شهدت القوائم الأولية للمترشحين لانتخابات أعضاء المجالس البلدية للفترة الرابعة، تراجعا كبيرا في أعداد النساء المترشحات لعضوية المجالس مقارنة بالفترات الثلاث السابقة، حيث بلغ عدد النساء المترشحات للفترة الرابعة 16 مترشحة، من إجمالي عدد المترشحين البالغ عددهم (803) مترشحين ومترشحات، فيما كان عدد النساء المترشحات وفق القوائم النهاية في الفترة الثالثة 28 امرأة من أصل 727 مترشحا ومترشحة، وفي الفترة الثانية كان عدد النساء المترشحات 23 امرأة من أصل 708 مترشحين ومترشحات، بينما شهدت الفترة الأولى لانتخابات المجالس البلدية أكبر عدد من النساء المتقدمات للتنافس بواقع 46 امرأة، من بين 1475 مترشحا ومترشحة.
(عمان) نقلت التساؤلات حول أسباب تراجع النساء المتقدمات للتنافس على عضوية المجالس البلدية للفترة الرابعة، لعدد من المختصين في الشأن الانتخابي والاجتماعي..
قال أحمد بن علي بن محمد المخيني باحث ومحلل سياسات عامة: إن القوائم الأولية تشير إلى انخفاض عدد المترشحات من 28 امرأة عام 2022 إلى 16 امرأة عام 2026، أي بتراجع يقارب 45%. وهذه مقارنة بين المرحلة نفسها في الدورتين، مع ضرورة انتظار القائمة النهائية الحالية لمعرفة الحصيلة النهائية للترشح.
أسباب متداخلة
وأشار إلى أن التراجع متصل بعدة عوامل متداخلة، فالانتخابات المحلية في سلطنة عُمان تعتمد -إلى جانب الكفاية والبرنامج- على معرفة الناس بالمترشح وثقتهم به، وعلى شبكة علاقاته وعمله المجتمعي السابق، والأهم نظرة الناخبين إلى دور المجلس (سواء البلدي أو الشورى) في منظومة صنع القرار، ونظرا لطبيعة النظام السياسي وتقسيمات الدوائر الانتخابية، تؤدي الروابط العائلية والقبلية دورًا في بناء التأييد؛ وقد تساند المرأة وتساعدها على الوصول، وقد تُصعّب فرصها إذا تركز الدعم حول مرشح رجل، بينما يمكن اعتبار ذلك سمة عامة، إلا أن ذلك يختلف من ولاية إلى أخرى، فلا يصح تعميم تفسير واحد على المجتمع العُماني كله.
وأوضح المخيني أن الدراسات حول انتخابات مجلس الشورى تشير إلى أن التصورات التقليدية عن أدوار النساء والرجال تؤثر في تأييد المترشحات، فقد يُقبل حضور المرأة في مجالات مهنية واجتماعية متعددة، بينما يظل بعض الناخبين أكثر ميلًا إلى اختيار الرجل لتمثيل الولاية، على الرغم من الطبيعة الخدمية للمجلس البلدي، وهذه التصورات قد يحملها رجال ونساء؛ لذلك فإن اتساع مشاركة النساء في التصويت لا يؤدي تلقائيًا إلى انتخاب النساء، وعلاوة على ما سبق، فمن الأهمية بمكان التوضيح هنا أن المجتمع – نساء ورجالا- يعامل المترشحات وفق مقياس مختلف عن مقياسه في التعامل مع المترشحين، ولذلك أسباب كثيرة منها متكرسة ومنها مرتبطة بالتغيرات الفكرية الاجتماعية الأخيرة.
وأضاف المخيني: تدخل في قرار الترشح حسابات عملية: الوقت وكلفة الحملة، والتوفيق بين الالتزامات المهنية والأسرية، وتوافر فريق مساند، وتقدير فرص الفوز. ومن المحتمل أيضًا أن تؤثر نتائج التجارب السابقة ومدى وضوح أثر المجلس في استعداد بعض النساء لخوض المنافسة، ولكن هذه تفسيرات محتملة، وليست أسبابًا مثبتة لتراجع عام 2026؛ وإثباتها يتطلب الاستماع إلى المترشحات السابقات، وإلى النساء اللاتي فكرن في الترشح ثم عدلن عنه.
وأكد على أن تراجع الترشح قد يؤثر بضعف حضور الكفايات النسائية في المجالس، مما سيؤثر على جودة التخطيط لغياب مناظير النوع الاجتماعي، فالرجل له طريقته في التفكير والمرأة لها طريقتها في التفكير ويغدو من الضروري تكاملهما. وكلما اتسعت قاعدة المترشحين والمترشحات، ازدادت فرص الناخب في اختيار من يمتلك الخبرة والقدرة على خدمة الولاية. والعمل البلدي يتناول التخطيط والخدمات والمرافق واحتياجات السكان اليومية، ولذلك يستفيد من تنوع الخبرات ومن اتصال أعضائه بمختلف فئات المجتمع.
