ترجمة: أحمد شافعي
لم يكن وقت طويل قد مضى على هجمة حماس في السابع من أكتوبر على إسرائيل حينما طلب الرئيس بايدن مني المساعدة في قيادة مفاوضات من أجل صفقة لوقف إطلاق النار وتحرير الرهائن. وبعد شيء من التقدم الأولي، تجمدت المحادثات، مع استعار القتال في غزة. وفي 21 فبراير 2024، ذهبت إلى القاهرة لاستئناف المحادثات محملا بمقترح جديد.
يقع مقر المخابرات العامة المصرية في شمالي القاهرة محاطا بشوارع ظليلة، ومن وراء بواباته ينبض قلب الدولة الأمنية المصرية الهائلة. كان عباس كامل، رئيس جهاز المخابرات منذ 2018 حتى 2024 من أقوى الشخصيات نفوذا في البلد، برغم أنه غير معروف كثيرا. هو رجل متحفظ، في الستينيات من عمره، سبق له العمل في المخابرات العسكرية مع عبد الفتاح السيسي، رئيس مصر الحالي، وبقي الاثنان مقربين منذ ذلك الحين.
وكان كامل أيضا ركنا أساسيا في جهود إيقاف الحرب في غزة من خلال صفقة الرهائن، إذ حافظ جهاز المخابرات التابع له على قنوات مباشرة مع قادة حماس في غزة.
أشعل كامل سيجارته الثالثة وهو جالس بجواري في مكتبه وأشار إلى مساعده أحمد عبدالخالق لإدخال الإسرائيليين، قائلا «الآن». فخرج عبد الخالق من الباب قابضا على ملف لا يفارقه.
بدا كامل المضطجع في كرسيه كمن نفد صبره، وقد بدأ يتبين لنا أن حمل حماس على صفقة الرهائن أمر محال. لكن السجائر كانت تهدئه، بتفاصيل إشعالها، والنهل من دخانها. استرخى في كرسيه، ومضت عيناه تتابعان غيمة الدخان المتصاعدة إلى مروحة السقف، ثم اعتدل وعلى وجهه شبح ابتسامة، أو طيف فكرة جديدة.
ووقع في نفسي أن الوقت حان لأن أشرع في التدخين.
كنا قبل ثلاثة أشهر فقط قد جلسنا أنا وكامل في هذه الغرفة نفسها وساعدنا في إنهاء أول صفقة لوقف إطلاق النار في هذه الحرب. وعلى مدى سبعة أيام في نوفمبر، توقف القتال. وتحرر أكثر من مائة رهينة ـ قوامهم نساء وأطفال وأيضا رضّع وجدات ـ في مقابل مئات الأسرى الفلسطينيين المحبوسين في إسرائيل. ومع صمت البنادق، تدفقت المساعدات الإنسانية على غزة لمن كانوا بحاجة إليها في القطاع.
وانهارت الصفقة حينما رفضت حماس في اللحظة الأخيرة إطلاق سراح من كان في حوزتها من نساء صغيرات السن. إذ اقترحت حماس أن نتجاوزهن ونبدأ في مناقشة أمر الرجال المسنين، في انتهاك صارخ للصفقة التي وضعناها معا على مدى أسابيع من المفاوضات.
ورفضت إسرائيل. وبعد منتصف ليل الأول من ديسمبر 2023 في واشنطن ـ أي في ساعات الصباح المبكرة في غزة ـ استأنفت حماس إطلاق الصواريخ على إسرائيل، واستأنفت إسرائيل الغارات الجوية. استؤنفت الحرب.
في ذلك الوقت كنت أتصور أننا نجحنا في التوصل إلى صفقة أخرى، تشمل على الأقل من بقين من النساء والرجال المسنين ومنهم مواطن أمريكي.
