فرانكلين سي ميلر / إريك إيدلمان / والتر بي سلوكومب
ترجمة: نهى مصطفى
يبدو أن الولايات المتحدة تستعد لسحب جزء كبير من قواتها العسكرية من أوروبا. فقد أعلنت استراتيجية الأمن القومي لعام 2025، وهي وثيقة سياسية رئيسية، أن الوقت قد حان لكي «تعتمد القارة على نفسها» وتتحمل «المسؤولية الرئيسية عن دفاعها التقليدي»، أي أن تستعد لانسحاب واشنطن.
وفي اجتماع لوزراء دفاع حلف الناتو في يونيو 2026، أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث أن البنتاجون «يتحرك بسرعة وبشكل لا رجعة فيه نحو تولي أوروبا المسؤولية الرئيسية عن الدفاع عنها».
بعد شهرين في أغسطس صرح وكيل وزارة الدفاع الأمريكية إلبريدج كولبي بأن حلف الناتو سينتقل إلى ما أسماه «تحالفًا أقوى وأكثر عدلًا واستدامة» تتولى فيه أوروبا معظم مهام الدفاع عن نفسها. ثم أرسلت الإدارة الأمريكية استبيانًا إلى جميع حلفاء الناتو لقياس مدى توافقهم مع سياسات الرئيس دونالد ترامب وأولوياته مع إيحاء واضح بأن من لا يتفقون معها قد يواجهون خفضًا في الدعم الأمريكي.
ويُزعم أن البنتاجون يعد دراسة لتحديد المستوى الأمثل للقوات الأمريكية داخل حلف الناتو، لكن من الواضح أن الدراسة توفر غطاءً للمسار الذي اختاره ترامب وهيجسيث وكولبي بالفعل.
يرى ترامب ومسؤولوه أن الانسحاب من أوروبا منطقي، ويقولون: إن القارة غنية وقوية بما يكفي للدفاع عن نفسها في حين يتعين على واشنطن توجيه مواردها العسكرية إلى مواجهة التحديات المتزايدة في آسيا والشرق الأوسط.
لكن منطق الإدارة خاطئ؛ فالانسحاب من أوروبا لن يخدم مصالح واشنطن في أي مكان في العالم، بل سيضعف حلف الناتو، ويهدد شراكات الولايات المتحدة الأخرى، وربما يهدد أمنها أيضًا. لا يستند الانسحاب المخطط له إلى تقدير حقيقي لإدارة التحالفات أو تحليل التهديدات أو فهم التاريخ، بل إلى تحيز ضد أوروبا، ما يجعله خطرًا بقدر ما هو مُدان.
عندما عاد ترامب إلى البيت الأبيض، أمل مسؤولون أوروبيون في أن يظل تهديده أشد وطأة من أفعاله، كما حدث خلال ولايته الأولى، لكن سرعان ما اتضح عزمه على تقليص الوجود الأمريكي في أوروبا. ففي أكتوبر 2025 أعلنت الإدارة سحب نحو ألف جندي من رومانيا، وفي مايو 2026 ألغت نشر قوة مزودة بنظام «دارك إيجل» فرط الصوتي في أوروبا إلى جانب إلغاء نشر لواء القتال المدرع الثاني، ما خفض الوجود العسكري الأمريكي في القارة بنحو خمسة آلاف جندي.
ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز في يونيو 2026؛ أبلغ مكتب السياسات في البنتاجون حلفاء الولايات المتحدة بأن تخفيضات أكبر قادمة. تعتزم واشنطن خفض عدد طائرات إف-15إي وإف-16 المقاتلة التابعة لسلاح الجو الأمريكي والمتمركزة في أوروبا بمقدار الثلث، وسحب جميع طائرات التزود بالوقود الثماني الموجودة هناك، وإعادة تمركز إحدى مجموعتي القاذفات المخصصتين لأوروبا، وسحب 15 طائرة من أصل 26 طائرة دورية بحرية متمركزة في القارة، إضافة إلى سحب غواصة مزودة بصواريخ كروز ومجموعة حاملة طائرات.
كما تخطط لسحب جزء كبير من القوات الأمريكية من هيكل قيادة حلف الناتو. ففي يوليو، على سبيل المثال، خفض هيجسيث رتبة قائد الجيش الأمريكي في أوروبا من أربع نجوم إلى ثلاث، وأجبر في هذه العملية قائدًا عسكريًا بارزًا، هو الجنرال كريس دوناهو، على التقاعد. ويبدو أن هيجسيث يخطط أيضًا لاستبدال عدد من الضباط الأمريكيين الذين يشغلون حاليًا مناصب قيادية عليا بضباط أوروبيين. بل إن البيت الأبيض يدرس مستقبلًا تعيين شخص غير أمريكي قائدًا أعلى لقوات الناتو، وهو أعلى منصب عسكري في الحلف. ويعد تولي أمريكي لهذا المنصب مبدأً من مبادئ القيادة الأمريكية وجزءًا أساسيًا من تضامن الحلف منذ تأسيسه.