علاوة على ذلك، فإن وجود المرأة يتيح للمجلس الاستفادة من خبرتها المهنية والمدنية ومعرفتها باحتياجات مجتمعها. وفي بعض البيئات المحلية، قد يسهل تواصل العضوة مع نساء لا يطرحن احتياجاتهن بالقدر نفسه عبر قنوات أخرى، مما يؤثر على قدرة الدولة في أداء واجباتها المنصوص عليها في النظام الأساسي للدولة. وهي، في جميع الأحوال، تمثل أهل الولاية جميعًا، وتشمل مسؤوليتها مختلف القضايا التنموية والخدمية، كما أظهرت التجارب السابقة في المجالس البلدية ومجلس الشورى.
وأوضح انه ينبغي التمييز بين الترشح والفوز والأثر، فزيادة عدد العضوات وحدها لا تضمن فاعلية المجلس؛ بل تحتاج المشاركة إلى فرص فعلية للعمل في اللجان، وطرح المقترحات، والحصول على المعلومات، ومتابعة الموضوعات مع الجهات المختصة. ومن المهم أيضًا أن يوضح المجلس للناس ما أنجزه وما تعذر وأسبابه؛ فوضوح أثره يعزز الثقة به، ويشجع كفاءات أكثر من النساء والرجال على الترشح إليه.
وأكد المخيني أن المرأة أثبتت قدرة على كسب ثقة الناخبين، لكنها لم تتحول بعد إلى حضور انتخابي مستقر، فقد فازت أربع نساء في انتخابات المجالس البلدية عام 2012، وسبع في عام 2016، ثم امرأة واحدة في عام 2022. ويستدعي هذا التفاوت دراسة ما ساعد المرشحات على الفوز في بعض الولايات والفترات، وما الذي تغير لاحقًا. ولعل الأمر السامي بإضافة دائرة انتخابية وطنية للمرأة في مجلس الشورى يرى طريقه في التطبيق على نطاق المحافظات، كل محافظة على حدة.
أما تقييم الأداء، فيحتاج إلى النظر في الإنجاز الفعلي لكل عضوة: ما القضايا التي طرحتها؟ كيف شاركت في اللجان؟ هل حافظت على تواصل منتظم مع أهالي ولايتها؟ وما المقترحات التي تابعتها حتى وصلت إلى نتيجة؟ وينبغي تطبيق هذه المعايير على الأعضاء والعضوات جميعًا، مع مراعاة اختصاصات المجلس وإمكاناته.
وأشار المخيني إلى أن تجربة مجلس الشورى تفيد في فهم الإنجاز الفعلي للمرأة، ففي دراسة راجعت مضابط الجلسات ومحاضر اجتماعات اللجان، وحللت مداخلات العضوات وكذلك عضوياتهن في اللجان وأجهزة المجلس، ظهر جليا أن المرأة مثلت المجتمع ككل، فلم تتجاوز قضايا المرأة 21% من القضايا المطروحة من قبل العضوات، وأسهم العديد منهن في الدفع بمسائل اقتصادية واجتماعية مهمة.
لذلك أقيّم التجربة السابقة للمجالس البلدية باعتبارها أساسًا مهمًا ينبغي البناء عليه: بتوثيق أداء العضوات، وإبراز إنجازاتهن الفعلية، والاستفادة من خبراتهن في تأهيل الراغبات في الترشح، وتوسيع الصلة بين الكفاءات النسائية والمجتمع المحلي. والتأهيل ينبغي أن يبدأ مبكرًا، من خلال ممارسة العمل المجتمعي وفهم اختصاصات المجلس وبناء الثقة مع الناس.
التوفيق بين المسؤوليات
من جانبها أكدت الدكتورة أنيسة بنت محمد بن حمد الكيومي محاضرة في جامعة صحار ورئيس قسم الأنشطة الطلابية بتعليمية شمال الباطنة أن أسباب هذا التراجع متشابكة ولا يمكن ردّها إلى عامل واحد وذلك ما أكدته بعض الدراسات العلمية التي نُفذت في دول الخليج، فالالتزامات الأسرية تأتي في مقدمتها، إذ تخشى كثير من النساء ألا يوفّقن بين مسؤوليات البيت ومتطلبات العمل البلدي، إضافة إلى أن كثيرًا من النساء لم تُتح لهن فرص كافية للتأهيل السياسي والتدريب على إدارة الحملات والخطابة، ولا تزال بعض الصور النمطية التي تشكّك في قدرة المرأة حاضرة، إلى جانب ميل بعض الناخبين إلى التصويت على أساس قبلي أو عائلي، وارتفاع التكلفة المادية للحملات الانتخابية. وأخيرًا، حين تترشح نساء كثيرات ولا تفوز منهن إلا قلة، يتولّد شعور بالإحباط يجعل غيرهن يترددن في خوض التجربة.