لكن حماس تشبثت في مطالبها القصوى، ومنها الرجوع إلى وضع السادس من أكتوبر مع بقائها في السلطة في غزة على الحدود مع إسرائيل. وبعد مجازر السابع من أكتوبر التي قتلت حماس فيها أكثر من ألف وأسرت مئتين وخمسين، ما كان لقائد إسرائيلي أن يقبل هذه النتيجة.
ناهيكم بأن يكون القائد هو بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل المتشدد الذي جعل من أهداف الحرب إبعاد حماس عن السلطة نهائيا. وكان مرتبا أن أقابله بعد وقت قصير من لقاء كامل.
توقفت محادثاتنا أكثر مع تصعيد إيران هجماتها على الأمريكيين. ففي العراق وسوريا، كانت القوات الأمريكية تتعرض للنيران بصورة شبه يومية من ميلشيات مدعومة من إيران. وكانت هذه الهجمات قد تزايدت منذ السابع من أكتوبر فبلغت سبعة أمثال ما كانت عليه في العام السابق، وكان الضربات تستهدف القتل.
وفي يوم الكريسماس، أصيب ثلاثة أمريكيين في غارة على شمالي العراق، ومنهم واحد كانت إصاباته خطيرة. وبعد أيام، قامت جماعة الحوثيين الوكيلة لإيران في اليمن، والمدعومة منها، بإطلاق النار على سفن في البحر الأحمر منها سفن عسكرية أمريكية، وباتت المنطقة على شفا حرب أكبر.
طلب مني الرئيس بايدن أن أقابل الإيرانيين في سلطنة عمان، لإعادة تنشيط قناة خلفية كانت تستعمل في بعض الأوقات قبل أزمة السابع من أكتوبر. وفي اليوم السابق للقائي، أطلق الحوثيون أضخم هجماتهم حتى ذلك الحين، إذ أطلقوا أكثر من عشرين صاروخا وطائرة مسيرة على سفن عسكرية أمريكية وإنجليزية.
ولم تجد القناة الخلفية نفعا. في 28 فبراير 2024، بعد أسبوعين من لقائي في عمان، ضربت مسيرة إيرانية المصدر مواقع تقيم فيها القوات الأمريكية في الأردن فقتلت ثلاثة من الجنود الأمريكيين وأصابت العشرات. وأخيرا رأى بايدن أن يرد الضرب فأمر بأكبر موجة من الغارات الجوية على العراق وسوريا منذ أكثر من عقد متضمنة ضربات مستهدفة لقائد الميلشيا المسئول عن هجمة الأردن والمستشار الإيراني في بغداد الذي يساعد الميلشيا التي سقطت بعد ذلك.
وأخيرا رجعنا إلى محادثات الرهائن. وشأن كامل، كان صبري قد بدأ ينفد. كانت الحرب إذ ذاك في شهرها الخامس. وترددت أنباء عن مصرع ثلاثين ألف شخص في غزة منهم مقاتلون. ولقي أكثر من 230 جنديا إسرائيليا مصرعهم، وأصيب قرابة 1500. وظلت حماس تحتجز أكثر من مائة رهينة منهم العديد من المواطنين الأمريكيين.
وثقلت وطأة المجازر علينا جميعا.
قال كامل في أسى «نحن وسيطان يا بريت. فالحرب ليست حربي، ولا حربك، إنما هي حربهم، وهم لا يريدون أن يوقفوها. كلاهما يظن أنه سوف ينتصر».
ونفث الدخان باتجاه السقف قائلا «وهم سيدمروننا، لا أنفسهم وحسب».
ذكّرته أن الحرب يمكن أن تتوقف في الغد بإطلاق سراح ست من الرهائن النساء. وهؤلاء هن اللاتي تجاوزتهن صفقة نوفمبر، وأغلبهن مدنيات تعرضن للاختطاف من مهرجان موسيقي.
قال إنهن سيأتين في النهاية. فحماس تعرف قيمتهن لدى إسرائيل.
أصر كامل على أنه يفعل ما في وسعه، لكننا كنا متوقفين.
