ترجمة: أحمد شافعي

حينما دخلت المكتب البيضاوي في ذلك اليوم، كان وجه بايدن في حمرة الشمندر. جلست أمام مكتبه مع جمع أكبر من المعتاد، بينهم زينتس ووزير الخارجية أنطوني بلينكن وبيرنز. واستشعر الجميع أن شيئا ما موشك. قال بايدن «ما الذي يمكن أن أقوله لهذا الرجل بحق الجحيم؟».تباينت وجهات النظر. أشار البعض على الرئيس بأن يقول لنتنياهو ببساطة إن الحرب انتهت، وإذا رفض فسنوقف الدعم لإسرائيل. وكان بايدن يسمع هذا الرأي خلال حملته الانتخابية من بعض دوائر الحزب الديمقراطي، لكنه سأل عما سيحدث إذا ما قطعنا المساعدة العسكرية والرهائن لا يزالون في الأنفاق والحرب مستمرة وإسرائيل تتعرض للضرب من جهات عدة. سأل ساخرا: «هل نحن في صف إيران؟» أشار بيرنز بأن إبرام صفقة رهائن يبقى المسار الوحيد لوقف إطلاق النار. وذلك كان يعني الاستمرار في دعم إسرائيل مع محاولة استئناف المفاوضات مع حماس، وتخفيف المعاناة الإنسانية الهائلة في غزة. ووافقتُ بيرنز لكني آثرت ألا أتكلم كثيرا مستوعبا المشهد ومحاولا سبر أغوار بايدن الذي بدا على وشك أن ينفجر.

ناقش جيك سوليفان ـ مستشار الأمن الوطني ـ استعدادات إسرائيل للضربة الصاروخية وطلبها الدعم من الجيش الأمريكي. وكانت على مكتب بايدن أوامر بتوصية من وزير الدفاع لويد أوستن، لنشر طارئ لقوات إضافية في المنطقة. قال بايدن: إنه أقرَّها بلا تردد، ثم سأل إذا كان يمكننا الرجوع إلى اتفاقية للرهائن. وبدا الأمر ميئوسا منه، لكن بيرنز اقترح أنه قد تكون فرصة سانحة لاستعمال هجمة إيران في صالحنا. فلو ساعدنا في إلحاق الهزيمة بها، سيكون نتنياهو مدينا لنا، والسنوار سيرى أنه حتى الهجوم المباشر من إيران لا يمكن أن يحسن من وضع حماس. (راهنت إيران على أن ضربتها الصاروخية ستدفع بايدن، الغاضب من نتنياهو، إلى القطيعة مع إسرائيل، فثبت أنها حسبة خاطئة: دافعت واشنطن عن إسرائيل بتحالف عربي وأوروبي، ثم استعملت هذا النصر لكبح الرد الإسرائيلي. «استغل الفوز»، قال بايدن لنتنياهو، وبذلك تجنبت المنطقة حربا كبرى.)

سأل بايدن وقد بدا غير مقتنع: «وإذا لم نهزمهم؟» كانت الإجابة هي الحرب الإقليمية. كانت إسرائيل قد تهيأت لرد الضربة في حال إحداث صواريخ إيران خسائر إسرائيلية. قال بايدن «ممتاز».

تم إيصال المكالمة، وبادره بايدن قائلا «بيبي، ما الذي تفعله بحق الجحيم أيها الرجل؟»، كان يقبض على الهاتف بشدة «أتظن أنني بابا نويل؟ ما من بابا لإسرائيل يا صاح». وحينما سأله نتنياهو عما يعنيه، قال بايدن: إن بوسعه أن يقطع المساعدات عن إسرائيل بإشارة من إصبعه تاركا إياها وشأنها. رد نتنياهو بأن إسرائيل سوف تدافع عن نفسها ولو بدون الولايات المتحدة. (وعلمنا لاحقا أنه خلص من هذه المكالمة إلى أننا سنقطع الإمدادات العسكرية).