إذا حدث ذلك فإن أوروبا لديها قادة أكفاء قادرون على شغل هذه المناصب، لكن القارة لا تستطيع في الواقع توفير ما توفره الولايات المتحدة. فلا يوجد، على سبيل المثال، قادة أوروبيون يتمتعون بالخبرة نفسها التي يمتلكها نظراؤهم الأمريكيون في قيادة تشكيلات كبيرة في زمن الحرب أو في تنسيق جيوش دول متعددة وتدريبها. كما لا تستطيع الدول الأوروبية تعويض فقدان طائرات الدوريات البحرية الأمريكية، ما سيجعلها تواجه صعوبة في مراقبة نشاط الغواصات الروسية.
مما يزيد الأمر سوءًا أن البحرية الأمريكية رفضت، في أوائل سبتمبر، ولأول مرة منذ عقود، المشاركة في مناورة الناتو للحرب المضادة للغواصات في شمال المحيط الأطلسي. وتمثل هذه الخطوة مخاطرة كبيرة، نظرًا إلى أن الغواصات الروسية المسلحة بصواريخ كروز النووية تستخدم هذه المياه نفسها للاقتراب من السواحل الأمريكية. وبالمثل؛ لا يستطيع حلف الناتو حاليًا تعويض طائرات التزود بالوقود جوًا، أو مجموعات حاملات الطائرات القتالية، أو قدرات القاذفات بعيدة المدى التي يخطط البنتاجون لسحبها.
يثير تقليص النفوذ الأمريكي في حلف الناتو شكوكًا كبيرة في الظروف العادية، لكن الظروف الحالية استثنائية بكل المقاييس. يواصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حربه في أوكرانيا، كما يهدد دول الناتو بشكل مباشر وعلى نطاق غير مسبوق.
وعلى مدى أكثر من عقد شنت روسيا ما يسميه الخبراء «الحرب الهجينة» أو «حرب المنطقة الرمادية» ضد الحلف من خلال تنفيذ هجمات تخريبية ضد دوله الأعضاء، ثم نفي مسؤوليتها عنها. فعلى سبيل المثال اغتالت موسكو مهاجرين مناهضين لروسيا، وزرعت عبوات حارقة في مصانع غربية وطائرات شحن، وأرسلت طائرات مسيرة مفخخة لمهاجمة مطارات داخل أراضي الناتو، وقطعت كابلات بحرية في المحيط المتجمد الشمالي وبحر البلطيق، وتدخلت في الانتخابات، ونفذت هجمات إلكترونية.
في ديسمبر 2025، صرح رئيس جهاز المخابرات السرية البريطانية، بليز مترويلي، بأن روسيا تشكل «تهديدًا خطيرًا» للقارة، وأنها تخطط لتنفيذ عمليات حرق وتخريب وهجمات إلكترونية وهجمات بطائرات مسيرة في أنحاء أوروبا. على مدى الأشهر الخمسة عشر الماضية، كثّفت روسيا هذه العمليات، وبوتيرة أكثر جرأة. ففي أغسطس 2026 وحده، رُصدت أنشطة مشبوهة مرتبطة بروسيا في بلغاريا وإستونيا وألمانيا وإيطاليا وبولندا وسلوفاكيا. وفي مطلع سبتمبر، ألقت لندن القبض على مواطن بريطاني استأجرته أجهزة الاستخبارات الروسية لتخريب مصنع للطائرات المسيّرة في المملكة المتحدة. كما نشر بوتين مزيدًا من القوات العسكرية في المناطق الروسية المتاخمة لدول حلف الناتو. ودفع ذلك عددًا من كبار الضباط العسكريين والاستخباراتيين في الحلف إلى التحذير من أن بوتين يخطط لشن عمليات برية محدودة ضد الناتو خلال السنوات القليلة المقبلة.
ليس من قبيل الصدفة أن تتزامن حدة بوتين المتزايدة مع تراجع واشنطن عن التزاماتها في أوروبا. ففي عالم يهيمن عليه قادة وطنيون انتقاميون، يشجع ضعف الولايات المتحدة وتراجع موثوقيتها على مثل هذا السلوك. وفي المقابل، يظل الالتزام الأمريكي الجاد بالدفاع عن المصالح الأوروبية أفضل وسيلة لردع الهجمات في المنطقة الرمادية.
كما يثير تراجع موثوقية واشنطن في أوروبا شكوكًا بشأن التزامها بالدفاع عن مناطق أخرى، ولا سيما منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد يرى شي جين بينج وكيم جونج أون في تراجع الولايات المتحدة عن الدفاع عن حلفائها في الناتو مؤشرًا إلى أنها قد لا تقف إلى جانب تايوان وكوريا الجنوبية. فالتزامات الولايات المتحدة الأمنية مترابطة؛ والتراجع عن التزاماتها في جبهة واحدة يثير حتمًا شكوك الحلفاء والخصوم بشأن التزامها في مناطق أخرى.
بل إن انسحاب واشنطن قد يعرض الأراضي الأمريكية للخطر؛ فنشر القوات الجوية والبحرية والبرية الأمريكية في الخارج يساعد على إبقاء قوات العدو بعيدة عن السواحل الأمريكية.