رجع عبدالخالق بالوفد الإسرائيلي. كان لعبد الخالق شعر رمادي وقصة شعر عسكرية مثلي، وهو ضابط مخابرات مصري عمل طويلا في ملف حماس وكان في اتصال مباشر مع يحيى السنوار، زعيم حماس في غزة والعقل المدبر للسابع من أكتوبر. وقليل من خارج حماس كانوا أعرف بالمنظمة منه.
كان على رأس الوفد الإسرائيلي رونين بار، حليق الرأس، مربع الفك، وكأنه خارج من مسلسل (فودا) الذي تناول شين بيت، جهاز الأمن الإسرائيلي الذي كان يرأسه. كان بار هو ضابط الاتصال الإسرائيلي الأساسي مع حماس، وأشد المسؤولين الإسرائيليين رغبة في إبرام صفقة. وكان مستعدا للتحايل على توجيهات نتنياهو لا للخروج عليها.
وإظهارا لجديته، حمل بار خرائط لغزة ملفوفة في علب، وحقائب مليئة بأسماء كل سجين فلسطيني لدى إسرائيل، وكذلك معلومات إسرائيل عن الرهائن، ومواقعهم المحتملة وأوضاعهم.
قال بار إن إسرائيل مستعدة لإنهاء تفاصيل تبادل الرهائن بالسجناء وصولا إلى أسماء السجناء الذين ترغب حماس في إطلاق سراحهم. وكان مستعدا كذلك للتفاوض على شروط وقف مرحلي لإطلاق النار، مع سحب القوات الإسرائيلية من غزة إلى مناطق أصغر مع إطلاق حماس سراح المزيد من الرهائن. أما في حال عدم إطلاق سراح أحد، فسوف تتعمق إسرائيل، وقال بار إن «هذه هي الصيغة».
وتحدى كامل أن يقنع حماس بإطلاق سراح ولو واحدة من النساء.
قال كامل «أنا لست حماس» وتراجع بار قائلا إنه لم يقصد إساءة.
أوضح بار وهو يفرد خريطة أمامنا أن إسرائيل تجهز لهجمة عسكرية كبيرة في مدينة رفح بجنوبي قطاع غزة. ستكون أضخم عملية في الحرب حتى الآن.
ورفح متاخمة للحدود المصرية، وهي المكان الذي لم تمس فيه قوة حماس العسكرية، وبقيت على تنظيمها في ألوية وفصائل ووحدات تابعة لها. وكانت شبكة أنفاق عميقة تحت الأرض تصب في المتاهة الرئيسية في الشمال، وتعرف بـ(المملكة).
ورفح أيضا هي التي لاذ بها الكثير من السكان المدنيين هربا من العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في أماكن أخرى بغزة. وقال بار إن الوسيلة الوحيدة لإيقاف هذه العملية المخطط لها هي أن تبدأ حماس في إطلاق الرهائن، وأن تبدأ بالنساء.
قال كامل إن لدى حماس مطالب مضادة. فإسرائيل لا بد أن تنسحب تماما من غزة وتضمن وقفا دائما لإطلاق النار قبل أن تطلق أيا من الرهائن. وأن تبقى حماس وقادتها في السلطة، مع الرجوع إلى وضع السادس من أكتوبر. وفي أثناء ذلك، على إسرائيل أن تطلق سراح جميع الفلسطينيين الموجودين في السجون الإسرائيلية، بغض النظر عن طبيعة الجرائم المرتكبة.
قال كامل إن هذا هو موقف السنوار.
وقال بار «مستحيل». ونظر إليّ متسائلا عن سبب اقتراحي هذا اللقاء، سائلا «ما هذا؟»
وفي المفاوضات التي يستحيل التوفيق فيها بين وجهات النظر، يحاول الوسيط أن يخلق «منطقة اتفاق محتمل». وبين حماس وإسرائيل، لم يكن متبقيا من ذلك شيء.
