توقفت كثيرًا مع خبر مشاركة جمعية الصحفيين العمانية في الملتقى الصحفي العماني التنزاني في دار السلام وزنجبار من يوم الأربعاء الماضي حتى يوم الأحد، وما أعقبه من زيارات لمعالم تاريخية عمانية تستمر حتى يوم الخميس؛ لأن المشاركة في مثل هذه الفعالية حدث يستحقّ التنويه به؛ كونه تأخر كثيرًا، ويعزف وترًا حساسًا لدينا، خاصة الذين دعوا مرارًا إلى أهمية تفعيل التواصل بين عمان وذلك الجزء من العالم .
فكثيرًا ما نتحدّث عن تاريخنا في شرق أفريقيا ونضعه في الكتب المدرسية وفي فقرات التعريف في المتاحف، لكننا قليلًا ما نذهب إليه؛ لذا فأنْ يذهب وفد إعلامي وأكاديمي عماني اليوم إلى دار السلام وزنجبار ليرى بعينه ما قرأه في الكتب، يعتبر بحد ذاته إنجازًا؛ فمن رأى ليس كمن سمع، وأن يقف هذا الوفد أمام بيت الساحل، ويشاهد عمليات الترميم لبيت العجائب، ويزور المقبرة السلطانية، وبيت المتوني وبيت المرهوبي وقصر السعادة، ويشاهد آثار العمانيين من بيوت ومزارع ومساجد وقصور، ويسمع من كبار السن هناك كيف مخر الإنسان العماني العباب، وكيف كان الجد العماني يأتي بالتمر واللبان ويعود بالقرنفل، هذا هو التوثيق الحقيقي الذي لا تعطيه الندوات المغلقة.
والمؤكد أنه بعد هذا الملتقى، وبعد الجولات الميدانية للصحفيين والأكاديميين للآثار العُمانية هناك فإنّ لغة مخاطبة المتلقّي ستتغيّر؛ إذ أنها ستتحوّل من كلام نظري إلى تجربة حيّة عاشوها في الواقع، ويمكن لهم - بعد ذلك - أن يتحدّثوا عن ذلك التاريخ من خلال معرفة عملية.
ولنكن صريحين بأنّ هذه الخطوة تأخّرت كثيرًا جدًا؛ فلأكثر من خمسين سنة ونحن ندير ظهرنا تقريبًا لتلك الجغرافيا، بينما كانت دول أخرى - ليس لها ناقة ولا جمل بالمنطقة - تبني مراكز ثقافية وأحياء سكنية ومستشفيات وتستميل أبناء تلك المناطق، فيما كنّا نكتفي بصورة لقلعة عمانية في زنجبار ننشرها في مناسبة من المناسبات العابرة، وندع المرشدين السياحيين يسيئون إلينا دون ردٍّ منّا، وكأنّ التاريخ العماني هناك كان عارًا.
وقد سبق لي أن ذكرتُ في مقال سابق أنّ الرئيس سالمين عامر رئيس زنجبار قال لخالي حمد بن سعيد المحروقي - الذي رحل عن عالمنا عام 2000 -: «إنّ هذه مناطق نفوذكم، لكنكم تأخرتم وسبقكم الآخرون»، والعبارة لا تزال ترن في أذنيّ حتى الآن.
صحيح أنّ هذا ليس الملتقى الأول الذي تقيمه جمعية الصحفيين العُمانية، إذ سبقته ثلاثة ملتقيات سابقة في أماكن أخرى، لكنّي أعتقدُ أنّ التجربة يجب أن تُعمّم لكلّ الجمعيّات والمؤسسات ذات الصلة بالتاريخ والثقافة، كأنْ يكون هناك برنامجٌ وطنيّ منظّم لا زيارة عابرة، أسمّيه «برنامج العودة إلى الساحل»، تشارك فيه كلّ مؤسساتنا من جمعية الصحفيين، وجمعية الكتّاب، والجمعية التاريخية، وجمعية السينما، والنادي الثقافي، والمنتدى الأدبي، والجامعات، ووزارات الإعلام والثقافة والتراث والسياحة، والأندية الرياضية والثقافية، وجامعة السلطان قابوس والجامعات الخاصة، مع الاهتمام بابتعاث مجموعة من الطلاب للتنقيب في الأرشيف البريطاني والزنجباري عن تاريخ الوجود العماني هناك بدلًا من الاعتماد على مواضيع مكررة.
نأمل أن تكون هناك خطواتٌ أخرى تعقب هذا الملتقى ليس من الجمعية فقط، وهي - مثلًا - تنظيم رحلات إعلامية إلى الساحل الشرقي الأفريقي الآخر وهو ساحل كينيا، فلا يجب أن ينصبّ كل تركيزنا على تنزانيا وزنجبار فقط؛ فالتاريخ العماني العظيم في كينيا، وتحديدًا في ممباسا ولامو وماليندي وباتي وفازا لا يزال مهملًا ومنسيًّا.
وفي رحلتي الأخيرة إلى تلك السواحل تفاجأت بالإرث العماني الكبير هناك من قصور ومبان ومساجد ومدارس وكليات ومقابر، هذا عدا الناس والعادات والتقاليد، وبيوت حجرية بناها العمانيون، وعائلات لا تزال تحمل أسماء قبائل عمانية إلى اليوم.
ومن زار ممباسا يحس أنه يمشي في أزقة مطرح القديمة. ومن زار فازا يجد نفسه كأنّه يتجول في بيوت النباهنة في الجبل الأخضر، لكن لا أحد كتب عنها بعمق.
وقد كنت أقول لرفيق الرحلة سيف بن سعود المحروقي: إننا إذا استطعنا أن نخرج بعشرة تقارير من كينيا فهذا إنجاز، لكنّنا - ولله الحمد - خرجنا بستة وعشرين تقريرًا.
زيارة وفد جمعية الصحفيين العمانية لتنزانيا يجب ألا تتحوّل إلى مجرد رحلة سياحية أو خبر ينتهي بانتهاء الملتقى، بل يجب أن تكون هي الشرارة.
ويجب أن يكون الاستثمار الحقيقي، في ذاكرة الناس، وهو المفتاح الحقيقي لكلّ نجاح؛ فالمنتدى الاقتصادي العماني التنزاني مهم، واتفاقيات تجنّب الازدواج الضريبي مهمة، ووفود رجال الأعمال مهمة، لكن كل هذا يبقى بلا روح إذا لم يرافقه تعاون ثقافي وإعلامي وشعبي.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.