ويعد الانسحاب المقترح لقوات الحرب المضادة للغواصات الأمريكية بما فيها طائرات الدوريات والغواصات الهجومية، مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ يسهل وصول القوات الروسية إلى الولايات المتحدة.
تزعم إدارة ترامب أنها لا تتخلى كليًا عن أوروبا. وردًا على المخاوف والانتقادات الموجهة إلى قراراتها، أشارت الحكومة إلى أن أوروبا ستظل تتمتع بضمانة الردع النووي الأمريكي.
بل ذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن مسؤولين أمريكيين يقولون إن الإدارة تدرس نشر أسلحة نووية أمريكية في مزيد من الدول الأوروبية، وفق ترتيبات مماثلة لتلك التي تحكم حاليًا نشر القنابل والطائرات النووية في أوروبا.
لكن هذه الخطة تتجاهل إصلاحات نووية أخرى يُرجح أن تعزز الردع، مثل تسريع برنامج تطوير صواريخ كروز بحرية جديدة مزودة برؤوس نووية. وحتى لو كان ترامب يسعى إلى هذه الإصلاحات، فمن غير الواقعي تصور أن زيادة عدد الأسلحة النووية الأمريكية في القواعد الأوروبية، أو أي تعديل آخر في القدرات النووية، سيعزز الردع. ففي نهاية المطاف؛ إذا لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لنشر قوات تقليدية كبيرة للمساعدة في الدفاع عن أوروبا فلن يكون لدى بوتين أو غيره من القادة سبب وجيه للاعتقاد بأن واشنطن ستلجأ إلى استخدام الأسلحة النووية.
يتمثل جوهر المسألة في مصداقية التهديد الأمريكي باستخدام القوة التقليدية والنووية للدفاع عن حلف الناتو. وكما أشار السير مايكل كوينلان؛ فإن الحرب التقليدية قد تكون الطريق إلى الحرب النووية، ولذلك يجب أن تشمل جهود الردع جميع مستويات الصراع. فالردع التقليدي والنووي مترابطان، وكان وجود القوات النووية الأمريكية في أوروبا خلال الحرب الباردة يربط أمن الولايات المتحدة بأمن القارة. ومن ثم فإن تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا يضعف الردع التقليدي والنووي في مواجهة أي عدوان روسي. ولا يقدم الانسحاب الأمريكي من أوروبا مبررًا منطقيًا أو عسكريًا واضحًا؛ ويعزو النص ذلك إلى موقف ترامب من القارة.
نظرًا إلى أن تحيزات الإدارة الحالية قد تضر بالأمن القومي الأمريكي؛ ينبغي للكونجرس أن يتدخل لمنع المزيد من الضرر. وعليه أن يسن تشريعات تمنع أي إدارة من خفض أو تعديل حجم القوات الأمريكية في أوروبا دون موافقة صريحة منه، وأن يلزم البيت الأبيض بتقديم تقارير سنوية سرية وغير سرية عن التهديدات التي تواجه حلف الناتو وقدرته على ردعها والدفاع عنها، ودور القوات الأمريكية في أوروبا في حماية الولايات المتحدة، ودعم عملياتها العسكرية خارج القارة.
كما ينبغي للكونجرس حماية بنية الحلف، ومنها اشتراط أن يتولى ضابط أمريكي برتبة أربع نجوم منصب القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا بما يحافظ على ترتيبات القيادة التي تضمن عدم استخدام الأسلحة النووية الأمريكية إلا بتفويض صريح من الرئيس. كذلك ينبغي حظر أي استيلاء أمريكي بالقوة على أراضي دولة عضو في الناتو، ومنع نشر القوات الأمريكية في دول حليفة خلال وقت السلم من دون موافقة الدولة المعنية.
لا يكفي امتلاك القوة العسكرية للدفاع عن أوروبا والولايات المتحدة، بل يجب أيضًا الحفاظ على ثقة الحلفاء والخصوم في التزام واشنطن بالدفاع عن حلفائها عند الضرورة. منذ عام 1949 حافظت الولايات المتحدة على التزامها بحلف الناتو الذي أسهم في الحفاظ على السلام في أوروبا، وإنهاء الحرب الباردة، وتوحيد القارة. وتقويض هذا التحالف وثقة الحلفاء بسبب نظريات غير مثبتة ومظالم سياسية سيكون إضرارًا بالمصالح الأمريكية نفسها، ويهدد أمن الشعب الأمريكي وازدهاره.
فرانكلين سي. ميلر عمل لمدة ثلاثة عقود كمسؤول رفيع المستوى في مجال السياسات النووية والحد من التسلح في البنتاجون، ثم انضم لاحقًا إلى فريق مجلس الأمن القومي في إدارة جورج دبليو بوش. وهو شريك رئيسي في مجموعة سكوكروفت.
إريك إيدلمان شغل منصب وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسات من عام 2005 إلى عام 2009.
والتر بي. سلوكومب شغل منصب وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسات من عام 1994 إلى عام 2001.
الترجمة عن Foreign Affairs