قلت «فلننظر في نهج آخر».
كنت قد وضعت أنا وبيل بيرنز ـ مدير المخابرات المركزية الأمريكية وشريكي في مفاوضات الرهائن ـ إطارا للتسوية بهدف التغلب على الجمود. وكان يركز ابتداء على المنطقة التي قد يتفق فيها الطرفان: وهي وقف إطلاق النار وإطلاق سراح أعداد ضخمة من السجناء الفلسطينيين في مقابل فئة إنسانية من الرهائن، وتكون البداية بالنساء المتبقيات وكبار السن، ثم المرضى أو الجرحى.
وتلك الفئات كانت تضم أكثر من ثلاثين رهينة، منهم ثلاثة أمريكيين.
كان الحافز لحماس هو وقف طويل لإطلاق النار ـ لا يقل عن ستة أسابيع فهو أطول مما وعد به في مقابل إطلاق سراح النساء فقط. ويمكن أن يستمر طالما استمرت المحادثات حول بقية الرهائن، بما يخلق فرصة لأن يستمر وقف إطلاق النار لعام إضافي.
قال بار إن الجانب الإسرائيلي يمكن أن يقبل هذا الإطار.
أطفأ كامل عقب سيجارته في المطفأة وقال إن «مطالبهم أكبر. وكلاكما يعرف هذا. لن يوافق السنوار...».
قاطعه بار «فاضغط عليهم. اضغط عليهم».
قال كامل «إنني أفعل هذا. فماذا عنك؟ اضغط على نتنياهو».
رفعت ذراعي لأوقف تصايح الرجلين أحدهما على الآخر. فتراجع كامل قائلا «أنا أثق بك يا رونين، أثق بك. لكن ما رأي نتنياهو؟»
أصر بار على أنه يتكلم باسم نتنياهو.
«يجب أن نسمع هذا من رئيس وزرائك».
كان مرتبا أن ألتقي بنتنياهو في اليوم التالي.
قلت على سبيل التنبؤ «سوف يوافق».
قال بار في إصرار «أطلقوا سراح بناتنا، وتتوقف الحرب».
وقفنا وتصافحنا. لم يكن لدى ثلاثتنا خيار إلا العمل معا. طلب كامل من عبدالخالق أن يرافقنا، وقال «سنبذل ما في وسعنا».
هز عبدالخالق كتفيه وقد بدا غير مقتنع، وقال «إن شاء الله، إن شاء الله».
أول ما يراه الزائر في مكتب رئيس الوزراء بالقدس جدار عليه خريطة لأفريقيا والشرق الأوسط وإسرائيل في منتصفها بحجم طابع بريد. حياني نتنياهو أمام الخريطة، ثم توقف مبتسما لالتقاط الصور. وما كادت الصحافة تغادر الغرفة حتى طرح تقديره القاتم للأوضاع على الخريطة.
تم إخلاء شمالي إسرائيل. وانتقل أكثر من ثمانين ألف شخص هربا من إطلاق الصواريخ اليومي من حزب الله في لبنان. وتم أيضا إخلاء جنوبي إسرائيل، أي المناطق القريبة من غزة، فانتقل منها قرابة خمسين ألف شخص. فقرابة 5% من أرض إسرائيل باتت إذ ذاك أرضا غير مأهولة. وصف نتنياهو إصرار حماس على استرجاع مواقعها المتاخمة لحدود إسرائيل بالانتحار الوطني. قال إن إسرائيل لن تكون بلدا. ولن يرجع الناس إلى مناطق متاخمة لحماس أو حزب الله. وإن أولويته هي خلق الظروف المواتية لرجوع شعبه إلى وطنه.
