لندن "د.ب.أ": اندلع الصراع مجددا في إقليم تيجراي بشمال إثيوبيا، يوم 23 سبتمبر عندما اقتحمت قوات "جبهة تحرير شعب تيجراي" ثلاثة مطارات وطنية في الإقليم. كما اتسعت العمليات الهجومية البرية على طول الحدود الجنوبية والشرقية لتيجراي مع إقليمي أمهرة وعفار المجاورين، وهو ما وصفته الجبهة بأنه "قتال دفاعي". وتمكنت الجبهة وحلفاؤها من السيطرة على أجزاء من عفار، لكنها خسرت عدة مناطق رئيسية في جنوب تيجراي، وبينها مدينة ألاماتا.
وحاليا، تتقدم قوات الحكومة الفيدرالية الإثيوبية و"قوات تيجراي للسلام" المتحالفة معها باتجاه ميكيلي، عاصمة تيجراي. وفي الوقت نفسه، أدت التقارير عن ضربات بطائرات مسيرة في أديس أبابا، وكذلك على قواعد جوية خاضعة لسيطرة الحكومة، إلى تغيير طبيعة الحرب.
ويقول المحللان، أحمد سليمان، وهو باحث أول في برنامج أفريقيا بـالمعهد الملكي للشؤون الدولية" البريطاني (تشاتام هاوس)، في بريطانيا، والدكتور أبيل أباتي ديميسي، وهو باحث مشارك في البرنامج، إن الصراع في تيجراي ينطوي هذه المرة على خطر يتمثل في امتداد الأعمال القتالية إلى إريتريا والسودان.


التمهيد البطيء لتجدد الصراع
ويشير الاثنان في تحليل نشرته "تشاتام هاوس"، إلى أن خطر تجدد الأعمال القتالية في تيجراي كان واضحا منذ فترة، "في ظل التدهور المطرد للعلاقات بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيجراي". وكان عدم البناء على اتفاق بريتوريا، وهو اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى الحرب في عام 2022، "يرجع إلى حد كبير إلى استمرار النهج القائم على مبدأ -صفرية المكاسب- من جانب الطرفين، فضلا عن ضعف التنفيذ والرقابة.
وانهار الاتفاق فعليا في أيار الماضي، عندما أعادت الجبهة تشكيل مجلسها التشريعي السابق للحرب، وعينت رئيسه، ديبريتسيون جبرميكائيل، رئيساً للإقليم. وجاءت إقالة الرئيس المؤقت، الجنرال تاديسي ويريدي، الرئيس السابق لقوات دفاع تيجري، بعد الإطاحة بسلفه جيتاتشو ريدا في أواخر عام 2024.
وتنظر الجبهة إلى التصعيد الأخير باعتباره عودة إلى حرب شاملة. وإلى حد ما، "دُفعت الجبهة إلى الرد في ظل استمرار احتواء تيجراي، وعدم تنفيذ اتفاق بريتوريا أو إنشاء أي آلية لتسوية النزاعات، وغياب الحوافز التي تشجع قيادتها على العودة إلى الصف الفيدرالي، وتراجع شرعيتها في الإقليم، فضلا عن الضربات الأخيرة بطائرات مسيرة التي شنتها الحكومة في المنطقة".
وعلى خلاف ما حدث خلال حرب 2020-2022، أصبحت حكومة أديس أبابا أكثر حذرا وحسابا في تحركاتها وكذلك في رسائلها العلنية، وتصور الجبهة على أنها "إدارة متمردة تتواطأ مع حركات تمرد داخلية وأطراف خارجية لتهديد وحدة أراضي إثيوبيا وبقاء الحكومة نفسها".
والسؤال الرئيسي الذي يثيره التحليل هو ما إذا كانت الحكومة ستسعى إلى احتواء الصراع داخل تيجراي وأجزاء أخرى من شمال إثيوبيا، أم ستعتبر من الضروري اللجوء إلى خيارات أكثر جرأة، "وقد يتمثل أحد هذه الخيارات في استهداف إريتريا، التي تعتقد أديس أبابا أنها تدعم حركات مناهضة للحكومة، وهو ما نفته إريتريا مرارا".
وفي رسالة حملت فيها إثيوبيا جارتها الشمالية المسؤولية، أغلقت أديس أبابا سفارتها في إريتريا وطردت دبلوماسيين إريتريين. والآن، يتوقف الكثير إلى حد كبير على كيفية تطور الصراع.
انقسامات داخلية في تيجراي وتحالف معارض جديد
وبحسب التحليل، ضعفت سيطرة جبهة تحرير شعب تيجراي على مجتمع الإقليم بصورة كبيرة. "فمنذ انتهاء الحرب في عام 2022، واجهت الجبهة احتجاجات بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، ومنافسة متزايدة من أحزاب منافسة، وانشقاقات من جانب أعضاء بارزين".
