ما زالت صناعة الخبز الظفاري حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية بمحافظة ظفار، محافظةً على مكانتها كإحدى الحرف الغذائية التراثية التي ارتبطت بالمرأة الظفارية، وتوارثتها الأجيال جيلًا بعد جيل. وبين حرارة التنور ولهيب النار ومشقة العجن وإعداد الخلطات، تواصل نساء المحافظة ممارسة هذه المهنة، ليس باعتبارها مصدرًا للرزق فحسب، وإنما بوصفها جزءًا أصيلًا من الموروث الشعبي الذي يحرصن على بقائه حاضرًا رغم تغير أنماط الحياة وتطور وسائل الإنتاج.

وتختزل هذه المهنة في تفاصيلها المتوارثة الكثير من المهارة والخبرة التي اكتسبتها النساء من أمهاتهن وقريباتهن، بدءًا من إعداد العجين والخلطات، مرورًا بتجهيز التنور وإشعال النار، ووصولًا إلى إنتاج أنواع مختلفة من الخبز وتسويقها للزبائن. وتبقى الأعراس والمناسبات الاجتماعية أحد أبرز مواسم الطلب على هذا المنتج التراثي، بما يعكس استمرار ارتباطه بالعادات والتقاليد الاجتماعية في محافظة ظفار.

وفي ولاية طاقة، التقت «عُمان» عددًا من النساء العاملات في هذه المهنة داخل معاملهن المتواضعة، حيث تتداخل تفاصيل العمل اليومي مع رائحة الخبز المنبعثة من التنور، وتروي كل واحدة منهن حكاية مختلفة عن رحلة طويلة من الصبر والكفاح والمشقة في سبيل تأمين لقمة العيش، وفي الوقت نفسه المحافظة على حرفة توارثنها عن أمهاتهن وقريباتهن.

وتبدأ رحلة صناعة الخبز منذ ساعات مبكرة، إذ تتطلب المهنة إعداد العجين والخلطات وتجهيز مستلزمات الإنتاج وإشعال التنور، ثم متابعة عملية الخَبز بدقة ومهارة لضمان جودة المنتج ومذاقه. وهي خطوات تبدو بسيطة في ظاهرها، إلا أنها تتطلب خبرة متراكمة وقدرة على التعامل مع حرارة التنور وتوقيت الخَبز وكميات المكونات، وهي مهارات لا تزال النساء يتناقلنها داخل الأسرة والمجتمع.

ولا تقتصر أهمية هذه الحرفة على كونها وسيلة لتوفير مصدر دخل للنساء العاملات فيها، بل تمثل جانبًا من الذاكرة الاجتماعية والتراث الغذائي لمحافظة ظفار، إذ ظل الخبز حاضرًا في موائد الأهالي ومناسباتهم، وارتبط بالضيافة والأعراس والتجمعات الاجتماعية، الأمر الذي أسهم في استمرار الطلب عليه رغم التحولات التي طرأت على أنماط الحياة وظهور وسائل حديثة ومتنوعة لإنتاج الخبز.

غير أن استمرار هذه المهنة لا يخلو من تحديات، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج، وما يرافق ذلك من أعباء مالية تتحملها النساء العاملات فيها، إلى جانب صعوبة ظروف العمل التي تفرضها طبيعة المهنة، خصوصًا التعامل المستمر مع حرارة التنور والنار، فضلًا عن الجهد البدني الذي تتطلبه عمليات إعداد العجين والخَبز.

وتبرز كذلك الحاجة إلى مزيد من الاهتمام بهذه الحرفة وتطويرها بما يحافظ على طابعها التقليدي، وفي الوقت ذاته يساعد العاملات فيها على تحسين ظروف الإنتاج والتسويق والاستفادة من الفرص المتاحة أمام المنتجات الغذائية التراثية. كما أن دعم هذه الحرف يمكن أن يسهم في تمكين النساء اقتصاديًا، ويعزز حضور المنتجات المحلية المرتبطة بالهوية الثقافية للمحافظة.

وبين نار التنور ورائحة الخبز التي تملأ المكان، تواصل نساء طاقة ممارسة مهنة ورثنها عن أمهاتهن، مؤكدات أن الحفاظ على الحرف التراثية لا يكون بتوثيقها فقط، وإنما بمواصلة ممارستها وإيجاد الظروف التي تساعد على استمرارها وانتقالها إلى الأجيال القادمة.

خبرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود

تقول طليعة بنت نصيب أزجوم إنها تعلمت صناعة الخبز من والدتها وشقيقاتها الأكبر سنًا، قبل أن تتحول هذه المهارة مع مرور السنوات إلى حرفة تمارسها بصورة احترافية، مشيرة إلى أن سنوات الممارسة والخبرة التي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود مكّنتها من إدارة معملها بنفسها ومواصلة العمل في هذه المهنة التي أصبحت جزءًا من حياتها اليومية.

وعن سر شهرة الخبز الذي تنتجه، ولا سيما «خبز القالب» الذي تتخصص في إعداده، أوضحت أن ذلك يعود إلى فضل الله أولًا، ثم إلى الاجتهاد والدقة في إعداد الخلطات الخاصة بالخبز، التي تتطلب مقادير محددة من السكر والزيت والحبة السوداء، إلى جانب مهارة خاصة في عملية العجن، مؤكدة أن جودة المنتج تعتمد بدرجة كبيرة على دقة المقادير والخبرة المتراكمة في التعامل مع العجين.

وأضافت أن عملية الإنتاج اليومية تتطلب جهدًا كبيرًا، موضحة أنها تقوم بعجن نصف جونية من الدقيق يوميًا، بما يعادل نحو 20 كيلوجرامًا، وهي كمية تحتاج إلى جهد بدني وخبرة ومهارة في مراحل العجن والتجهيز والخَبز، فضلًا عن القدرة على تحمل مشقة العمل وحرارة التنور.

إنتاج حسب الطلب

وحول آلية تسويق إنتاجها، أوضحت طليعة أزجوم أنها لا تحتفظ بفائض من الخبز بهدف تسويقه لاحقًا، إذ يعتمد عملها بصورة أساسية على الطلبيات والحجوزات المسبقة من الزبائن، التي تستمر على مدار العام.

وأشارت إلى أن الأعراس في محافظة ظفار أصبحت تقام على مدار العام، بعدما كانت تتركز في السابق خلال موسم الخريف، إلى جانب المناسبات الاجتماعية والأعياد، ومنها عيد الفطر وعيد الأضحى، وهو ما أسهم في استمرار الطلب على الخبز الظفاري طوال العام، وحافظ على حضور هذه الحرفة ضمن تفاصيل المناسبات الاجتماعية.

التنور.. حرفة داخل الحرفة

ولا تقتصر صناعة الخبز الظفاري على إعداد العجين والخلطات، بل تبدأ مراحلها من تجهيز التنور نفسه، وهي عملية تتطلب خبرة خاصة ودقة في التنفيذ، وتعد من المهارات التي توارثتها النساء عبر الأجيال. وتوضح طليعة أن تجهيز التنور يبدأ بحفر حفرة عميقة، ثم إحضار كمية من التراب الأحمر الذي كانت تُبنى به بيوت ظفار قديمًا، وهو تراب يتميز بقدرته على تحمل درجات الحرارة العالية.

وتضيف أن التراب يوضع في الماء لمدة يومين حتى يتشبع، ثم يُعجن باليد، وبعد ذلك يتم «شمط» جوانب التنور من الداخل بهذا الطين، ويُترك لمدة ثلاثة أيام حتى يجف بصورة كاملة. وبعد اكتمال مرحلة التجفيف، توضع كمية من الأخشاب اليابسة داخل التنور وتُشعل النار فيه، وهي مرحلة تتطلب خبرة ومهارة خاصة لا تتقنها جميع النساء، نظرًا لدقتها وصعوبتها، ولذلك كانت الاستعانة، في كثير من الأحيان، بنساء محددات يمتلكن الخبرة في تجهيز التنور وإعداده بالشكل المناسب.

وتشير أم عبدالرحمن إلى أن صناعة الخبز الظفاري شهدت تغيرًا واضحًا بين الماضي والحاضر، موضحة أن لكل مرحلة ظروفها ومعطياتها المرتبطة بالمكان والزمان، وأن تطور المجتمع وتغير أنماط الحياة أديا بطبيعة الحال إلى تغير أساليب الإنتاج والتسويق، دون أن يفقد المنتج هويته وطابعه التراثي.