في الجنوب، كان ذلك يعني ألا توجد حماس مرة أخرى مجاورة لإسرائيل. وفي الشمال، في حال التوصل إلى صفقة بشأن غزة، سيترك حزب الله وشأنه في الوقت الراهن. وإن لم يحدث ذلك، فسوف يكون على إسرائيل أن تزيح حزب الله من الحدود أيضا. ولأكثر من ثلاثين دقيقة لم يأت على ذكر الرهائن. فذكّرته قائلا «إنني هنا لمناقشة صفقة الرهائن».
بحلول ذلك الوقت كان نتنياهو يتعرض للانتقاد لعدم إعلائه أولوية إطلاق سراح الرهائن على الحملة العسكرية في غزة. بدا النقد مستحقا. فقد كان متحمسا لمناقشة الحملة العسكرية، وأقل حماسا بكثير عند مناقشة أمر الرهائن حينما رأى أن يناقش أمرهم أصلا. كان يعتقد أنه بالحملة العسكرية دون غيرها يمكن أن تضمن إسرائيل إطلاق سراح الرهائن. فلن يتحقق أحد الأمرين إلا بالآخر.
سألني نتنياهو «والآن، كيف تمضي الأمور؟ لا يبدو أنها على أحسن ما يرام».
أوضحت إلى أين وصلنا. وكان الهدف هو التوحد حول المقترح الذي ناقشناه في القاهرة ووقعت عليه إسرائيل وأقرته قطر ومصر.
قلت «هذا يضع العبء على السنوار رأسا».
قال نتنياهو «لماذا لا تطلب من حماس أن تقبل شيئا ثم تأتيني». وأصر على أن هذه ليست بالطريقة التي يجب التفاوض بها مع حماس. فالجماعة ستظل تأخذ أي شيء تقبله إسرائيل ثم تستمر في المطالبة بالمزيد. قال «إنكم تتحركون بالعكس».
كان نتنياهو يعتقد أيضا أن الوقت في صالحه، خلافا للسنوار. فالقوات الإسرائيلية كانت أخيرا قد اكتشفت المملكة التي يعتقد أنها في القلب من نظام الأنفاق الشاسع التابع لحماس. وهناك، عثرت على الملايين من الدولارات نقدا، مع أوراق بخط يد السنوار، وأجهزة لابتوب، وهواتف. كان قائد حماس قد ترك المنطقة قبل وصول القوات الإسرائيلية، ثم بات معتقدا أن القوات تقترب. ورأى نتنياهو أن تصفية السنوار وعملية رفح المتوقعة كفيلان بإرغام حماس على اللين في مطالبها وتسليم الرهائن، لا البعض منهم وحسب.
وفي النهاية قال لي نتنياهو إنه يقبل المقترح ـ أي وقف إطلاق النار لستة أسابيع وإطلاق سراح سجناء فلسطينيين في مقابل النساء والمسنين والرهائن المرضى ـ من حيث المبدأ. ولكن استمرار المحادثات كان يزعجه لأنه يعامل قادة حماس في ما بدا وكأنهم رجال دولة رغم أنهم يحتجزون رهائن في أنفاق. قال «لن يفلح هذا».
وافقت على أن تصفية السنوار ستكون مهمة وقد تساعد في إبرام صفقة الرهائن، لكن إلى أن يحدث هذا ينبغي أن نعمل على محاصرته، عسكريا ودبلوماسيا.
واتصلت بعبد الخالق بعد اللقاء. ولم يكن قد جاء بعد خبر من حماس.
قلت له إن نتنياهو قبل المقترح من حيث المبدأ. لكن حتى بعد قضاء ساعتين مع رئيس الوزراء لا أشعر أنني متأكد. فنتنياهو شخص يستحيل سبر أغواره. فهل يهدف إلى تخريب المحادثات، أم أن رؤيته هي أن السنوار لن يطلق سراح الرهائن بغير سكين على رقبته؟ ذلك ما لم يكن من سبيل لمعرفته إلا باختبار الافتراض.