رجوعا إلى النقاط المعدّة تقدم بايدن بمطالب محددة تخص المساعدات الإنسانية، وفتح معابر إضافية إلى شمالي غزة. وبدأ نتنياهو يناقض تقديرات إسرائيل الأولية للضربة التي استهدفت عمال الإغاثة زاعما أن الأمر أكثر تعقيدا مما تناقلته الأخبار، وأنه سوء تواصل فادح.

قاطعه بايدن: «لا أريد أن أسمع هذا الكلام يا بيبي». وقال: إنه سوف يساعد إسرائيل في مواجهة إيران، لكن الولايات المتحدة سوف تتحرك بسرعة لإنهاء الحرب وتحرير الرهائن.

«هذه هي الصفقة يا صاح». وأغلق الخط فجأة. كانت مكالمة قصيرة.

لولا الضربة الإيرانية الوشيكة لعل الولايات المتحدة كانت اتخذت إجراءات لا رجعة عنها ضد إسرائيل في ذلك الطور. ولقد أضناني التساؤل عما لو كان من شأن ذلك أن يفضي إلى مسار أفضل. لقد كنا جميعا راغبين في إنهاء الحرب التي كانت رعبا مثيرا للغثيان في كل جانب. فهل كان السبيل إلى تلك النهاية هو صفقة الرهائن ووقف إطلاق النار ـ وهو المسار الذي كنا نسلكه ـ أم ببساطة أن نقول لإسرائيل كفى، حتى وهي تتعرض لضربات من جبهات عدة؟

لو كان من سبيل أفضل لإنهاء الأزمة لسلكه بايدن. كان قد جرَّب قرارا من الأمم المتحدة يدعو إلى وقف غير مشروط لإطلاق النار، وجرّب زيادة الضغط، فلم يبد من هذا الخطوات إلا أنها زادت الطين بلة.

كانت أطراف ذلك الصراع المتحاربة كثيرة. وزيادة الضغط على إسرائيل لم يوقف الحرب. بل بدا أنه يشجع من يحاربونها.

ولم أكن رأيت بايدن محبطا بقدر ما رأيته في ذلك اليوم، كان ينفث الغضب، حرفيا.

تناول سوليفان ورقة ملاحظات ليكتب مسودة لملخص المكالمة الرسمي. وتجادلنا هل نعلن تهديدنا بإيقاف المساعدات العسكرية لإسرائيل، ولم يكن بايدن مرتاحا إلى ذلك في لحظة تتأهب فيها مئات الصواريخ الإيرانية للإطلاق. وقد نبّه الملخص النهائي إلى أن سياسة الولايات المتحدة «سوف تتحدد بناء على تقديرنا لتصرف إسرائيل الفوري» في «خطوات محددة ملموسة واضحة لمعالجة الضرر الإنساني والمعاناة الإنسانية وسلامة عمال الإغاثة». وفي الوقت نفسه جاء فيه أن بايدن «أوضح أن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بشدة في مواجهة تهديدات إيران».

تلك كانت المفارقة. برغم كل إحباط بايدن من الموقف ومن نتنياهو كانت إسرائيل معرضة لهجوم من أعداء مشتركين. وكانت ثقة إيران تقوم على اعتقادها بأن بايدن معرض لضغط من أجل قطع علاقته بإسرائيل. وبدا أن إيران تعتقد أن الضربة الصاروخية لإسرائيل قد تساعد في دفع بايدن إلى الحافة، وثبت أن تلك حسبة خاطئة.

في يوم السبت 13 أبريل اتخذ بايدن كرسيه على رأس طاولة غرفة العمليات. كان قد رجع للتو من بيته في ريبوث بيتش بديلاوير ومن تحت سترته كان في قميصه زران محلولان.

كنت في البيت الأبيض منذ وقت مبكر من الصباح للمساعدة في تنسيق دفاع إسرائيل مع بلاد أخرى في المنطقة. بدأت الضربة الإيرانية قرابة الثالثة والنصف عصرا بمئتي مسيرة أعقبها بعد تسعين دقيقة ثلاثون من صواريخ كروز. وكل ذلك كان في الجو باتجاه إسرائيل بحلول الوقت الذي وصل فيه بايدن. ولم تكن الصواريخ البالستية قد أطلقت بعد.

كان وقت طيران المسيرات من إيران إلى إسرائيل ثلاث ساعات، وصواريخ كروز تستغرق قرابة نصف الوقت، والصواريخ البالستية تستغرق قرابة ثلاث عشرة دقيقة.

وكان ترتيب إيران للإطلاق يضمن وصول جميع الضربات والتقاءها فوق إسرائيل في لحظة واحدة؛ بهدف الطغيان على الدفاعات الجوية الإسرائيلية والسماح للصواريخ البالستية ذات الحمولة الثقيلة بإصابة أهدافها.

كانت طهران قد بعثت رسالة تحذير، في وقت مبكر من ذلك اليوم، بأنه في حال تقديم الولايات المتحدة مساعدة لإسرائيل، فإنها لن تستطيع الاستمرار في كبح ميلشيات العراق وسوريا التي كانت قد توقفت عن إطلاق النار على الأفراد الأمريكيين منذ ضرباتنا الجوية في فبراير.

في الوقت نفسه، كان هيرتزوج وزيلبرمان قد زارا مكتبي لمراجعة رد إسرائيل المحتمل على الضربة الإيرانية. قال زيلبرمان إنه إذا ما قتلت إيران إسرائيليين فإنها لا تعرف ما الذي سيحدث، وهوت قبضته الضخمة على مكتبي.

كان الجالسون في غرفة العمليات هم بايدن وأوستن وبلينكن وسوليفان ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال سي كي براون وعدد آخر من كبار المستشارين. وظهرت هاريس في بث متلفز من لوس أنجلوس، وكان الجنرال إريك كوريلا المشرف على عمليات الولايات المتحدة حاضرا عبر الفيديو من مقره في تامبا بفلوريدا.

سأل بايدن عن استعدادتنا. وخلال الساعات الست والتسعين السابقة كانت الولايات المتحدة قد زادت دفاعاتها حول إسرائيل، ونشرت أصولا عسكرية وأسرابا مقاتلة، ونسَّقت مع تحالف سريع من بلاد عربية وأوروبية. قال أوستن إن «هذا أفضل ما أمكننا».

سأل بايدن «أين بيبي؟». وكان نتنياهو في مركز قيادة تحت الأرض في إسرائيل حيث خطط أن يتجاوز الهجمة، ثم يحدد كيفية الرد. وضع بيرنز مخططات سيناريوهات محتملة. إذا ما قتلت ضربات إيران إسرائيليين، فسوف تطلق إسرائيل ضربة جوية على إيران. فيؤدي هذا إلى صراع بين دولة ودولة في الشرق الأوسط للمرة الأولى منذ عقود مع احتمال استدراج الولايات المتحدة. قال بايدن إنه لن يسمح بحدوث هذا. وخطر لي أنه قد لا يتاح لنا خيار.

أفاد كوريلا بأن أسرابا جوية أمريكية أسقطت عشرات المسيرات الإيرانية بطيئة الطيران فوق سوريا والعراق والمملكة العربية السعودية، ووصف الأمر بأنه في سهولة صيد الديكة الرومية. كان من أولئك الطيارين المقدم كيفين ميرفي. وقبل أيام كان في منزله بكارولينا الشمالية، حسبما حكى لاحقا لمجلة القوات الجوية والفضائية. ووصل إلى الشرق الأوسط قبل أربع وعشرين ساعة من تحول المنطقة إلى أضخم منطقة قتال جوي منذ الحرب الكورية. أسقط ميرفي وضابط أسلحته الرائد جورج ويلتن وبقية السرب أكثر من عشرين طائرة. وكان صد تلك الدفعة الأولى مهما لادخار الدفاعات الجوية الأساسية للضربة الصاروخية البالستية.

قال أوستن إن «الصواريخ البالستية قد تكون التحدي». فصواريخ إيران البالستية قد تهبط بسرعة خمسة آلاف ميل في الساعة، مصيبة الأهداف بدقة مع حملها رؤوسا حربية زنة الواحد منها ألف رطل.