وتوضح أن التنور كان في السابق الوسيلة الأساسية لصناعة الخبز في المحافظة، حيث كان الزبون يحضر الدقيق والزيت والسكر، بينما تتولى النساء إعداد الخبز وتجهيزه مقابل أجرة تبلغ عشرة ريالات عن كل جونية من الدقيق.

أما اليوم، فقد اختلفت آلية العمل، إذ تتولى النساء العاملات تجهيز مستلزمات الإنتاج وإعداد الخبز وتسويقه بأنفسهن، من خلال منافذ بيع معروفة، في تحول يعكس قدرة هذه الحرفة على التكيف مع متطلبات الحياة الحديثة، مع المحافظة على أساليبها التقليدية وطابعها التراثي الذي يميزها عن منتجات الخبز الحديثة.

لهيب النار لا يوقف رحلة الرزق

وعن صعوبة العمل في هذه المهنة وما يرافقها من التعرض المستمر لحرارة النار واحتمالات الإصابة بالحروق، تؤكد طليعة أزجوم أن «لقمة العيش لا تعرف الطريق السهل أو الكلل»، فالمهنة التي اختارتها مصدرًا للرزق تتطلب منها مواجهة مشقة العمل يوميًا، والتعامل مع التنور والنار في ظروف ليست سهلة.

وتروي أنها تعرضت في إحدى المرات لحرق شديد في قدمها، مؤكدة أن الإصابة لم تكن عابرة، بل اضطرتها إلى التوقف عن العمل لفترة طويلة، لتجد نفسها أمام ظرف صعب حرمها بصورة مفاجئة من ممارسة العمل الذي اعتادت عليه، والذي يمثل مصدر رزقها.

وتقول إن تلك المرحلة كانت مؤلمة وشاقة، خصوصًا أنها اعتادت مواجهة متاعب المهنة يومًا بعد يوم، قبل أن تجد نفسها عاجزة مؤقتًا عن مواصلة العمل بسبب الإصابة. إلا أن ذلك لم يدفعها إلى التخلي عن مهنتها، بل عادت إليها بعد تعافيها، مدفوعة بإصرارها على الاستمرار وإيمانها بأن السعي وراء الرزق يحتاج إلى الصبر وتحمل المشاق.

ورغم ما خلفته الإصابة من ألم ومعاناة، تؤكد طليعة أن حب المهنة والإصرار على توفير مصدر دخل جعلاها تتجاوز تلك التجربة، لتواصل الوقوف أمام التنور، في صورة تجسد صبر النساء العاملات في هذه الحرفة وقدرتهن على مواجهة ظروفها الصعبة.

25 عامًا أمام التنور

ومن جانبها، تقول مثال بنت فرج هبان إنها أمضت نحو 25 عامًا أمام التنور، وما زالت تمارس هذه المهنة بصورة يومية، مشيرة إلى أنها تعلمتها من خالتها، رحمها الله، التي كانت صاحبة الفضل في تعريفها بأسرار هذه الحرفة ومراحل إعداد الخبز.

وتوضح أن بدايتها في المهنة لم تكن سهلة، إلا أن سنوات الممارسة أكسبتها الخبرة والمهارة، حتى أصبحت صناعة الخبز الظفاري جزءًا من حياتها اليومية ومصدرًا لرزقها. ومع مرور السنوات، لم تعد تعمل بمفردها، إذ أصبحت بناتها يشاركنها في مراحل الإنتاج، بدءًا من عجن الطحين وتجهيز العجين، وصولًا إلى إعداد الأرغفة وتجهيزها قبل إدخالها إلى التنور.

وتؤكد أن مشاركة بناتها لها في العمل تمثل مصدر سعادة بالنسبة إليها؛ لأنها ترى فيها امتدادًا للمهنة التي ورثتها عن الأجيال السابقة، وتقول إنها لا تريد لهذه الحرفة أن تتوقف عند جيلها، وإنما تتمنى أن تنتقل إلى بناتها ويواصلن ممارستها، حفاظًا على مهنة توارثتها الأمهات والجدات، وبما يضمن استمرار حضورها في المجتمع.