بعد أسبوعين، أكد رد حماس على مقترحنا رؤية نتنياهو بأن المفاوضات لن تفضي إلى شيء. فقد رفضت الجماعة اتفاق التسوية وبقيت مصرة على مطالبها الأصلية.
وفي الثامن عشر من مارس، اتصل بايدن بنتنياهو وحثه على تحسين الصفقة بعرض إطلاق سراح عدد أكبر من السجناء الفلسطينيين. ووافق نتنياهو على مضض، لكن حماس رفضت أن تتزحزح عن موقفها. وبعد أسبوع، صوت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على قرار يدعو إلى وقف غير مشروط لإطلاق النار في غزة خلال شهر رمضان الذي كان على الأبواب. وامتنعت الولايات المتحدة عن التصويت، متيحة بذلك إجازة القرار. إذ ظن فريقنا في الأمم المتحدة أن تكلفة السمعة ستكون باهظة في حال استعمال الفيتو ـ كما استعملناه مع قرارات سابقة تطالب بوقف غير مشروط لإطلاق النار، خاصة مع عدم إطلاق سراح أي رهائن.
اتصل بي رون ديرمر ـ عضو مجلس وزراء نتنياهو وسفير إسرائيل السابق في الولايات المتحدة، بعد التصويت. قال إن حماس أثنت على القرار، وسألني عن سبب معاملة إدارتنا لإسرائيل معاملة «الكم المهمل» في الأمم المتحدة. كان اتهاما مهينا، نظرا لدعم بايدن الراسخ لإسرائيل، فقلت له ذلك وأنهيت الاتصال. وبرغم أن خطاب ديرمر كان مغاليا، فإنه لم يخطئ في أن حماس رأت قرار الأمم المتحدة منفرجا استراتيجيا لتقوية موقفها. وفي اليوم التالي للتصويت، التقت قيادة حماس مع مرشد إيران الأعلى آية الله خامنئي في طهران وأشارت إلى عزلة إسرائيل المتزايدة على المستوى الدولي. وصعّد الحوثيون هجماتهم بالصواريخ والمسيرات في البحر الأحمر. ومع عدم ظهور أي بوادر للتقدم في الأفق، انسحب المفاوضون الإسرائيليون من المحادثات كلية.
وقال نتنياهو في بيان إن «إسرائيل لن تستسلم لمطالب حماس الموهومة». وأصيبت جهودنا لإيقاف الحرب من خلال صفقة للرهائن بالموات.
في الوقت نفسه، كان بايدن يتعرض لضغط سياسي في الداخل، وبخاصة داخل حزبه، لكي يرغم إسرائيل بطريقة ما على إيقاف الحرب. وفي بداية مارس، كان الصحفي جوناثان كيبهارت قد سأل بايدن عما لو أن هجمة إسرائيل المعتزمة على رفح «خط أحمر»، نظرا لأثرها المحتمل على المدنيين. فقال بايدن «إنها خط أحمر» مضيفا أن إسرائيل «لا بد أن تولي مزيدا من الانتباه للأبرياء الذي تزهق أرواحهم». وقال لنا بايدن بعد ذلك إنه كان يشير إلى الطريقة التي ينبغي أن تجري بها إسرائيل العملية، لا إلى القيام بها نفسه. وفي الحوار نفسه، قال إنه «لن يترك إسرائيل أبدا». وفي الوقت نفسه تقريبا، قالت نائبة الرئيس كمالا هاريس لقناة (آيه بي سي نيوز) إن عملية إسرائيل في رفح سوف تكون «خطأ جسيما» ورفضت استبعاد «العواقب» التي سوف تنجم عنها.
وإذ أرجع النظر لا أجد عجبا في أن حماس لم تستجب قط لمقترحاتنا في تلك الفترة. فنحن الآن نعلم أن السنوار في مارس 2024 ـ وبينما كان هذا الجدل السياسي جاريا في الولايات المتحدة ـ كان موجودا في مجمع أنفاق أسفل رفح. ولكونه متابعا نهما للأخبار فلا بد أنه فهم أن العلاقة بين بايدن ونتنياهو على شفا الانهيار.
