بدأ العالم ستيفن كوفي كتابه الشهير" العادات السبع للناس الأكثر فعالية" بمحور أساسي، وهو أن التغيير الحقيقي يبدأ بتغيير أنفسنا ونماذجنا الفكرية وطريقة رؤيتنا للأمور، لا بمحاولة إجبار الآخرين على التغيير.
كما أن الفلسفة الأساسية للتغيير دائما ما تبدأ من الداخل إلى الخارج (Inside Out).
وأوضح العالم ستيفن في كتابه "أن الإنسان لا بد أن يتعلم كيف يعتمد على نفسه، وأن يكون مستقلا بذاته، وكيف يتحمل المسؤولية كاملة.
ومن ثم ينتقل للتعاون مع الآخرين بعد صقل قدراته وتطويرها، حتى يكون وجوده مع المجموعة يحدث فرقا ملحوظا، ولا يكون متلقيا للأوامر والتعليمات فقط، فهنا تكمن نقطة بدء التغيير من أنفسنا".
وفي القرآن الكريم ذكر الله تعالى هذا الامر بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد، الآية 11).
وبالرجوع إلى كتب التفسير نجد أن الآية الكريمة توضح اشتراطا ربانيا عظيما، وهو أن الله تعالى لا يرفع نعمه عن إنسان، ولا يغير حاله من الأسوأ إلى الأفضل، أو من الأفضل إلى الأسوأ، إلا إذا بدأ هو بالسعي لتغيير ما في نفسه من "معتقدات، وأفكار، وسلوكيات، وأخلاقيات".
وأيقن تماما بأهمية الأمر الرباني بطلب الله من عباده بالسعي وراء متطلبات الحياة دون كلل أو ملل، ومن ضمنها تغيير أوضاعه، والسعي وراء الارتقاء بذاته، واختيار الأفضل والأصلح للنفس، والبحث عن ما يقوم مسار حياته.
أرى بأن الإنسان بيده القرار بالتغيير وإصلاح ذاته والرقي بنفسه، فنحن نجزم يقينا أن لا الحياة ولا القدر ظلمنا، بل بالعكس علمتنا الحياة ما ينفعنا وما يضرنا.
لذلك كانت الدعوة للجميع بان يرسم خطواته ويحدد مساراته نحو التغير، فالإنسان يمر بمراحل عمرية تشكل نقلة نوعية في مسيرته، فلو تأمل كل منا حاله لوجد الآتي: "كنت صغيرا فأخذت عائلتك بيدك،ثم طالبا علم وأكملت مراحل تعليمك، وها أنت اليوم تعمل موظفا في مكان ما.. وهنا تأتي مرحلة السؤال: كيف تريد أن تكون؟
في مجال عملك، قد تستطيع أن تكون شيئا مختلفا وترقى بنفسك، وتصل بها إلى مصاف الناجحين، وهذا مرتبط بتوفر عوامل مساندة منها تحديد قياس القدرات والطاقات والاشتغال على ركيزة تطوير الذات، وبإذن الله لن تخذلك نفسك من تحقيق النجاحات.
لو نظرنا إلى زاوية الموظف فإن الأصوات تنادي بألا يبقى على منهج واحد لكي يصبح ناجحا، فلا بد أن يكون لتطوير الذات دور في تجويده للعمل الذي يقوم به، وهذا يأتي أيضا من التوكل على الله في أموره، وليس متواكلا ينتظر من يأخذ بيده، باختصار نقول:" أنت فقط من يستطيع تغير ذاتك للأفضل".
لا ننكر بأن التوجيه له دور في حصول النجاحات، لكن الاعتماد على الذات هو مبعث النجاح ذاته، ونلاحظ بعض الموظفين ينتظرون من يأخذ بيدهم دون سعي ولا إدراك لما يدور حولهم. وإن وجدوا أنفسهم متأخرين عن الغير أشعلوا الفتن بين أقرانهم، وسعوا لإحباط الناجحين من حولهم.
الأجدر بك أن تعرف الفرق بينك وبين الآخرين، أيضا عليك أن تؤمن بقدراتك وتسعى أن تطور مهاراتك لتواكب من حولك وتنفرد بشخصيتك الذاتية، فالإنسان إذا قرر التميز والانفراد بنجاحه، توجب عليه أن يبحث عن مقومات النجاح التي تساعده على استخراج أفضل ما فيه من مهارات وقدرات، والبحث في أعماقه عن أفضل نسخة تختبئ في نفسه، وأن يختار من يقتدي بهم من الناجحين الذين صارعوا الحياة حتى يكونوا مثلا يحتذى بهم، وكانوا منارة يستنير بها غيرهم.
ودائما نقول إن من يألف النجاح لا يقبل بأن يكون من المتأخرين في كل مسارات حياته من "الألف إلى الياء"، لذلك علينا أن نستشعر أهمية المنافسة الشريفة التي من الممكن أن تخرج منا كوكبة من العظماء الذين سيكونون اليوم وغدا سفراء حقيقيين لأوطانهم ومجتمعاتهم.
ليس سرا أن نقول إنّ الإنسان الواعي عليه دائما أن يبحث عن المعرفة العلمية والعملية ليتقدم بثقة تامة، ويشعر أنه يقف على أرض صلبة، ويمشي واثق الخطى نحو القمة، ولا يتستر بستار الغير وراء شعوره بالضعف. فيجب ألا يقبل بأن يكون متأخرا، ولذلك يجب علينا ألا نقلل أبدا من قدراتنا وإمكانياتنا العظيمة في التعلم المستمر واكتساب مختلف المهارات الحياتية والمهنية.
أن الهمم العالية والسعي المستدام هو منّ يحفظ لنا تقدمنا وتألقنا في كل مجالات حياتنا، فلننظر بمن نقتدي ونسعى، ولا ننتظر من يستنهض فينا الهمم فالحماس يبلغ أوجه إذا بدأ من الأعماق.
وفي السياق هناك مثال -ربما يضحك البعض- وهو أن الكتكوت إذا حاولت كسر قشرة البيضة لتساعده على الخروج فقد تقتله، ولكن إذا كان الدفع من الداخل وبنفسه فإن خروجه للحياة سيكون مضمونا وبنجاح.
إذن بعد هذا القول علينا أن نضع لأنفسنا قاعدة تقول:" ابدأ بنفسك وارتق ثم التحق مع الغير وتميز".