استنهض تناولي لهذا المقال منشور للأستاذ الدكتور أحمد الحراصي، نشره في منصة «إكس» قبل فترة قريبة، جاء فيه: «ما زلت لا أستوعب كيف يُطلب من متخصص في اللغة العربية اجتياز امتحان آيلتس ليلتحق ببرنامج دراسات عليا في تخصصه حيث البرنامج يُدرّس بالكامل بالعربية، والرسائل تكتب بالعربية، والمشرفون عرب، والمصادر الأساسية عربية تراثية وحديثة».

كيف نشترط على من يدرس تراثنا ولغتنا وقرآننا أن يثبت كفاءته بلغة أخرى؟ وهل أصبح إتقان الإنجليزية شرطا لفهم العربية؟ الحقيقة لا أدري هل هذه معايير أكاديمية أم هزيمة ثقافية».

قبل أن نتفاعل مع لب الموضوع ومشكلته، نشير إلى أن صاحب المنشور ذو ثقل علمي ومعرفي على المستويين المحلي والعالمي، وله قدم راسخة في الحقل الأكاديمي والبحثي. وحينها يتوجب علينا أن نعيد مراجعة ما طرحه الحراصي بكل جدية ومسؤولية؛ فأراها مشكلة فرعية متجذرة من مشكلة أكبر سبق أن خاض فيها عدد من المفكرين العرب نقاشا وتحليلا رأفة بالهُوية العربية وتفاديا لخطر ذوبانها. لذلك أجدني موافقا رأي الحراصي ومؤيدا لمراجعة مثل هذه الاشتراطات غير الضرورية لمسوغات نأتي على ذكرها في سطور لاحقة.

من المهم أن نلفت الانتباه إلى أن متلازمة «الآيلتس» وتداخلاتها غير الضرورية -في بعض البرامج التعليمية والمهن- قضية فرعية ناتجة عن معضلة رئيسة متعلقة بمشكلتنا الحضارية والثقافية.

وجل ما في الأمر أنه لم يفت «الآيلتس» أن يكون شكلا من أشكالها الكثيرة. لذلك، عند مناقشتها، فإن أنظارنا تتجه إلى عدد من الجزئيات ذات الصلة أهمها: صلتها بأزمة الحضارة العربية التي تزداد انحدارا، وعدم جدوى هذا الاختبار ليكون شرطا للقبول لبعض البرامج الدراسية كما أوضح الحراصي، والاستغلال التجاري المفرط الذي وجد له موطئ قدم فتح له صورا من الأساليب القانونية وغير القانونية كما سنلحظ.

وفيما يخص اتصال هذه المتلازمة بمعضلة الأزمة العربية، نجد للمتلازمة امتدادا لمظاهر مشابهة كثيرة منها استعمال اللغة الإنجليزية في اللقاءات والمؤتمرات المحلية العربية، وهذه هزيمة ثقافية أخرى وجدتها حاضرة في دول عربية كثيرة -للأسف-.

لهذا انتبهت الحكومة -قبل فترة- إلى هذه الظاهرة المسيئة لهيبة العربية وقيمتها؛ فوجهت باعتماد اللغة العربية في جميع المحافل واللقاءات التي تنظمها المؤسسات الحكومية بما فيها مؤسسات جهاز الاستثمار العُماني وشركاته.

أما عن ولوج عنصر الاستغلال التجاري مع «الآيلتس» ودوره غير المباشر في تضخيم أهميته وتحوله ليكون أداة تجارية امتزجت فيها المنافع بالمساوئ؛ فنجد من يمارس بيع الوهم عبر مراكز تدّعي القدرة الفائقة المضمونة على إيصال المتقدم إلى أعلى المعدلات في غضون شهور قليلة عن طريق دورات تمتص المال والوقت.

كذلك دخلت أساليب الاستغلال والتلاعب بشتى أشكالها مثل بيع الاختبارات نفسها التي سيخضع لها المتقدم باعتبارها النسخ المتوقعة.