وبعد عام، قام رونين بار بزيارة واشنطن والتقى بمجموعة من مساعدي بايدن، فوجه إلى أحدهم سؤالا حزينا عما لو كان بايدن ينبغي أن يتصرف على نحو مختلف في المفاوضات مع حماس. أشار بار إلى تلك الفترة في ربيع 2024 حينما قيل إن بايدن يمنع عملية إسرائيل في رفح. ومن وجهة نظر بار، كان ذلك التصور يقوى موقف حماس، ويزيد من صعوبة تحريرها للرهائن وإنهاء الحرب. قال «تلك كانت غلطتكم الكبرى». في صباح الأول من أبريل، احتشد جمع من المسؤولين الإسرائيليين في غرفة العمليات بالبيت الأبيض ليعرضوا خططهم الإنسانية لعملية رفح. وفي أعقاب تصريحات بايدن، أوضحنا أن العملية لا ينبغي أن تبدأ قبل إمهال المدنيين فرصة لمغادرة المنطقة.
وقبل أن يبدأ الاجتماع، طلب السفير الإسرائيلي مايكل هيرتزوج وملحقه العسكري اللواء هيداي زيلبرمان الحديث معي خارج الغرفة، لكي لا يصل حديثنا إلى أسماع أحد. قال زيلبرمان إن إسرائيل على وشك القيام بضربة جوية في دمشق. والهدف هو محمد رضا زاهدي، وهو ضابط إيراني رفيع المستوى مسئول عن عمليات بالوكالة في سوريا ولبنان، وعن عمليات حزب الله. لم يكن ذلك مفاجئا، إذ كان زاهدي هدفا مشروعا للإسرائيليين في ضوء استمرار هجمات حزب الله على شمالي إسرائيل. فشكرت لزيلبرمان أن أطلعني على ذلك.
قال «هناك أمر إضافي». كان رجلا عملاقا حليق الرأس أشبه بملاكم من الوزن الثقيل، وكانت قبة رأسه تطأطئ مشرفة على رأسي. قال زيلبرمان إن إيران قد تزعم أن المبنى الذي يوشك أن يتعرض للهجوم قنصلية لكنه ليس كذلك. ضغطت عليه قائلا إن المنشآت الدبلوماسية محمية بموجب القانون الدولي، ولو أن هدف دمشق قنصلية فهذا تجاوز للحدود، فأصر زيلبرمان على أن الإسرائيليين لم يروا دليلا على أن الأمر كذلك.
ولما حان وقت خروجنا من الاجتماع، كان المبنى قد سوي بالأرض وكان زاهدي والعديد من زملائه في عداد الموتى. أعلنت إيران أنها تعتبر الضربة موجهة إلى أراض إيرانية وتعهدت بضرب إسرائيل ثأرا. وسرعان ما أتتنا التقارير بأن إيران تجهز لهجمة صاروخية على مدن إسرائيلية. بدا الأمر في البداية صعب التصديق. فعلى مدى عقود، حاربت إيران مستعملة الوكلاء، متيحة لنفسها إمكانية الإنكار وتقليص خطر الضربات الثأرية داخل حدودها. لكن مزيدا من التقارير وردت مبينة التجهيزات لضربة هائلة، تجمع بين صواريخ بالستية وصواريخ كروز ومسيرات موجهة إلى مئات الأهداف في أرجاء إسرائيل.
