في مرحلة زمنية معينة، كانت مادة التربية الاجتماعية في حقبة السبعينيات والثمانينيات أحد منافذ الخروج من المحلية إلى العالمية، في هذه المادة كانت هناك إطلالة عن المجتمع وما به من مؤسسات دولية، وأيضًا كانت وصفًا دقيقًا لما يواجه العالم من أخطار وأزمات مثل الجفاف والجوع والحروب.
والذاكرة وإن كان عطب السنين قد لامسها، إلا أنها لا تزال تحتفظ بدرس من دروس مادة "التاريخ" يتحدث عن نشأة وتأسيس "هيئة الأمم المتحدة"، والتي اتخذت من مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية مقرًا دائمًا لها، وللمعلومة فقط، فإن أبرز الأجهزة الرئيسية لها: الجمعية العامة، وهي عبارة عن الهيئة التداولية والتمثيلية التي تضم جميع الدول الأعضاء الـ193، ثم يأتي مجلس الأمن، وهو المسؤول عن صون السلم والأمن الدوليين، ويتكون من 15 عضوًا، بينهم 5 دائمين.
إضافة إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي المعني بتنسيق القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وهناك مجلس الوصاية الذي أنشئ لإشراف دولي على الأقاليم المشمولة بالوصاية (وعُلّق عمله في 1994)، ولا ننسى ذكر محكمة العدل الدولية، وهي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة ومقرها في لاهاي.
حتى وقت قريب، لم نكن نسمع كثيرًا عن هيئة الأمم المتحدة، لكن في الآونة الأخيرة، وما أثير حولها من شكوك في دورها، بدأنا نعي بعض الأدوار الخفية عنا، والتي سيفتقد ملايين البشر الدعم إذا توقف عملها نهائيًا.
في المدرسة، لم نكن نهتم في التفاصيل، بقدر ما كنا نريد أن نحفظ تاريخ النشأة وبعض التفاصيل البسيطة التي تخرجنا من مأزق الامتحان النهائي، فلا المكان والزمان والأهمية تدعونا لتبحر في عمل هذه الهيئة الدولية، لذلك كنا بعيدين عن معرفة الكثير من أسرارها والدور الذي تلعبه في حياة المجتمع العالمي، سواء "اختلف البعض أو اتفق عليها" في الوقت الراهن.
وعندما كبرنا، كبر معنا حب المعرفة وزاد الاهتمام في كشف وجوه غائبة عن مرمى حديث الماضي، عرفنا أن هذه الهيئة الأممية بها العديد من "الوكالات" التي تقوم بالعديد من البرامج المتخصصة، ولعلنا سمعنا الكثير عن إحدى هذه الوكالات خلال جائحة كوفيد-19 والتصريحات اليومية التي رافقت تلك الفترة، وهي "منظمة الصحة العالمية" التي تعنى بالصحة العامة، أيضًا لا يخلو حديث عن منظمة اليونيسف، والتي تختص بالرعاية وحماية الأطفال، إضافة إلى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وذلك لحماية اللاجئين والنازحين حول العالم، وهناك أيضًا منظمة اليونسكو المعنية بالتربية والعلم والثقافة.
إذا كان ذكر الحديث السابق معروفًا لدى البعض، لكنه يذكر الآخرين بأجهزة هذه الهيئة الدولية، الحقب الزمنية تتغير وتتشكل في مسارات مختلفة، وبما كان للإنترنت دور في ذلك، فكما يقال "العالم قرية صغيرة"، فالإنترنت استطاعت أن تقرّب الإنسان وإن اختلف مكان عيشه وتباعد مسار الوصول إليه في القارات المختلفة، إلا أنه أصبح بفضل التكنولوجيا الحديثة أكثر قربًا من الآخرين، ولهذا يؤثر الإنسان ويتأثر بكل الأحداث العالمية، في الوقت ذاته يواكب المستجدات الدولية.
وقلة منا من لا يعرف هيئة الأمم المتحدة، ولكن الكثير منا ليس مهتمًا في معرفة الأزمات التي تتعرض لها في الوقت الراهن، سواء على المستوى الهيكلي أو المالي وحتى السياسي.
ومنذ أيام قليلة بدأت وفود الدول بالحضور إلى أمريكا من أجل المشاركة في جلسات المناقشة العامة ضمن الدورة الـ81 للجمعية العامة، والتي شهدت جدلًا كبيرًا وزخمًا إعلاميًا جعلنا أكثر قربًا من المشهد الدولي.
ما يهمنا حاليًا ليس الانتقال السلس في رئاسة هذه المنظمة الأممية والأسماء التي ترشحت وتتنافس فيما بينها على مقعد الأمين العام، بقدر ما تواجهه هذه الهيئة من أزمات مالية جسيمة بسبب وجهة النظر للحكومة الأمريكية في جدواها، وأيضًا تأخذ حصول المنظمة على الأموال المستحقة لها من الأعضاء.
من أكثر الأمور التي استوقفتني وأنا أبحث كثيرًا في هذا السياق، جهود هيئة الأمم المتحدة من خلال برنامجها الذي يعمل في المجال الإنمائي وينتشر في ما يقرب من مائة وسبعين بلدًا وإقليمًا، ويساعد على القضاء على الفقر، والحد من أوجه عدم المساواة، وتعزيز القدرة على الصمود، حتى يتسنى للدول الحفاظ على مكتسباتها.
يبقى أن نشير -إلى ما قاله بعض المحللين والمختصين- أن هيئة الأمم المتحدة منذ تأسيسها تلعب دورًا محوريًا وقياديًا في الاستجابة للأزمات الإنسانية الناتجة عن النزاعات المسلحة، والكوارث الطبيعية، والأوبئة عبر شبكة واسعة من الوكالات المتخصصة، حيث تنسق جهود الإغاثة الدولية لتقديم المساعدات العاجلة وحماية المدنيين.
اذا انتهى دور الامم المتحدة في العالم فان ملايين البشر سوف يجدون انفسهم وحيدين في عالم لا يهتم كثيرا بمعاناتهم ، فكل الدعم الذي تقوم به المؤسسة الاممية واقع وملوس .