هل بدأ الإنسان المعاصر يكتشف الأداتية داخله؟ أعنى مدى ارتباطه وتأثره ككائن حي بالأداة، وهل ينظر الإنسان المعاصر إلى نفسه كأداة؟ أم ما تزال الحساسية القديمة كما هي، أم هي الأخرى تمر بمرحلة تحولات؟ طبعًا لا أرى ضيرًا في أن ينظر الناس إلى أنفسهم كأداة، ذلك أن الثقافات الراسخة والمنتشرة اليوم قائمة على المنطق السببي وهي تنظر إلى الإنسان بهذه الطريقة، لكنها كانت دومًا تجعل الإنسان في مرحلة سامية من الأداتية، بوصفه أداة سماوية، لغرض غيبي، مثل إعمار الأرض، أو عبادة الله، والنظر للعمر بوصفة مرحلة «تجربة» بالمعنى الديني، لكن الملفت كذلك أن الإنسان ظل عبر تاريخه في اكتشاف مستمر للأرض، وفي الوقت الذي كان الإنسان يكتشف فيه الأرض كان يكتشف بالتزامن نفسه، ماهيته وذاته.
اليوم يمضي العلماء في سباق محموم لمحاولة حصر وتصنيف الكائنات البحرية المجهولة والفريدة في أعماق البحر، وهي مخلوقات وكائنات لا معرفة لنا بها من قبل، لم ترصدها عين ولم تصورها كاميرا، يحاول العلماء توثيق تلك الحياة وتلك الكائنات التي يعتقدون العلماء أنها مهددة بالانقراض، بفعل التغيرات المناخية والسباق التقني المحموم، عبر روبوت غواصة يحمل كاميرا ويرسل الصور للسطح.
إننا حين نقول التقنية فإننا نتحدث في مفهومنا وإدراكنا في الواقع عن الأداتي، يقول مارتن هايدجر: «النقطة الأساسية التي يتوقف عليها كل شيء.. عندما ندرك ما هو جوهري في التقنية. بدل أن نترك أنفسنا نتقنن بالأشياء التقنية. وطالما تمثلنا التقنية كأداة فإننا نبقى منشغلين بإرادة التحكم فيها، وبذلك نترك جانبًا ماهية التقنية». من هذا المفهوم وهذا الإدراك استمر الإنسان عبر مسيرته الطويلة منذ وجوده على الأرض، الذي يقدره العلماء بـ ٣٠٠ ألف سنة منذ ظهر الإنسان العاقل، وعبر هذه القرون استمرّ الإنسان في اختراع أدوات يفتتح بها الفضاءات المختلفة، والآفاق، ومن زاوية النظر هذه يبدو أن تاريخ الأدوات يمضي بالتزامن مع تاريخ إبحارنا الذاتي هذا، فحين نمضي إلى المتاحف نجدها تعرض علينا تاريخ الإنسان القديم عبر أدواته، كل أسلافنا المندثرين الذين لم يبق منهم غير الأدوات، تلك التي تشير إلى (الأفعال) التي قاموا بها، نزور المتاحف ونجد أمامنا الأواني، رؤوس الرماح، الجرار، الفؤوس، السكاكين الحجرية، شباك الصيد، القوارب، القلائد الكرزية والحجرية، أحجار الرحى، أثافي النار، القدور .. إلخ.
بهذا المنظور كذلك ننتبه إلى أن أشياء كثيرة خرجت من أداتيتها وأصبحت أجزاء شخصية منا، أجزاء لا غنى لنا عنها، أقول هذا وأنا أفكر في أشياء كالثياب والبيوت، وهي في الأصل أدوات، لكن الحياة أصبحت غير ممكنة بطبيعتها الاجتماعية بدونها، كما وألاحظ أننا ونحن نستخدم هذه الأدوات أصبحنا نضع عليها علاماتنا الشخصية المميزة، الثقافية والنفسية والفكرية، حتى أصبحت هذه الأشياء بشكل من الأشكال تمثلنا نحن، لقد جعلنا الأداة رمزًا لنا، لنا أن نفكر في الشعارات مثلًا، الخنجر الرسمي مثلًا أداة تؤدي غرضًا تعريفيًا وأشباهه كثيرة، ثم توسع الخيال لنخترع أداة محل شيء محدد، فكنا كأننا نتوسع في الأداتية، لنتأمل العلَم قطعة قماش ملونة بشعار، العَلم أصبح الشعار نفسه، لنا نحن، وكأنه يمثلنا، وهو أداة لتأدية غرض معرفي، اتخذته القبائل أولًا لتمييز أنفسها، وأصبح بمرور الزمن طريقة تقديم الذات للآخر، إنها إشارة للآخر عن الذات، وللذات نفسها عن الذات.
بالعودة لتتبع آثار «الأداتية» في الثقافة والإنسان يتبدى كذلك ويتكشف ولعنا وغرامنا بالأدوات، وكلما كانت الأداة جديدة وابنة زمنها، برزت أكثر واستقطبت مجاميع أكبر من الناس. أقول هذا وفي بالي السيارات ونواديها وجمعياتها وسباقاتها ومحلاتها وكراجاتها وكهربائيوها وميكانيكيوها ومهندسوها ومطوروها وصانعوها ورياضيوها ومجانينها والمنتحرون بها. السيارة تبدو مثالًا ممتازًا لحالة الأداتية التي نحن فيها، إنها تستغرقنا استغراقًا لا إرادي، هناك عالم بأكمله قائم يمكن تسميته بعالم السيارات، وهذا اسم تتنازعه مجلات وصحف وشركات بيع السيارات، وهذا دليل آخر على استغراق الإنسان في الأداة والتصاقه بها.
وكما هناك عالم السيارات نجد عالم الطائرات هو الآخر، بطواقمه ومهندسيه ومطاراته وتجهيزاته وركابه والمولعين بالطيران وأنواع الطائرات، فهذا عالم آخر، توازيه عوالم شبيهة في كافة وسائل النقل، ومثله في كل الأدوات؛ فكما يبدو أن الأدوات نفسها تجذب من حولها مجموعة كبيرة من الأفراد يقومون على خدمة تلك الأداة، من صناعتها إلى صيانتها واستخدامها، وهذا كله يخلق مجتمعات متخصصة، من الأدوات إلى الألعاب؛ فهذه كرة القدم مثلًا هي أداة تسلية لكن آثارها هائلة حتى تكاد تكتسح بقية أدوات وألعاب التسلية.
نصل أخيرًا إلى أدوات القرن الحادي والعشرين الأثيرة، هذه المرتبطة بالتقنية، الكمبيوترات في تحولاتها، في ابتلاعها للهاتف النقال الذي أصبح كمبيوترًا مصغرًا، ومثلها الساعات، واليوم دخلنا عالم الذكاء الاصطناعي، هذه الأداة الجديدة والمثيرة، والتي تختلف ردود الأفعال حولها اختلافًا كبيرًا، لكنها لو تذكرنا مثلها مثل كل أداة جديدة ظهرت من قبل أثارت حولها ردود الأفعال المختلفة، حتى استمرأها الناس ودخلت في حياتهم وتعاملوا معها بشكل طبيعي.
يستعيد سيمون كريتشلي في مقال منشور مؤخرًا في هذه الجريدة بترجمة أحمد شافعي قصة الكتابة كما رويت في الأساطير المصرية حين قدم تحوت اختراع الكتابة إلى تحتمس: «يعلن تحوت أن هذا الاكتشاف سوف يزيد من حكمة المصريين، فهو فرماكون للذاكرة، أي ترياق لها، ولا يقتنع تحتمس، ويرد بأن الكتابة سوف تغرس النسيان في الروح، وسوف يثق الناس في علامات خارجية ويكفون عن التذكر بأنفسهم، فيكتسبون سمعة الحكمة دون واقعها. والفرماكون يعني أيضًا السم، وكم يبدو هذا ملائمًا، فكل ذعر من ذلك الحين. سواء من المطبعة أو الرواية أو التلفزيون أو الهاتف الذكي أو روبوت الدردشة ليس إلا هامشًا على كلام تحتمس». هذه الخشية من الأداة هي نفسها ما تزال، تتكرر أمام كل أداة جديدة.
في إطار هذا الخوف من الأداة الجديدة يندرج ما كتبه مؤخرًا جورج إف. ويل، والمنشور في هذه الجريدة نفسها، حيث كان يشارك في قرع الناقوس الذي قرعه المفكر البريطاني جيمس ماريوت في كتابه الأخير «موت القراءة وفجر مجتمع ما بعد القراءة»، وذلك بمقال عنوانه: إنذار قاتم بمستقبل ما بعد القراءة؛ والعناوين تشي بالمضامين. كتب خورخي بورخيس مرتين عن حلم مكتبة الجنة: «لطالما تخيلت أن الجنة على شكل مكتبة، ها قد منحني الله دفعة واحدة المكتبة والعمى»؛ يمكن أن ننظر لعبارة بورخيس التي كتبها منتصف القرن الماضي بوصفها نبوءة عراف معاصر عن حالتنا الراهنة، فواقع الأمر أننا اليوم، للمرة الأولى في التاريخ البشري، ندخل عصر المكتبات المفتوحة، والأنترنت أصبح الكتاب الذي يحوي كل شيء كما ورد تصوره في قصة مكتبة بابل لبورخيس؛ هذا الكتاب الذي ظل الكتاب يحلمون به، شبكة الإنترنت بمثابة مكتبة هائلة وضخمة، مزودة بأدوات بحث متطورة ومخصصة، أضيف إليها أخيرًا محرك بحث خاص، روبوت دردشة، يتجاوب مع المستخدم كما لو أنه إنسان، وهو في الواقع لا يحمل غير قدرة لغوية محسنة ومقدمات تحليلية بسيطة وسرعة أداء فائقة للبحث، وكل هذا الكنز معروض لكل من يستطيع الوصول إلى الإنترنت، بين أصابعنا، من الصحف للمقالات للكتب للمعلومات، والأفلام ومختلف الوسائط، هذا غير الحجم الهائل من الموسوعات الضخمة والمتخصصة التي يتتابع إصدارها، والمعاجم والقواميس، والمكتبات الرقمية، والأرشيفات؛ إدراك كل ذلك يؤكد لنا أننا ندخل فعلًا جنة القراءة.
لا ضير إذًا إن كان أغلب الناس لا يهتمون بهذا كله ويقضون أوقاتهم في متابعة الريلز على انستجرام وفيديوات التيك توك، فحتى تلك المواد تحتاج إلى قراءة وكتابة، بل إن المشاهدة في أصلها نوع من القراءة، وبكل ذلك تحول متصفحو الإنترنت إلى قراء، واتسعت أشكال القراءة أكثر وتنوعت وتعددت، ولا شك أنها محطة تاريخيّة مفصلية، أو تتويج، لكل تاريخ الإنسان الطويل مع الأدوات.
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني
RemoveApply