أنواع متعددة تلبي أذواق الزبائن

وتتنوع منتجات أم مالك بين «الخبز الغالب» و«الثخين»، إلى جانب نوع صغير جدًا بحجم كف اليد تطلق عليه «خبز الميني»، وتحرص في إنتاجها على تلبية احتياجات الزبائن واختلاف أذواقهم.

وتوضح أن كل نوع من هذه الأنواع يختلف من حيث طريقة الإعداد والحجم، إلا أنها جميعًا تحتفظ بالنكهة المميزة للخبز الظفاري الذي اعتاد عليه الأهالي، وهو ما يجعل تنوع المنتجات عاملًا مهمًا في تلبية الطلب واستمرار الإقبال عليها.

وحول تسويق إنتاجها، تشير إلى أنها توزع الخبز للبيع في منافذ الأكشاك الموجودة عند دوار طاقة، إلى جانب استقبال الطلبات الخاصة من الأهالي لتوفير كميات من الخبز للأعراس والمناسبات الاجتماعية، مؤكدة أن استمرار هذه الطلبات يعكس بقاء الخبز الظفاري حاضرًا في المناسبات، رغم التغيرات التي طرأت على أنماط الحياة والعادات الغذائية.

وتؤكد أن العمل أمام التنور ليس سهلًا، فهو يحتاج إلى جهد وصبر وقدرة على تحمل الحرارة الشديدة ومواصلة العمل لساعات، إلا أن سنوات الممارسة جعلت هذه المشقة جزءًا من حياتها اليومية، وأكسبتها القدرة على التعامل مع متطلبات المهنة وتحدياتها.

وبين لهيب النار وحرارة التنور، تواصل هؤلاء النساء ممارسة مهنة ارتبطت بذاكرة المجتمع الظفاري، فكل رغيف يخرج من التنور لا يمثل منتجًا غذائيًا فحسب، بل يحمل معه جانبًا من حكاية حرفة نسائية قاومت تغيرات الزمن، واستمرت بفضل مهارة الأمهات وإصرار البنات على المحافظة عليها.

ارتفاع تكاليف الإنتاج

وحول أبرز التحديات التي تواجهها، تشير مثال هبان إلى ارتفاع أسعار مستلزمات العمل، وفي مقدمتها الزيت والطحين، الأمر الذي أدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج وجعل الاستمرار في هذه المهنة أكثر صعوبة، في ظل اعتمادها عليها كمصدر دخل أساسي.

ورغم هذه التحديات، تؤكد تمسكها بصناعة الخبز الظفاري، موضحة أن المهنة تمثل مصدر رزق لها ولأسرتها، إلى جانب كونها حرفة تراثية تعلمتها من خالتها، الأمر الذي يجعلها تشعر بمسؤولية تجاه المحافظة عليها واستمرارها ونقل مهاراتها إلى الأجيال القادمة.

وتوجه مثال رسالة إلى الجهات المعنية بضرورة دعم النساء العاملات في هذه المهنة بولاية طاقة، مؤكدة أن توفير الدعم سيساعدهن على الاستمرار في الإنتاج وتطوير أعمالهن، ويخفف من الأعباء التي يواجهنها، كما يسهم في المحافظة على حرفة تراثية توارثتها النساء عن الأمهات والجدات، وما تمثله من قيمة اجتماعية وثقافية للمجتمع الظفاري.

القالب والثخين.. مذاق واحد وأسعار مختلفة

وعن أنواع الخبز وأسعاره، توضح مثال هبان أن صناعة الخبز الظفاري تضم نوعين رئيسين، هما «القالب» و«الثخين»، ولكل منهما خصائصه وسعره. وتشير إلى أن الارتفاعات الأخيرة في أسعار مختلف السلع ومستلزمات الإنتاج انعكست على أسعار الخبز، فأصبح سعر أربعة أرغفة من خبز «القالب» ريالًا واحدًا، فيما يبلغ سعر أربعة أرغفة من الخبز «الثخين» أربعة ريالات.

وتوضح أن اختلاف الأسعار يرتبط بطبيعة كل نوع وطريقة إعداده وحجمه، فيما يظل الإقبال على النوعين قائمًا بحسب رغبة الزبائن واحتياجاتهم، ولا سيما في المناسبات والأعراس.