وفي مشاورات طارئة مع الإسرائيلين، قدَّرنا كم الصواريخ الاعتراضية الذي سوف يلزم في أسوأ الحالات. وإسرائيل لديها بعض أكثر الدفاعات الجوية تقدما في العالم، فمنها أنظمة (آرو) التي تستهدف الصواريخ على حافة الفضاء الخارجي ودفاعات في المدى الأقرب للتعامل مع التهديدات الأقل شأنا. ولكن بناء على ما كنا نراه من إيران، فحتى تلك القدرات لم تكن كافية. زار زيلبرمان مكتبي ومعه طلب رسمي موجه للقوات العسكرية الأمريكية للمساعدة في الدفاع عن أرض إسرائيل باستعمال أسراب جوية، ومدمرات، وأنظمة دفاع صاروخي. كان الطلب استثنائيا، ويخالف عقيدة إسرائيل التقليدية: نحن من ندافع عن أنفسنا بأنفسنا.
وحينما قلت لجيف زينتس رئيس الموظفين في إدارة بايدن وآخرين من كبار المساعدين في البيت الأبيض إننا نوشك أن نرى أكبر هجمة بالصواريخ البالستية في التاريخ، والهدف فيها هو إسرائيل، تنبهوا تماما، خوفا على من يعيشون هناك، وخوفا أيضا من التأثير المحتمل على انتخابات 2024. كان تركيز الجناح الغربي قد انصب على الحملة الانتخابية، وأراد فريق بايدن من الرئيس أن يبدو قويا ومسيطرا لا أسيرا للأحداث.
كان بايدن عاقدا العزم على الدفاع عن إسرائيل، لكن إحباطه من الأزمة ـ مع نتنياهو ـ كان يتنامى. والرئيس كان معروفا باستعماله الهاتف في أي لحظة، حتى أنه ذات مرة اتصل بأمي على حين غرة. لكنه في الربع الأول من عام 2024 لم يتكلم مع نتنياهو إلا حفنة من المرات، مقارنة بقرابة عشرين اتصالا في الربع الأول من عام 2023. تدهورت العلاقات بين الرئيسين أكثر بعد أن دعا زعيم أغلبية مجلس الشيوخ تشاك شومر إسرائيل إلى إجراء انتخابات وتغيير نتنياهو، فظن نتنياهو أن بايدن هو الذي لقن شومر ذلك، وأنكر بايدن هذا ثم عاد بعد ذلك فوصف تصريح شومر بأنه «خطاب جيد».
في وقت متأخر من الأول من ابريل، بعد ساعات من ضربة إسرائيل في دمشق، ضربت مسيرة إسرائيلية قافلة في شمالي غزة وقتلت سبعة عمال إغاثة تابعين لمنظمة «المطبخ المركزي العالمي»، وهي منظمة غير ربحية بقيادة الطاهي خوسيه أندريس. كان الإسرائيليون قد رحبوا بأندريس ومنظمته في غزة، واعتبروهم أجدر بالثقة من الأمم المتحدة. فكانت الضربة مأساة، وصفتها إسرائيل بـ»الخطأ الفادح»، وأدت إلى دعوات بالوقف الفوري غير المشروط لإطلاق النار. وبات بايدن يتعرض للانتقاد من كل الأطراف، فرآه اليسار أضعف من أن يحجِّم إسرائيل، ورآه اليمين أضعف من أن يرغم حماس على تحرير الرهائن، وبصفة عامة، باعتباره لا يملك خطة واضحة لإنهاء الحرب.
وعلى هذه الخلفية، تحدث بايدن ونتنياهو في الرابع من أبريل. كانت حرب الشرق الأوسط الشاملة التي سعت الولايات المتحدة إلى اجتنابها تقترب بسرعة. فإيران وجهت مئات الصواريخ البالستية والمسيرات إلى إسرائيل، وإسرائيل تخطط للرد، ومحادثات الرهائن مع حماس ميتة، والأزمة الإنسانية في غزة تتفاقم.
بريت مكجيرك كان يشغل منصب مستشار الأمن القومي مع الرئيس جورج دبليو بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب وجو بايدن. وهذا المقال مقتبس من كتابه الجديد (الحافة: في سباق تحرير رهائن السابع من أكتوبر).
عن مجلة الأتلانتيك