ترجمة: قاسم مكي

كان كتاب «الفرصة الأخيرة: المستشار الجديد والصراع من أجل الديموقراطية» من بين الكتب الأكثر مبيعا في ألمانيا العام الماضي. صوَّر مؤلفه روبن اليكساندر الخشية واسعة النطاق من احتمال اكتساح التطرف السياسي للديموقراطية الألمانية إذا فشل المستشار فريدريك ميرتز.

بعد عام لاحقا تتزايد تلك المخاوف؛ فحزب «البديل من أجل ألمانيا» الشعبوي واليميني المتطرف تصدَّر نتائج الانتخابات في ولايتين مؤخرا فيما فاز لتوِّه حزب «دي لينكه» اليساري المتطرف بانتخابات ولاية برلين. إلى ذلك هبطت شعبية ميرتز الى 13%، وهناك توقعات واسعة بأنه قد تلزمه الاستقالة قريبا.

ألمانيا أكبر اقتصاد في أوروبا؛ لذلك أي شيء يحدث بها سيهزّ القارة بأكملها. في الأثناء وفي فرنسا ثاني أكبر اقتصاد بالاتحاد الأوروبي تتصدر مارين لوبان الزعيمة البرلمانية لحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف استطلاعات الرأي العام قبل الانتخابات الرئاسية في العام القادم.

إذن هل يوشك الوسط في أوروبا على التداعي؟ وهل الديموقراطية الأوروبية تهدر حقا «فرصتها الأخيرة.»

لحسن الحظ؛ الواقع السياسي أقل إثارة؛ فعلى الرغم من الاضطراب الحالي غالبا ما سيصمد الوسط السياسي في أوروبا.

هنالك ثلاثة أسباب رئيسية لذلك. أولها الاستخدام واسع النطاق لنظام التمثيل النسبي في الانتخابات الأوروبية. والسبب الثاني فشل أحزاب أقصى اليمين أو تحولها للاعتدال في الحكم. يعكس ذلك السبب الثالث وهو القيود الجادة التي تفرضها عضوية الاتحاد الأوروبي على الأحزاب الشعبوية والمعادية للمؤسسة السياسية التقليدية؟

لقد سبق أن دخلت الأحزاب التي تُعتبر إلى حد بعيد «يمينية متطرفة» الحكمَ في بلدان أوروبية مهمة، وكانت النتيجة مليئة بالدروس.

في هولندا تصدَّر حزب «بي في في» (حزبٌ من أجل الحرية) الذي يقوده خيرت فيلدرز انتخابات عام 2023 وشكل لفترة قصيرة الركيزة لحكومة ائتلافية، لكن حزب خيرت أُحبِط بقيود سياسة الائتلاف وقانون الاتحاد الأوروبي وخرج ساخطا من الحكومة. تراجعت شعبية «بي في في» بشدة في الانتخابات التالية وهولندا يحكمها الآن ائتلاف وَسَطي آخر.

كان حزب الحرية اليميني المتطرف في النمسا أيضا جزءا من حكومتين ائتلافيتين منذ عام 2000 وفاز بأغلب الأصوات في انتخابات عام 2024، لكنه لم يستطع تشكيل حكومة ائتلافية، وهو حاليا خارج السلطة.

تؤكد التجربتان الهولندية والنمساوية كيف يحِدّ التمثيلُ النسبي الخياراتِ السياسية لأقصى اليمين، وهذا ينطبق خصوصا على ألمانيا حيث تتبنى أحزاب الوسط سياسة «جدار حماية» تمنع الاشتراك في الحكم مع أقصى اليمين.

يحصل حزب البديل من أجل ألمانيا الآن على أقل من 30% في استطلاعات الرأي على المستوى الوطني. وإذا حقق هذه المستويات في انتخابات وطنية أو حتى تعداها فسيكون من الصعب جدا تشكيل ائتلاف وسطي. رغم ذلك فالاحتمال الراجح هو استبعاد حزب البديل من الحكم.

الوضع في فرنسا مختلف؛ لأن الفائز في الجولة الثانية للانتخابات الرئاسية ينفرد بالحكم، فإذا فازت مارين لوبان في مايو القادم ستدخل قصر الإليزيه.

لكن مثال إيطاليا يوحي بأن حكومة أقصى اليمين في فرنسا قد لا تكون متطرفة على النحو الذي يخشاه البعض؛ فجورجيا ميلوني رئيسة وزراء إيطاليا تقود حزبا سياسيا يتجذر في أقصى اليمين المُعجَب بموسوليني، لكنها ظلت تحكم إلى حد بعيد من موقع يمين الوسط، وتجنبت بذلك الدخول في مواجهة مع شركائها في الاتحاد الأوروبي ربما كانت ستكلفها تمويل الاتحاد، وتخيف أسواق الدَّين.

يشير اليسار الإيطالي إلى السياسات الخشنة التي تتبعها ميلوني حول الهجرة واللجوء كمؤشر إلى احتفاظها بنزعات يمينية متطرفة.

لكن كل الحكومات الأوروبية تقريبا تبحث الآن عن طرق للحد من تدفق باحثي اللجوء.

وهي تفعل هذا استجابة منها لعدم الارتياح المتزايد وسط الناخبين؛ وبالتالي يمكن القول: إنه تعبير عن الديموقراطية، وليس نَفْيا لها.

عكفت لوبان على مدى سنوات في تكوين صورة معتدلة لحزبها، والتخلص من سياساته وارتباطاته الأكثر تطرفا. في أثناء هذا المسعى انشقت عن والدها مؤسس الحزب، وألغت خططا للتخلي عن العملة الأوروبية الموحدة.

ما زالت زعيمة أقصى اليمين محتفظة بميول تختلف بشدة عن التيار الرئيسي للسياسة الفرنسية؛ فقد تعهدت مؤخرا بإنهاء كل أنواع العون المالي الفرنسي لأوكرانيا. وستضعها بعض سياساتها مثل تعهدها بالتفضيل الوطني لباحثي العمل والشركات في صدام مع قانون الاتحاد الأوروبي.

لكن حين تتولى الحكم غالبا ما ستجد لوبان أن المواجهة الشاملة مع باقي بلدان الاتحاد الأوروبي تترتب عنها تكلفة سياسية واقتصادية باهظة؛ فعضوية السوق الداخلية الفاعلة للاتحاد الأوروبي تظل أساسية لعافية الاقتصاد الفرنسي. الناخبون في فرنسا يعلمون هذا. وأسواق السندات، التي هي قيد كبير آخر على الحكومتين الفرنسية والإيطالية المثقلتين بالدين، ستصاب بالذعر أيضا.

تعكس العديد من المخاوف حول لوبان وحزب البديل من أجل ألمانيا وباقي أقصى اليمين الأوروبي ذكرياتِ ثلاثينيات القرن الماضي؛ ففي تلك التجربة كان زعماء أقصى اليمين كهتلر وفرانكو بمجرد تولّيهم الحكم يقوضون الديموقراطية بسرعة، ويترجلون عنه فقط عندما يموتون.

لكن التجربة الأوروبية المعاصرة مختلفة؛ فأقصي اليمين دخل الحكم وتركه سلميا. حتى فيكتور أوربان المجري قَبِل الهزيمة في انتخابات سابقة هذا العام.

صعود البديل من أجل ألمانيا ولوبان مثير، وسيفاقم التوترات السياسية وعدم الاستقرار، لكنه لا يُؤذِن بنهاية الديموقراطية الأوروبية.

جيديون راكمان كبير معلقي الشؤون الخارجية بصحيفة الفاينانشال تايمز