وأوضحت الكيومي أن تراجع أعداد النساء في المجالس البلدية سيؤثر إن استمر، لأن قلة العدد تعني قلة الصوت، والمرأة الواحدة في مجلس كامل قد تجد صعوبة في طرح قضايا المرأة والأسرة وتبنّيها حتى النهاية. ومع ذلك لا أنظر إلى الأمر بتشاؤم، فالتجارب الدولية تؤكد أن العدد وحده لا يصنع الفرق، وأن جودة الحضور وفاعليته هي الأهم، فامرأة واحدة كفؤة ومؤثرة قادرة على أن تفتح الباب لنساء كثيرات بعدها. والخطر الحقيقي ليس في التراجع المؤقت، بل في أن يتحول إلى قناعة راسخة بأن المجالس البلدية ليست مكانًا للمرأة.
وأضافت: للمرأة أدوار مهمة في المجالس البلدية، أولها نقل احتياجات الأسرة والمرأة والطفل، كالحدائق والممرات الآمنة والمرافق الصحية والتعليمية، وهي قضايا تعيشها المرأة يوميًا وقد يغفل عنها غيرها. كما تستطيع أن تمارس دورًا رقابيًا فاعلًا في متابعة المشاريع البلدية والحرص على جودة الخدمات. وتمثّل المرأة كذلك جسرًا للتواصل مع النساء في المجتمع، اللواتي يرتحن غالبًا في إيصال ملاحظاتهن إلى امرأة مثلهن خاصة للأسر من ذوي الإعاقة. ويمكنها أيضًا أن تسهم في التخطيط التنموي، خاصة مع التوجه نحو اللامركزية وتعزيز دور المحافظات. وفوق ذلك كله، فإن وجودها في المجلس يجعلها قدوة تشجّع الأجيال القادمة من الفتيات على المشاركة في الشأن العام.
ومع وجود 16 مترشحة خلال الفترة الرابعة دعت الدكتورة أنيسة الكيومي المترشحات إلى تحمل المسؤولية ومضاعفة الجهود، فالمسؤولية تمثيل المجتمع، ومسؤولية إثبات قدرة المرأة على العطاء في هذا الميدان. فاجعلن برامجكن واقعية وقريبة من احتياجات الناس، والتزمن بها بعد الفوز، لأن الناخب اليوم يبحث عمّن يفي بوعده. وتواصلن مع الجميع رجالًا ونساءً، ولا تحصرن خطابكن في قضايا المرأة وحدها. وإن لم يحالف الحظ بعضكن، فتذكّرن أن مجرد الترشح خطوة تمهّد الطريق لمن يأتي بعدكن.
كما دعت الناخبين إلى الاختيار وفق الكفاءة والقدرة على خدمة المجتمع، لا بالقرابة أو الانتماء، مع التأكيد على ضرورة منح المرأة فرصتها العادلة، فهي نصف المجتمع وأقرب الناس إلى احتياجاته.
بناء الوعي
من جانبها قالت ميمونة بنت موسى بن محمد الوهيبي كاتبة في الشأن الاجتماعي والمحلي: إن تراجع أعداد النساء المترشحات لعضوية المجالس البلدية يستحق أن نتوقف عنده ونفهم أسبابه بصورة أعمق، فهو لا يعني بالضرورة تراجع رغبة المرأة العُمانية في المشاركة في الشأن العام، بقدر ما قد يرتبط بمجموعة من العوامل الاجتماعية والمهنية والشخصية التي تؤثر في قرار الترشح.
وأضافت: الترشح للعمل البلدي يحتاج إلى وقت وجهد وحضور مستمر بين أفراد المجتمع، إلى جانب القدرة على إدارة حملة انتخابية وبناء قاعدة من المؤيدين، وهي متطلبات قد تشكل تحدياً لبعض النساء في ظل تعدد مسؤولياتهن الأسرية والمهنية. كما أن بعض النساء، رغم امتلاكهن الكفاءة والخبرة، قد يترددن في خوض التجربة الانتخابية بسبب طبيعة المنافسة أو عدم توفر الدعم والتشجيع الكافي من المحيط الاجتماعي.
