يومًا بعد يوم، يسرقنا العالم المادي هدوءنا، تنكمش المشاعر البيضاء بين جوانحنا، تتقلص، تستوطننا مشاعر هجينة، تقف خلفها المنافع، حتى لتغدو سلعة الحب نادرة، والحياة تغرق شيئًا فشيئًا، في بحر متلاطم من الماديات.

يُنظَر إلى إنسان العصر، الذي لا يفكر في «صناعة» علاقات نفعية، بأنه يعيش خارج الواقع، وفي زمن مثالي، غير موجود إلا في ذهنه، ولذا فإن عليه، وبمقتضى ما يفرضه الواقع، أن يسأل نفسه السؤال التالي: «ماذا سأستفيد من وراء هذه العلاقة؟» قبل أن يضع أي أساس لعلاقة جديدة.

أمسى الحديث عن علاقات نزيهة وسامية، لا تأخذ المنافع في الحسبان، من باب التندر، فالذي يحب «أحمق»، والذي يسعى للبحث عن روح تشبه روحه «ساذج»، وأي علاقة تستند إلى العاطفة «مضيعة للوقت»، ولذا نختار قرب الغني والمتنفذ ومسموع الكلمة، يتزوج أبناء التجار من بنات التجار أمثالهم، وأصحاب المكانة والنفوذ ممن هم في حكمهم، ننتقي لنطفنا، لكن ليس التقي والخلوق، إنما الثري والحسيب والوجيه.

هذا هو واقع الحياة في العام ٢٠٢٦، حيث يبدو التفكير منصبًا على كل ما يحقق المنفعة، والزمن عاجز عن تفريخ علاقات شفافة، لن يتمكن الزمن بوجهه الكالح من تكرار نفسه، بولادة علاقات إنسانية غير مفتعلة، كتلك التي لم نعد نسمع عنها ولا نتقصاها سوى في كتب التراث العربي، كعلاقة عنترة بن شداد بعبلة وقصص قيس وليلى، وجميل وبثينة، وكثير وعزة، وما بلغته محبة المعتمد بن عباد أمير إشبيلية لزوجته اعتماد الرميكية في العصر الأندلسي.

وإذا كانت الدراما هي مرآة العصر، بما تطرحه من أعمال، يُفترض أن تمثل الواقع، فإن الدراما العربية خاصة، لم تغفل التغيير العميق الذي طرأ على حياة المجتمعات العربية، فنقلت للمتابع واقعها المرير، الذي لن يجد صعوبة في معرفة أنها لم تكن، ومنذ عدة سنوات، معنية كثيرًا بإنتاج أعمال تتكئ على ثيمة الحب مثلًا، كعنصر تقوم عليه سيناريوهات موادها الدرامية من مسلسلات وأفلام، بل ابتعدت عن هذا المسار مسافة شاسعة.

لم يعد للمشاعر الخالصة مساحة في الدراما العربية، فنجدها تعبر عن حال الواقع القبيح لحياة الإنسان، فغابت عن الشاشات قصص الحب والوفاء والنبل، وحلت مكانها أعمال تمثل مادية الزمن وقسوته وبرجماتيته، أعمال تبحث في قضايا الأحقاد والعنف واغتصاب الحقوق، والظلم والعلاقات الشاذة بين المحارم، والخيانات والنصب والاحتيال.

إن التحول الجذري الذي يعصف بالقيم الإنسانية الرفيعة بات مخيفًا، فلا تكاد علاقة تُبنى دون تطلعات لتحقيق مآرب خاصة، ولا زيجة تُعقد لا يدخل التخطيط للانتفاع من ورائها، ولا يمكن لوشيجة أن تقام هكذا «لوجه الله»، إنه عالمنا المادي المنكوب.

عُمر العبري كاتب عُماني