بكل تأكيد لا يمكننا تعميم هذه الممارسات غير القانونية وغير الأخلاقية؛ إذ ثمة مراكز معتمدة تمارس أعلى مستويات الجودة فيما يتعلق باختبارات اللغة الإنجليزية بما فيها «الآيلتس» نفسه.

بما أننا في قضية توسّع دائرة «الآيلتس» فيما لا ينبغي أن تتصل به، وهي أزمة لا أتصور معظم الدول العربية سلمت منها؛ من حيث وضع «الآيلتس» شرطا ملازما لبرامج دراسات عليا يُستفتح مسارها ويُنتهى به بالعربية لغةً وتراثا.

ولسنا في معرض تحميل جهة ما المسؤولية؛ إذ يحتمل الأمر وجهات نظر ترى في ذلك ضرورة ومصلحة. وساق بعض من تفاعل مع المنشور تبريرات محتملة لهذه المعايير الأكاديمية الموضوعة منها عالمية اللغة الإنجليزية وتفوقها على نظيراتها من اللغات الأخرى؛ فسمح لها ببسط هيمنتها على النشر المعرفي بما فيه الأبحاث المرتبطة بالدراسات الإسلامية والعربية.

ولا يمكن أن ننكر هذا الواقع؛ فله أيضا قصته وتاريخ أسبابه الخاصة التي لا نضطر إلى بيانها في سطور مقالنا الراهن نظرا لتشعباتها الكثيرة.

رغم إقرارنا بواقعية ما جاء في التبرير السابق، وافتراض تسليمنا به، فإننا نعيش في عصر التطورات التقنية وأدواتها المتقدمة التي لها رأي آخر؛ إذ تمنحنا هذه الأدوات سلطة الاختيار والوصول إلى كل معارف الأرض بكل يسر؛ فنترجمها ونلخصها دون الحاجة إلى تعلّم اللغات الأخرى المكتوبة بها.

لا ننسى أيضا أن العربية بثقلها اللغوي والثقافي غنية بكنوز معرفية بمجلداتها ومراجعها المتعددة مكتوبة باللغة العربية تكفي وتفي باستخراج ما نشاء من أفكار ودراسات في العلوم الدينية وتفرعاتها.

أما من يزعم زعما آخر يتعلق بالمشاركات الدولية ومتطلبات التحدّث بالإنجليزية؛ فلا أجد ذلك أيضا تبريرا مقبولا لأسباب التقنية نفسها التي منحت الجميع قدرة الولوج إلى كل لغات العالم بما فيها العربية؛ فيكتفي المتحدث العربي حينها بلغته، وتوكل مهمة الترجمة ونقل الحديث إلى أجهزة الترجمة الصوتية الفورية، وأبسطها -في وقتنا الراهن- تطبيقات الهاتف وما تحمله من نماذج ذكية. علاوة على أن هذه المشاركات لا تحدث في غالبها في دول غربية، وإن حدثت، تكون محدودة ونادرة.

أدرك جيدا أهمية اللغات وتعلمها خصوصا القوية منها التي صارت معظم مراجع العلم ومصادره تُكتب بها وأبرزها الإنجليزية. وأدرك ذلك شخصيا لما تشكّله اللغة الإنجليزية في تخصصي العلمي من قوة، وأتفهّم أهمية أن يُطلب من المرء اجتياز امتحان «الآيلتس» أو ما يضارعه من اختبارات باعتباره شرطا لدخول تخصص علمي أو وظيفة أكاديمية ذات ارتباط كبير ومستمر بالجامعات أو المؤسسات المهنية العالمية.

وللأمر مسوغات كثيرة أهمها غلبة الإنجليزية في الحقل العلمي معرفة ومهنة، وإن كان للتقنية رأيها المغاير اليوم، إلا أنني ما زلت أرى فوائد إتقان الإنجليزية في هذا الحقل ذات الأهمية.

