بين الساحل والمناطق الداخلية سابقا»، ثم عبرنا مشيا على الأقدام إلى مربص، وهي سبلة قديمة في وسط الجبل، وصعدنا مشيا إلى قمة جبل شمس مرورا بحيل الشص، ومن بعدها اختتمنا مسيرنا في قرية مسفاة العبرين.
ويؤكد الهاشمي أن الهدف من المسير هو التعرف على المسارات الجبلية في سلطنة عُمان، والمسار ممكن أن يكون حاله من حال المسارات المعروفة عالميا، لكنه يتطلب الاهتمام والترويج؛ لأنه ثروة وطنية ثمينة.
ويشير إلى أن المغامرة كانت تتطلب تنسيقا مسبقا مع السكان المحليين في مختلف القرى الجبلية على المسار، وفي بعض المناطق استعنا بالحمار ليحمل لنا المؤونة في المناطق الوعرة في المسير، مثل بركة الشرف وقمة جبل شمس.
وواجه الهاشمي في رحلته عدة صعوبات، مثل: وعورة التضاريس في الطلوع والنزول، وبعض المسارات تخلو من العلامات الإرشادية، فاستعانوا في رحلتهم بجهاز تتبع المسارات، بالإضافة إلى تحديات نقص نقاط التزود بالمؤونة، مما يضطرهم إلى حمل أوزان ثقيلة على مسافات طويلة، وهذا بحد ذاته يزيد من فرص الإصابات الجسدية والشعور بالإجهاد.
شغف الطفولة والبيئة المحيطة
يصف المغامر العُماني إبراهيم المعشري علاقته بالجبال بأنها شغف يبدأ منذ الطفولة، متأثرا بالقرية التي ينشأ فيها، إلا أنه لا يكتشف حقيقة هذا الشغف إلا مع تقدمه في العمر وخوضه تجارب المغامرة؛ حيث وجد في المشي الجبلي المجال الذي كان يبحث عنه.
ويرى المعشري أن سلطنة عُمان تتمتع ببيئة محافظة ووعي جيد بأهمية الحفاظ على الطبيعة، ويصف أن المخلفات في المسارات الجبلية التي زارها محدودة، كما يحرص الشباب على إزالة ما يجدونه من أوساخ ومخلفات حفاظا على البيئة.
ويشير إلى أن معظم المسارات تتوافر فيها علامات إرشادية تسهم في تسهيل حركة المغامرين، خصوصا في المسارات الجبلية الخطرة، إلا أن بعض المواقع، مثل وادي العربيين، لا تزال بحاجة إلى مزيد من الإرشادات والعلامات.
وعن مصادر اكتشاف المسارات والوجهات الجديدة، يختصر المعشري إجابته حول «الإنترنت»، باعتباره مصدرا رئيسا للتعرف على المواقع وتجارب المغامرين الآخرين.
ويؤكد المعشري أهمية تعزيز التسويق السياحي ودعم الشباب العُمانيين العاملين في مجال السياحة والمغامرات، وذلك لأن هؤلاء يبذلون وقتهم وجهدهم، ويخوضون تجارب قد تنطوي على مخاطر، بهدف نقل جمال سلطنة عُمان والتعريف بمقوماتها الطبيعية، الأمر الذي يستدعي، بحسب رأيه، توفير دعم أكبر، سواء كان ماليا أو معنويا أو حتى من خلال مبادرات تقدّر جهودهم.
تحديات وصعوبات
ترى آلاء الذهلي، مغامرة ومستكشفة، أن ما يميز رياضة المشي الجبلي هو ارتباطها الوثيق بالطبيعة، إذ تمنح ممارسها فرصة للتدريب الجسدي والاستمتاع بالمناظر الطبيعية في اللحظة نفسها، بالإضافة إلى التعرف على مكونات البيئة العُمانية من نباتات وأحجار وبحار وعيون مائية.
وتنصح الذهلية بزيارة عدد من المسارات الجبلية في سلطنة عُمان، من بينها مسار سارية العلم في قنتب، الذي تصفه بالمسار السهل للمبتدئين، إلا أن الوصول إلى نقطة بدايته يتطلب استخدام القارب. ويتميز المسار، بحسب تجربتها، بإطلالاته على الجبال والبحر، كما يعد من المواقع المناسبة لمشاهدة الشروق والغروب.
كما تشير إلى مسار جبل الحوراء في ولاية الحمراء، باعتباره من المسارات المتوسطة إلى الصعبة، ويبلغ طوله نحو 11 كيلومترا، فيما يصل أعلى ارتفاع فيه إلى نحو كيلومتر، وتتيح قمته مشاهدة ولاية بهلا من الأعلى. وتلفت إلى أن المسار يتضمن إنارات تعمل بالطاقة الشمسية وحاويات للمهملات.
وحول العلامات الإرشادية، توضح الذهلي أنها، بحكم كونها مبتدئة في هذا المجال وارتباط تجاربها بالمسارات المعروفة والقريبة من المدن، تلاحظ وضوح العلامات في عدد من المسارات، إلى جانب إعادة ترميم بعضها وإصلاحها.
وفي المقابل، تستشهد بتجربتها في مسار ريام، الذي تفتقر بعض أجزائه إلى العلامات الإرشادية؛ حيث لم تجد بعد صعود الدرج أي علامة تحدد اتجاه السير، الأمر الذي جعل تدخل أحد مرتادي الموقع ضروريا لإرشادها ومرافقتها حتى نقطة النهاية.
وأضافت الذهلي: إن انقطاع شبكة الهاتف المحمول وعدم وصول الشبكة، خصوصا في مسارات الوديان، من أبرز التحديات التي تواجه هواة المشي الجبلي؛ حيث قد يشكل خطورة في حالات الإصابة أو الطوارئ، لعدم قدرة الشخص على طلب النجدة.
وترى أن تطوير المسارات الجبلية، وتعزيز جاذبيتها سياحيا يتطلب تهيئة بعض المسارات لتصبح أكثر ملاءمة للمشي، حتى تسهم في تقليل مخاطر الانزلاق، بالإضافة إلى تخصيص مسارات سهلة وقريبة من المدن تتناسب مع الأطفال وكبار السن، بما يوسع قاعدة المستفيدين من هذه الرياضة.
وتوجه الذهلي رسالة إلى الشباب الراغبين في خوض تجربة المشي الجبلي للمرة الأولى، بتشجيعهم على ممارسة هذه الرياضة، ولها فوائد كبيرة للعقل والجسد، لكنها في الوقت ذاته تتطلب إعدادا بدنيا جيدا، ومعرفة مسبقة بدرجة صعوبة المسار والتحديات المحتملة والاستعداد لها. وتشدد على ضرورة الابتعاد عن التهور والالتزام بعوامل الأمن والسلامة، إلى جانب المحافظة على البيئة، وعدم قطع الأشجار أو ترك المخلفات في الطبيعة.