وخلال الشهور الأخيرة، لجأت سلطات تيجراي إلى التجنيد القسري للشبان في قوات الدفاع، كما شنت حملة على حرية التعبير. وبالنسبة لسكان تيجراي، "يبدو الوضع الإنساني القاسي مرشحا لمزيد من التدهور... كما تشهد الجبهة نفسها انقسامات عميقة. فمنذ بدء الهجوم العسكري، وردت تقارير عن اعتقال مسؤولين كبار في الجبهة أو انشقاقهم وانضمامهم إلى أديس أبابا."
وقبل أيام من استئناف القتال، أعلنت الجبهة وست جماعات مسلحة معارضة إقليمية أخرى تشكيل ائتلاف أطلق عليه اسم "تحالف البقاء"، يتمثل هدفه المشترك في الإطاحة برئيس الوزراء أبي أحمد وحزب الازدهار الذي يتزعمه، وتشكيل حكومة انتقالية.
ولكن ليس من الواضح حتى الآن أن هذا التحالف التكتيكي الهش، الذي يضم جماعات بينها توترات لم تُحسم ورؤى مختلفة تمام الاختلاف لمستقبل إثيوبيا، سوف يفضي إلى تعاون فعلي.
خطر امتداد الصراع إلى المنطقة
لا تأتي المعارضة للحكومة الإثيوبية من داخل البلاد وحدها، بل تمتد إلى خارج الحدود، ويتردد أن "تسيمدو" وهو تحالف عابر للحدود يربط بين جبهة تحرير شعب تيجراي والحكومة الإريترية والقوات المسلحة السودانية.
وتقيم جبهة تحرير شعب تيجراي تحالفا صامتا مع خصمها السابق، إريتريا، مع تأمين خطوط الإمداد بشكل رئيسي عبر الحدود الشمالية لتيجراي. لكن الأولوية بالنسبة لإريتريا هي إبقاء الحرب بعيدا عن أراضيها، فيما يزيد دعمها المزعوم لجماعات المعارضة خطورة حدوث تصعيد إقليمي أكبر، خاصة وسط تطلع إثيوبيا إلى السيطرة على ميناء عصب الإريتري على البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، "صارت الصراعات في إثيوبيا والسودان أكثر تداخلا، إذ "اتهمت الحكومة الإثيوبية القوات المسلحة السودانية بدعم جبهة تحرير شعب تيجراي، وهو ما نفته الأخيرة، كما تشعر أديس أبابا بقلق متزايد إزاء التقارير عن وجود مقاتلين من تيجراي إلى جانب القوات المسلحة السودانية في شرق السودان".
وتخشى إثيوبيا أن تقوم القوات المسلحة السودانية، بالتعاون مع إريتريا، بتعزيز قوات جبهة تحرير شعب تيجراي عبر الحدود السودانية، بما في ذلك قرب مواقع استراتيجية مثل سد النهضة الإثيوبي الكبير.
وفي المقابل، اتهم السودان إثيوبيا بتقديم الدعم لقوات الدعم السريع، والحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال. خيارات محدودة لخفض التصعيد
ويرى سيلمان وديميسي أن المشهد الخاص بالوساطة يختلف كثيرا عما كان عليه في عام 2022، فقد انتقد المجتمع الدولي جبهة تحرير شعب تيجراي بسبب خطواتها التصعيدية، ودعا إلى العودة للمحادثات التي تقودها مفوضية الاتحاد الأفريقي.
ولم يُفضِ اتفاق بريتوريا إلى التسوية السياسية الأوسع اللازمة لتحقيق سلام مستدام، "ويبدو الآن أن الاتفاق لم يعد قابلا للاستمرار بالنسبة لأي من الطرفين. كما شككت جبهة تحرير شعب تيجراي مرارا في مصداقية جهود الوساطة الوحيدة القائمة تحت مظلة الاتحاد الأفريقي.
وفي ختام التحليل، يقول المحللان سليمان وديميسي إن التوصل لحل مستدام للصراع يبدو بعيد المنال "في ظل تصاعد الخصومات الإقليمية، وغياب اهتمام أمريكي أو غربي أوسع بتقديم الدعم الكامل للاتحاد الأفريقي بالموارد والنفوذ اللازمين لإنشاء منصة قابلة للاستمرار.
ويرجح الاثنان استمرار الصراع لبعض الوقت، ولكن "يكمن خطر التقاعس الدبلوماسي في أن تؤدي حرب طويلة الأمد في تيجراي إلى امتداد الصراع خارج إثيوبيا، إلى إريتريا ومنها إلى السودان. "وعلى صانعي السياسات إيجاد وسيلة لاتخاذ إجراء جماعي يحول دون حدوث مثل هذا التصعيد الإقليمي الخطير".