لكنني لا أرى مسوغا لتوسيع رقعة شرطها لتشمل برامج دراسات معنية بالثقافة العربية وتراثها الديني، ولا يمكننا قرن الأمر بموافقتنا على قبول هذه الاختبارات لتكون شرطا للبرامج العلمية، وتحديدا التي تُدرّس باللغة الإنجليزية؛ فنحن مضطرون إلى ذلك مسايرة لواقع العالم الراهن.

ولسنا في وضع حضاري يسمح لنا بمغايرة هذا الأمر، ويكفي أن نلحظ الجهود العربية المتواضعة غير الجادة التي لم تحرّك ساكنا في مشروع تعريب المعرفة وإغراقها في بحر اللغة العربية الثرية؛ لتكون جسرا يغنينا عن «الآيلتس» وإخوانه من «الخواجات».

لعل مثل هذه القضية وانتقالها السريع لتكون رأيا عاما يفتحان لنا مراجعات كثيرة تتجاوز البعد الثقافي المُشار إليه آنفا؛ فنلحظ بعدا تجاريا يتعلق بموضوع «الآيلتس» ذاته، ولهذا البعد مسارات مقبولة وأخرى أقرب إلى الطابع الاستغلالي. ومن المنطقي أن نعدّ اشتراط هذا الاختبار للالتحاق ببرامج جامعية تعتمد الإنجليزية قرارا مبررا.

بيد أن بعض المؤسسات منها الأكاديمية باتت أيضا تعتمده شرطا لشغل الوظائف الأكاديمية رغم أن الخلفية الدراسية الجامعية معتمدة باللغة الإنجليزية من جامعات أجنبية ذات تصنيف عالمي متقدم، ورغم إجراء مقابلات شخصية باللغة الإنجليزية للمقابلات لا تعيرها بعض المؤسسات أي قيمة للحكم على الكفاءة اللغوية للمتقدم، وكم تمنيت أن تكون للعربية القيمة نفسها!

عبر ما يمكن ربطه من شرط «الآيلتس» غير الضروري -أساسا- للمتقدمين إلى برامج دراسات باللغة العربية أو إلى وظائف أكاديمية التي اعتمد أصحابها اللغة الإنجليزية في دراساتهم الجامعية، نستنتج أن في الأمر حسن نية تبذل جهدها إلى تحقيق جودة عالية في قطاع التعليم.

لكن هذه النية تبدو أشبه بمن يرى بعين واحدة أو يقبع في حقبة زمنية غابرة؛ إذ كما أشرنا سابقا، فرضت التقنية سلطتها، واستطاعت أن تقرّب بين الثقافات واللغات، وتوحد فهم المعرفة، ولذلك أكثر المستفيدين من الجسر التقني هم طلبة البرامج الجامعية التي تعتمد لغتها الأم. كذلك الحال بالنسبة للمتقدمين إلى الوظائف الأكاديمية؛ فلا أرى لاختبار «الآيلتس» ضرورة تذكر إلا أن تكون وسيلة للتربّح التجاري تنفع طرفا دون أطراف أخرى.

لا أتصور أن القضية بما تحمله من جذور لأزمة ثقافية أكبر بحاجة إلى مزيد من الجدال؛ فلم تطرق الاقتراحات فك الارتباط الكامل عن اختبارات القبول المعيارية لما نجد لها من فائدة لبعض البرامج. وجل ما يُطرح من رؤى يتعلق بعدم واقعية فرضه شرطا لبرامج لا تتصل باللغة الإنجليزية اتصالا مهما وكبيرا، وإن وُجِد شيء من ذلك الارتباط غير المباشر؛ فتحال المهمة إلى التقنيات ونماذجها الرقمية المتقدمة، وبذلك نبعد المترشح ونريحه من بذل جهد ومال لا يستفيد كثيرا من مخرجاتهما، وليوجه بدلا من ذلك إلى خوض امتحان تُختبر فيه قدراته اللغوية في العربية لما يحمله امتلاكه لهذه المَلَكَة من ضرورة تضمن كفاءة المتقدم للبرامج الدراسية المطروحة.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني