في العديد من التجارب السينمائية، كان هنالك خيط رفيع يفصل ما بين السيرة الذاتية وعالم الشخصيات الإشكالية أو التي بسبب سوء سلوكها وإجرامها أثرت على المجتمع الأمريكي برمته أو على شرائح منه وهذا ينطبق على سير شخصيات إجرامية ضرب إجرامها المجتمع الأمريكي وتم تجسيدها في أفلام سينمائية، ومن ذلك فيلم الولد الأبيض ريك -2018 عن المجرم ريتشارد ريشر وفيلم انفجار – 2001 عن المجرم جورج جانغ وفيلم الوحش – 2003 عن قصة المجرم إيلن وورنوس، وفيلم ايرشمان – 2019 عن قصة المجرم فرانك شيران، وفيلم اقبض عليّ إن استطعت – 2001 عن قصة المجرم فرنك ابانغيل، وفيلم البلطجي الأمريكي – 2007 عن قصة المجرم فرانك لوكاس، وفيلم بوني وكلايد -1967 عن قصة هاتين الشخصيتين الإجراميتين بوني وكلايد، وفيلم دوني براسكو 1997 عن سيرة جوزيف بيستون، وفيلم غوفيلاس – 1999 عن قصة المجرم هنري هيل وغيرها من الأفلام.
هذا الفيلم للمخرج الدنماركي " يانوس بيدرسن" يقدم سيرة ذاتية حافلة وشديدة التعقيد عن تيد كازينسكي - يقوم بالدور الممثل جيكوب تريمبلاي، وهو الذي روّع المجتمع الأمريكي لحوالي عقدين من الزمن وكانت قصته هي قصة أطول مطاردة في تاريخ الولايات المتحدة امتدت من عام 1978 وحتى عام 1997 خلالها كانت الطرود البريدية قد تحولت الى كابوس مخيف بحيث لم يغد الناس يجرؤون على فتح تلك الطرود المرسلة إليهم وذلك بسبب قيام مجرم مجهول بصناعة قنابل بدائية الصنع ووضعها في طرود مرسلة الى مفكرين وعلماء وعاملين في قطاع التكنولوجيا وأساتذة جامعات.
ويتجه كتاب السيناريو والمخرج الى معالجة عميقة ومؤثرة لشخصية كازينكسي ذلك الشاب الطموح متقد الذهن الذي يريد أن يوجه تفكيره وقدراته لدراسة الفلسفة وعلم النفس وما شابه من حقول لكن إصرار والده على التخصص في العلوم الصرفة ومنها الرياضيات كان قد عقد الأمر بالنسبة للفتى وجعله رافضا متمردا حتى يجد نفسه في عالم المحاضرات القيمة التي يلقيها البروفيسور موراي – يقوم بالدور الممثل الكبير راسل كراو وهو الذي يعنى بشكل خاص برواية " موبي ديك" للروائي الشهير هيرمان ميلفيل والصادرة في عام 1851 والتي تدور أحداثها من خلال الصراع بين حوت وإنسان ليجعل البروفيسور من ذلك الصراع رمزا لصراعات الإنسان عموما مع القوى الضاغطة والتدميرية والاستبدادية.
يتزامن كل ذلك مع مرحلة حساسة من حياة ذلك الشاب المرهف الحس ومفرط الذكاء عندما يثور على والده متحديا ورافضا منطق الإذعان ومعلنا تأثره الشديد بالبروفيسور موراي وليتسجل عنده في قسم خاص يعطي محاضرات لنخبة من الطلبة يختار من بينهم كازنسيكي ليدخل في سلسلة اختبارات كلها تقريبا استفزازية وغايتها الكشف عن القدرات والدوافع الانفعالية التي تسيطر على ذلك الشاب والتي كانت تسطر من خلال الرسوم البيانية كتلك التي تظهر في عمليات تخطيط القلب وأجهزة كشف الكذب.
وبذلك مزج الفيلم ببراعة ملفتة للنظر ما بين البناء النفسي والتراجيديا المريرة وبين الببليوغرافيا، وغاص في صراعات ذاتية وموضوعية ما لبثت أن تفاعلت لتنتج لنا شخصية سايكوباثية خطيرة من خلال كازينسكي الذي سوف يكتشف لاحقا أن إعجاب البروفيسور به وترشيحه لمحاضراته لم يكن بسبب نبوغه فقط بل لأنه عينة وفأر تجارب لصالح المخابرات المركزية الأمريكية لدراسة الثبات الانفعالي وتأثيرات الحرب النفسية والحملات الدعائية على شخصيات الجنود الذين تم زجهم في الحرب الكورية آنذاك. كل ذلك سوف يدفع ذلك الشاب الى التمرد واعتزال العالم كله والعيش في الغابة ومن هناك كان يصنع قنابل قذرة للانتقام من المجتمع والسلطة التي خدعته واستخدمته للوصول الى أهدافها.
حظي الفيلم باهتمام نقدي ملحوظ رغم انه قد بدأ عرضه في الولايات المتحدة وأوروبا مؤخرا ولم يمض على بدء عرضه شهر واحد.
وفي هذا الصدد كتب الناقد "روبرت دانييلز" في موقع روجر إيبيرت" قائلا: " يقدّم الفيلم صورة قاتمة ومبتذلة لكازينسكي- الذي روّع المجتمع الأمريكي لسنوات، فيقدّم مزيجاً يجمع بين دراما الجريمة الواقعية وكليشيهات أفلام السيرة الذاتية التقليدية. ورغم أن الفيلم يهدف إلى إضفاء عمق نفسي على نشأة هذا الإرهابي المحلي، إلا أنه لا شيء يدفع الفيلم للأمام سوى الأداء اللافت للنظر، الذي قدمه كل من "كراو" بأدائه الماكر و"ترمبلي" بأدائه المتقلب انفعالياً؛ لقد ارتقى كلا الممثلين فوق القيود الخانقة للتصوير السينمائي الضبابي للفيلم ليقدما لحظات مثيرة للاهتمام حقاً، ولا سيما في مشهد المواجهة الكلامية الحاسمة بينهما؛ فرغم أن مسار المشهد كان متوقعاً، إلا أن الأداء التمثيلي فيه كان مؤثراً للغاية".
وأما الناقد "جيفري يبرتلسين" فقد كتب مقالا في موقع أم جيفريكس: "
يتنقل الفيلم بين حقبتين زمنيتين تتمحوران -كلٌ بطريقته الخاصة- حول قصة تيد كازينسكي، ويمكن القول إن الفيلم ينقسم إلى شقين متفاوتي المستوى؛ إذ جاء الجزء الذي تدور أحداثه عام 1958 أكثر نجاحاً وإقناعاً بكثير من ذلك الذي يغطي منتصف التسعينيات. ففي أحداث عام 1958، تتسم تجارب المناظرات بالإثارة والتشويق، ويقدم "راسل كرو" أداءً طاغياً يخطف الأنظار؛ إذ يضفي هذا النجم الأسطوري ثقلاً ووقاراً على العمل، ويحافظ دائماً على جذب انتباه المشاهد. ومع ذلك، كانت هناك لحظات -لا سيما في المشاهد الأولى- لم يرقَ فيها أداء تريمبلاي إلى المستوى المأمول".
اعتمد المخرج وكاتب السيناريو أسلوبا متميزا في الانتقالات بين الأزمنة والأحداث فهو إذ يتنقل بين محطات في حياة تيد ونزعاته الإشكالية وفشله في العلاقات الاجتماعية وبعد شعوره المبالغ فيه بالاضطهاد يبدأ أولا بخداع أستاذه وقدوته الذي لم يعد قدوة، وسيبدأ بإرسال رسائل وهمية من مفكرين وأساتذة جامعات مرموقين لا لشيء سوى الانتقام من البروفيسور وإيذائه نفسيا وهو ما سوف يكتشفه لاحقا بأن الرسائل التي كانت تصله لم تكن إلا من فبركات تيد الذي صار له اسم حركي لدى المباحث الفيدرالية خلاصته UNABOM وهو يدل على شخصية مفجر القنابل الذي يستهدف الجامعات وخطوط الطيران.
على الجانب الآخر هنالك المؤسسة الأمنية البيروقراطية المتحكمة في اتخاذ القرار، حيث تولت الضابطة جوان ميللر – تقوم بالدور الممثلة شيلن وودلي، ملاحقة الشبح الذي روّع الولايات المتحدة لسنوات بل إنها تذهب الى ما هو أبعد وذلك بتتبعها خيوطاً ومعلومات كانت قد أثارت فضولها لكنها تتعرض للتوبيخ بسبب اندفاعها وفرضياتها التي يراها مديرها بأنها غير واقعية ومع ذلك لن تتوقف تلك المحققة حتى عثورها على إنسان منعزل عن العالم الخارجي، يعيش في كوخ في الغابة ومن هناك يصنّع قنابله البدائية التي يرسلها لأعدائه حتى لحظة القبض عليه.
...........
إخراج: يانوس بيدرسنسينااريو: سام تشالسين، نيسلسون غريفستمثيل: راسل كراو، جاكوب تريمبلاي، أنابيل واليس، شيلين وودلي، اليكسندر لودفيغ
مدير التصوير: إيف بيلانغرموسيقى: ماركو بيلترامي العرض الأول في الولايات المتحدة وأوروبا: 25 سبتمبر 2026