إلا أنها تظل هي الضامن لأمن واستقرار الحالات النفسية التي يمر عليها وبها الفرد في نهاره وليله، والذي يتقاسمه مع الآخرين من حوله، فالمسألة ليست مقتصرة على درء المفاسد والتوقف عند هذا المستوى فقط، بل تمتد إلى ما أبعد من ذلك، والأبعد هنا هو شيوع الحالة الاطمئنانية عند الجميع؛ والتي مفادها أن حقه مصان، وأن أمنه مضمون ما دام هو يعيش بين حدوده؛ فالإيمان الصادق «الخوف من الله» والتوقف عندما تبدأ حرية الآخر، وعدم الخوض فيما لا يعنيه، والشعور بالمسؤولية الفردية والجمعية، واستحضار أمانة المسؤولية، والشعور بالعقاب المادي والمعنوي، كلها حدود متى تيقن الفرد بأهميتها في حياته، كانت له المآل الآمن للبقاء دون منغصات.
ولذا فالذين يستطيعون أن يكبحوا جماح أنفسهم أولئك الذين يحققون نجاحات كبيرة في مشروعهم الإنساني المبتلى دائما بهوى النفس المستجيبة لأي مثير يحفزها للقفز فوق الحواجز، والتطاول على كل ممنوع، فالرغبة الجامحة هي التي تحفزها على ذلك، وترى بغير السير عبر مسارات هذا الجموح سدا منيعا عن تحقيق هذه الرغبة أو تلك، وإن أدى ذلك إلى كثير من الإشكاليات الموضوعية في هذه العلاقة.
ومع ذلك تظل الحالة الآمنة مرتهنة وفق نجاح أو فشل هذا المعترك، ولذلك؛ غالبا؛ تبقى المشاكل، وعدم الاطمئنان تراوح مكانها في كثير من المواقف.
ويبقى السؤال: من يستطيع أن يصل إلى هذا المستوى من السلوك المثالي في مقابل نفس تحفزه على تجاوز الحدود، لتلبية مختلف الرغبات؟ ربما يجيب الدكتور عقيل حسين عقيل عن جزئية من ذلك: «البعض منهم يكون سلوكهم لأجل الدفاع عن الأنا بصرف النظر عن الحق والباطل أو الصواب والخطأ، وفي هذه الحالة تكون نظرة الفاعل لهذا السلوك نابعة من الأنا التي يعدُّها تمثل المركز»- انتهى النص -. والحقيقة أكثر وضوحا ليس فيما نملك، وإنما فيما يتوغل في نفوسنا من شعور الاطمئنان والرضا عبر محميات الحدود التي نحيط بها أنفسنا دون أن نصل إلى حدود الآخر.