وأكدت ميمونة الوهيبي على انه من المهم النظر إلى المسألة من زاوية أوسع؛ فزيادة مشاركة المرأة لا تبدأ فقط عند فتح باب الترشح، وإنما من خلال بناء الوعي بأهمية العمل البلدي، وتشجيع الكفاءات النسائية على خوض التجربة، وإبراز النماذج الناجحة، وتهيئة بيئة مجتمعية ترى في وجود المرأة في المجالس المنتخبة إضافة حقيقية للعمل التنموي.
وأوضحت أن وجود المرأة في المجالس البلدية مهم لأن المجلس في جوهره يمثل المجتمع، والمرأة شريك أساسي في هذا المجتمع وفي عملية التنمية. كما أن تنوع الأعضاء من حيث الخبرات والتجارب ووجهات النظر يثري النقاش داخل المجلس ويساعد على النظر إلى القضايا المحلية من زوايا مختلفة.
وأشارت إلى أن الفترات الماضية، كان للمرأة العُمانية حضور في العمل العام والمجتمعي، وأسهمت من خلال مشاركتها في طرح ومناقشة عدد من القضايا المرتبطة باحتياجات المجتمع والأسرة وجودة الحياة والخدمات والمبادرات الاجتماعية والتنموية. كما أثبتت المرأة في مختلف مواقع العمل قدرتها على تحمل المسؤولية والمشاركة في صنع القرار، والعمل جنبا إلى جنب مع الرجل لخدمة المجتمع.
وقالت: إن القضية اليوم لا ينبغي أن تقتصر على عدد النساء الموجودات في المجالس البلدية بقدر ما ينبغي أن تركز على جودة المشاركة وفاعليتها، وفي الوقت نفسه من المهم ألا نفقد الكفاءات النسائية القادرة على الإسهام.
وأكدت ميمونة الوهيبي أن المجتمع بحاجة إلى تشجيع المرأة المؤهلة وصاحبة الخبرة والرؤية على التقدم والمشاركة وتوعيتها على أهمية مشاركتها، وإلى تعزيز ثقتها بأن صوتها وخبرتها يمكن أن يصنعا فرقا حقيقيا في مجتمعها، فالمرأة ليست مجرد عنصر لرفع نسبة التمثيل، وإنما شريك في تحديد الأولويات وصناعة الحلول والمساهمة في تنمية الولاية والمحافظة ولن يفهم حقيقة تحديات المرأة إلا المرأة ذاتها. وكلما كان المجلس أكثر تمثيلا لتنوع المجتمع، كان أقرب إلى فهم احتياجاته وأكثر قدرة على تحويلها إلى مبادرات ومقترحات تخدم الجميع.
من جانبها قالت بدرية بنت محمد الناعبي مهتمة بالشأن الاجتماعي: إن مشاركة المرأة العُمانية في انتخابات المجالس البلدية مسؤولية وطنية وفرصة لصناعة أثر مستدام يعكس تطلعات المجتمع ويواكب طموحات الوطن.
الكفاءة الوطنية
وأكدت أن اختصاصات مجالس البلدية تتطلب كفاءات متنوعة ورؤى واعية تستوعب احتياجات المجتمع وتطلعاته، ومن هنا، فإن توسيع مشاركة الكفاءات النسائية في العمل البلدي يعزز تنوع الرؤى، ويمنح المجتمع مساحة أوسع للاستفادة من خبراته وطاقاته، لتكون المشاركة حضورًا مؤثرًا يسهم في تحويل الأولويات إلى مبادرات، والتطلعات إلى إنجازات ملموسة تخدم المحافظات وتواكب طموحات عُمان.
وبينت أن اختصاصات المجالس، وفقًا للمرسوم السلطاني رقم (126/2020) وتعديلاته، تشمل اقتراح المبادرات التنموية، وإبداء الرأي في المخططات العمرانية، ومتابعة المشروعات الخدمية، وتعزيز الاستثمار المحلي، ودعم الفئات المستحقة، وحماية البيئة، وتطوير الوجهات السياحية، ويبرز كذلك دورها في تعزيز المشاركة المجتمعية والحوكمة، من خلال بناء قنوات تواصل فاعلة بين المجالس والمواطنين، وتنظيم اللقاءات المجتمعية، ومتابعة المقترحات والشكاوى، وتعزيز الشفافية في طرح القضايا المحلية ومتابعة ما يُتخذ بشأنها من إجراءات.
وفي ختام حديثها أوضحت بدرية الناعبي أن المرحلة المقبلة تتطلب ترسيخ ثقافة اختصاصات المجالس البلدية المشاركة، بما يفتح آفاقًا أوسع أمام الكفاءات الوطنية النسائية لترك بصمة في مواقع التأثير وصناعة القرار.