وبرغم أن الدفاعات الجوية الأمريكية والإسرائيلية هي الأفضل في العالم، فإذا أطلقت إيران قدرا كافيا من الصواريخ، فمن المؤكد تقريبا أن بعضها سوف يصل إلى أهدافه.

في شرق المتوسط تأهبت المدمرات الأمريكية بالتنسيق مع الدفاعات الإسرائيلية الأرضية. وكانت بطاريات صواريخ باتريوت المضادة للصواريخ التابعة للولايات المتحدة متمركزة في أنحاء الشرق الأوسط، من العراق إلى الأردن، تمسح السماء بحثا عن أهداف».

سأل بايدن «ما أسوأ سيناريو لديكم؟»، ولم يكن أحد يعلم على وجه اليقين كم صاروخا قد يطلقه الإيرانيون دفعة واحدة. وكان المعتقد أن أسوأ السيناريوهات المحتملة هو إطلاق خمسين صاروخا معا أو أكثر.

قال بايدن «إذن ننتظر وحسب؟» وأطرقت الرؤوس.

وفجأة ظهرت على الشاشة المواجهة لي خطوط صفراء تتصاعد من إيران. فتح كوريلا الميكروفون الخاص به وقال «سيدي الرئيس، سيدي الوزير، تأكد لنا إطلاق صواريخ بالستية، ثلاثون إطلاقا من واقع المسارات». قال أوستن «بوسعنا التعامل مع ثلاثين».

ارتفعت الخطوط من أنحاء إيران، وازدادت سرعة مع اقترابها من حافة الغلاف الجوي. وقال كوريلا بعد لحظات: «ثلاثون إطلاقا آخر».

سأل بايدن «ثلاثون إطلاقا جديدا؟» أكد كوريلا وجود ستين صاروخا في الجو. وارتفع المزيد من الخطوط الصفراء من إيران مع انعطاف الموجة الأولى أفقيا فوق العراق باتجاه أهدافها في إسرائيل.

قال أوستن «هذا تحد».

قال كوريلا: «بعد ست دقائق تشتبك الدفاعات». لم أشعر قط بقلة حيلة مثل التي شعرت بها في تلك الغرفة، وهي مركز قيادة أقوى بلد على وجه الأرض. كنت أعرف أي الصواريخ الاعتراضية سنطلقها أولا، وأعرف الدعم في حال فشلها، وأعرف كل شيء موشك. ولكنني للمرة الأولى على الإطلاق، حنيت رأسي، وأنا جالس إلى تلك الطاولة، وصليت. ازدادت الخطوط الصفراء المتصاعدة من خريطة إيران الرقمية.

أكد كوريلا موجة ثالثة. تسعون صاروخا صارت الآن في الجو، في ثلاث موجات. قال: «سوف أهبط لتنسيق الدفاع».

قال بايدن «تسعون؟» وبعد لحظات ازدادت الخطوط. لم أصدق عيني. أكد كوريلا موجة رابعة. كان أكثر من مئة صاروخ يتجه إذ ذاك إلى إسرائيل، ولم يفه أحد بكلمة. وبدا أن كثيرين مثلي يصلّون في صمت.

قبل وصول الصواريخ بأربع دقائق إلى نطاق دفاعاتنا، حل على الغرفة هدوء تام حتى سُمع طنين الساعة الرقمية على الجدار. ثم ظهرت خطوط من الجانب الآخر من الشاشة، وهذه خطوط إطلاق الصواريخ الاعتراضية من إسرائيل ومن مدمراتنا في البحر، وصواريخ باتريوت من أماكن أخرى. بلغت سرعة صواريخ آرو الإسرائيلية 9 ماخ، أي أكثر من ميل في الثانية. وأطلقت المدمرات الأمريكية صواريخ إس إم-3 الاعتراضية التي كانت أسرع منها، ووصلت إلى الصواريخ القادمة فوق الغلاف الجوي في غضون عشرات الثواني.

كانت شاشات الجدران الثلاثة ترصد مئات الصواريخ والصواريخ الاعتراضية المتقاربة كأنها لعبة فيديو يشارك فيها أكثر من لاعب. لم يبد الأمر حقيقيا. وفجأة، انفجرت ومضات بيض في الشاشات؛ إذ كانت الأقمار الصناعية تلتقط صورا للصواريخ الاعتراضية، وهي تنفجر على ارتفاع ستين ميلا من سطح الأرض.

قال كوريلا مقرًّا ما نراه: «الدفاعات اشتبكت». وبات الشرق الأوسط كله من إسرائيل إلى لبنان وسوريا والأردن مكسوا بانفجارات بيضاء كأنها أضواء نهاية العالم.

من نافذة قمرة القيادة على بعد ستة آلاف ميل من البيت الأبيض، رأى ميرفي إطلاق الصواريخ الاعتراضية للاشتباك مع الصواريخ فوقه. وامتلأت الجهات جميعا بانفجارات هائلة، ثم بحطام يهوي حول طائرته. حكى بعد ذلك قائلا إن «من يطير وسط ذلك، يفكر بسرعة، ويصلي، ويستمر في المسار الذي هو فيه».

سأل بايدن «ماذا عن التأثيرات؟» فقال كوريلا إن التقارير في الطريق. أضاف براون: «لن نعرف هذا على الفور».

انفتح الباب. وقدم ضابط الحراسة رسالة من نات سوانسون، كبير المستشارين عندي لشؤون إيران. كانت رسالة من الإيرانيين تقول إن الموجود في الجو الآن هو نهاية الهجمة، لكنهم سوف يطلقون موجة أكبر لو ردت إسرائيل. قرأت الرسالة على بايدن، فأطرق. كان قدر هائل من المعلومات يأتي في اللحظة نفسها.

صفت الشاشة شيئا فشيئا، فالصواريخ وصلت إلى أهدافها أو تم اعتراضها. ولم يبق من شيء يشير إلى ما جرى على الأرض.

قال أوستن «تقرير يا إريك». رد كوريلا بأنه ليست لدينا تقارير بتأثيرات مؤكدة على إسرائيل. يبدو أن الدفاعات نجحت.

عاد كثير من الحاضرين في غرفة العمليات يسترخون في كراسيهم وهم يتنفسون الصعداء. وقال أحدهم «الحمد لله». بقيت على توتري. نبّه أوستن إلى «أننا لن نعرف الآن على وجه اليقين». قال كوريلا مجددا «الإسرائيليون يؤكدون أنه ما من تأثيرات ذات شأن».

قال أوستن في هدوء «جيد جدا ما لم تطلق إيران المزيد». قلت «يزعمون أنهم لن يفعلوا». أومأ بايدن لسوليفان «اتصل ببيبي». سألته: «ما الذي تريد أن تقوله له؟».

«إني أنقذته، هذا هو الأمر. انتهينا».

أضاف سوليفان «استغل الفوز». وخارج الغرفة تواصلت مع الإسرائيليين في مخبئهم. طلب نتنياهو مهلة ثلاثين دقيقة قبل أن يتلقى الاتصال، فزاد ذلك بايدن غضبا.

قال بايدن «هل يعرف أننا أنقذناه للتو؟». كانت هذه أول مرة يقاتل فيها الجيش الأمريكي ـ بل الجيش الأمريكي وتحالف من بلاد أوروبية وعربية ـ دفاعا عن إسرائيل. ولم يغب ذلك عن بايدن. وصار السؤال المهم هو كيفية استغلال هذا. اقترح سوليفان أن نستغل الوقت في صياغة ما سيقوله بايدن لنتنياهو.

قال الرئيس «هيا، أسرعوا».

مضى نائب مستشار الأمن الوطني جون فاينر معي أنا وسوليفان إلى مكتبه فتكدسنا خلف طاولة بينما مضى يرقم نقاط الحديث. اخترنا للرسالة الجوهرية جملة سوليفان، أي «استغل الفوز» بدلا من جملة بايدن «لقد أنقذناك». وأوصينا أن يطلب الرئيس من إسرائيل الرد بطريقة تؤدي إلى خسائر قليلة وتستهدف إنهاء تبادل إطلاق النار المباشر، ثم انتقلنا إلى صفقة الرهائن.

استعد نتنياهو للمكالمة، ورجعنا إلى غرفة العمليات، فأعطينا لبايدن المسودة. قرأها بصوت عال، وأدخل قليلا من التعديلات، وقال «صلوني به».

جاء صوت نتنياهو عبر مكبرات الصوت «هاي يا جو، أي ليلة لدينا هنا».

«يبدو من صوتك أنك بخير يا بيبي». وبحلول هذا الوقت لم يكن تأكد غير إصابة واحدة لفتاة صغيرة أصيبت بشظية ساقطة في جنوبي إسرائيل.

«لا زلت أتلقى التقارير، لكن نعم، الخبر الجيد هو أن الدفاعات نجحت».

«دفاعاتنا يا بيبي...»

«لقد عملنا معا يا جو، جيشانا وفريقانا. هذا حدث تاريخي. لا يصدق، تحالف جيشين. أعرف. لكن يا جو، الدرس المستفاد هو أن أولئك المجانين مستعدون لإطلاق مئات الصواريخ على إسرائيل، هذا لم يحدث من قبل، في أي مكان».

ضغط عليه بايدن قائلا إن الدرس المستفاد هو أن إسرائيل بحاجة إلى الولايات المتحدة.

قال نتنياهو «ضد أولئك المجانين، وهم أعداء لكم أيضا».

قال بايدن فجأة «استغل الفوز». وأوضح أن إسرائيل لها كل الحق في الرد، لكن لا بد من تحديد الرد معنا وتخطيطه بحيث يكون رادعا لا تصعيديا. استغرق من الوقت ما يكفيك، لكي تحسن الأمر.

لم يلتزم نتنياهو بشيء. كان لا بد أن يرى في وضح النهار ما حدث لإسرائيل. قال «إننا ينبغي أن نلقن أولئك المجانين درسا».

عاود بايدن الضغط من أجل استغلال الفوز والعمل معنا على الرد. فقال: إن فريقنا العسكري سوف ينسق مع نتنياهو.

قال نتنياهو «فليتناقش الفريقان». واتفقا على الحديث قريبا، وانتهت المكالمة. التفت إلينا بايدن رافعا راحتيه طالبا آراءنا.

قال سوليفان «لقد سمعك»، وقال: أوستن إنه سوف يعمل مع الإسرائيليين على الرد. كانت الساعة تقترب من العاشرة مساء، ومن بعدها ليلة طويلة.

وسرعان ما تلقينا رسالة أخرى من إيران، تحذرنا فيها من دعم إسرائيل. ثم رسالة علنية من بعثة إيران في الأمم المتحدة بنيويورك: «على الولايات المتحدة أن تبقى بعيدة». وخطر لي أن طهران للمرة الأولى منذ السابع من أكتوبر تبدو قلقة.

في الصباح التالي تحدث بايدن إلى الطيارين والقادة الجويين المسؤولين عن الدفاع، ومنهم سرب ميرفي وويلتن، فأعرب عن امتنانه لما فعلوه بوصفه القائد الأعلى. فقال أحد الطيارين إن «هذا ما نتدرب من أجل القيام به يا سيدي».

قال بايدن «لا أعتقد أنكم تدربتم على مثل ما رأيتموه ليلة أمس. فهذا شيء لا مثيل له. والسبب الوحيد لعدم كوننا الآن في حرب كبيرة هو ما فعلتموه أنتم. وأعني ما أقوله أيها الرجال. شكرا لكم، شكرا لكم، شكرا لكم. لقد أنقذتم العالم، وأعني ما أقول، فليبارككم الرب».

بريت مكجيرك شغل منصب مستشار الأمن القومي مع الرئيس جورج دبليو بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب وجو بايدن. وهذا المقال مقتبس من كتابه الجديد (الحافة: في سباق تحرير رهائن السابع من أكتوبر).

عن مجلة الأتلانتيك