أنا طالبة متفوقة بدراستي، لكنني قمت بتغشيش زميلات لي في المدرسة، تبت إلى الله، وانقطع تواصلي بهن، لكنني أشعر أن التعثر في دراستي الجامعية حاليًا هو عقوبة على ذلك الذنب، كيف تكون توبتي من تغشيش غيري وأنا لا أصل إليهن؟ وهل تعثري في دراستي الآن له علاقة بذلك؟

أما توبتها فتكون فيما بينها وبين الله تبارك وتعالى، أن تستغفر الله مما وقعت فيه، وأن تجتهد قدر استطاعتها في الإكثار من الصالحات بعد المحافظة على الفرائض، لا سيما في هذه الأيام الطيبة المباركة.

واليوم، بحمد الله تعالى، فإن من الوسائل التي يمكن أن يجبر المرء بها عما صدر منه من أخطاء، لا يعرف أصحابها، لا يعرف أهلها، وجدت اليوم وسائل بأن تقوم هي بنشر ما يدعو إلى التمسك بالاجتهاد والجد في الدراسة والتعلم، والبعد عن الغش وعن التغشيش، كأن تبعث رسائل يمكن أن تنشرها، فتصل إلى غيرها، عسى أن يستفيدوا، فيكون فعلها هذا كفارة ومحوًا لسابق ما صدر منها.

على أن الذي صدر فيما يتعلق بالتغشيش في الدراسة أيضًا، يعني الطلاب، لا ينبغي لهم أن يظنوا أن المدرسين والمدرسات، وأن الهيئات الإدارية والتدريسية في المدارس والمؤسسات التعليمية، أنهم لا يعرفون أمثال هذه الوسائل، وأنهم أحيانًا يتغاضون قصدًا، لكن لا يعني أن النجاح والدرجات، وما أُعطي كل طالب من نتائج، أنه ما قام وما تحصل عليه إلا من جراء ذلك التغشيش، لا.

وفي الهيئات الأكاديمية هذه النتائج لا تُبنى فقط على مجرد ورقة امتحان، وهذا أمر حسن في المؤسسات التعليمية، وإنما تُبنى على جملة من العوامل والمعايير، فلا حاجة إلى أن تضيق نفسها إلى هذا الحد، لا يعني أنها لم تقع في خطأ، وأن يستمرئ الناس الوقوع فيه، أن يستمر الناس أو طلبة العلم في الوقوع في الخطأ بالغش أو التغشيش، لا، وإنما لا نريد أيضًا أن يبلغوا هذا الحد من القنوط واليأس.

وهي إن اجتهدت بعد التوبة فيما بينها وبين الله تعالى، إن اجتهدت في النصح وبعث رسائل عن طريق هذه الوسائل، إما أن يكون من صنعها أو باختيارات هي تختارها لتنشرها مما ينفع ويفيد طلبة العلم، فذلك بإذن الله تعالى هو جهد طيب وعمل صالح، يزكي ما بينها وبين ربها تبارك وتعالى، ويخفف من وطأة ما تشعر به فيما وقعت فيه.

أما أن نقول في أمر أن يكون تأخرها في دراستها الآن إنما هو عقوبة، فهذا يعني رجمًا بالغيب، لا نستطيع أن نقوله، وإنما عليها هي أن تجتهد، وأن تجدّ في دراستها، وأن تصنع الذي أشرت عليها به فيما تقدم، وتنظر في أسباب تأخرها الآن أو تعثرها في دراستها الآن. قد يكون ذلك الشعور نفسه هو الذي أورثها شيئًا من الإحباط، فعليها أن تتخلص منه بما تقدم، أو أن تكون قد انتقلت من الجد والاجتهاد إلى شيء من الدعة والركون والإهمال، فلتراجع نفسها، ونسأل الله تعالى لها التوفيق والنجاح ولكل طلبة العلم، والله تعالى أعلم.

في المواجهة الفكرية المحتدمة بين نوح عليه السلام وقومه، يرد قوله تعالى: «أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ»، ما السر البلاغي في جمع ضمائر المتكلم والمخاطب والغائب في لفظ واحد: «أنلزمكموها»؟ وما نوع الاستفهام ومعنى الإلزام الوارد هنا؟

نبدأ بالسؤال الأخير، الإلزام، معنى الإلزام هو الإكراه على الملازمة، على المداومة على أمر ما، على تحمل أمر ما وقبوله، هذا هو الإلزام، وهو الذي يعني يفهمه الناس، وهو المقصود في الآية الكريمة، والاستفهام في قوله تعالى: «أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ» استفهام إنكاري، أي المقصود الإنكار عليهم.

فأما محل البحث الأوسع، فهو ما يتعلق بالضمائر، وتكلم المخاطب الغائب، ضمائر المتكلم في نون الجمع في أول الأمر، ثم المخاطبين في الكاف والميم: «أنلزمكم»، ثم الغائب هاء.

وهذا الجزء من الآية الكريمة ورد قبله: «قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ»، هذا يوضح أن الاستفهام إنكاري، ويؤخذ من معنى الآية الكريمة ما هو محل اتفاق من أن أمر قبول الهدايات والانصياع والاستجابة لأمر الله عز وجل، بقبول دينه، إنما هو أمر اختياري للمكلفين، لا يمكن أن يُكرهوا عليه ولا أن يُجبروا عليه، هذا هو معنى الآية الكريمة.

أما الجانب البلاغي، بل حتى الجانب الإعرابي، في قول الله تبارك وتعالى: «أَنُلْزِمُكُمُوهَا»، وقد اشتملت على هذه الضمائر، فمع ما ذكره المفسرون وعلماء العربية وأطالوا فيه النفس، إلا أن مردّ كل ما قالوه إلى حقائق بسيطة يسيرة، ليس فيها تعقيد، فنحن نعلم أن كلام الله عز وجل هو في ذروة البيان والبلاغة والإعجاز، ومن عوائد القرآن الكريم أنه لا يستعمل الاسم الظاهر في المواضع التي يمكن أن يغني فيها الضمير، إلا لحكمة.

فإذا أُمن اللبس، ولم يكن المعنى مشتبهًا باستعمال الإضمار بدل الإظهار، فإن القرآن الكريم لا يلجأ إلى الاسم الظاهر، فهنا لو أنه لجأ إلى الاسم الظاهر، إلى الأسماء الظاهرة، لطالت الجملة، وهذه الأسماء الظاهرة لو حلت محل الضمائر لما أدت إلى مزيد معنى، اللهم إلا مزيدًا من التعقيد في التركيب البنيوي للجملة القرآنية، وهذا يُنزّه عنه كلام البلغاء، فضلًا عن كلام رب العزة والجلال.

إذًا هذه هي القاعدة الأصلية، أنه لا إظهار في موضع الإضمار إذا كان الإضمار كافيًا لتوفية المعنى حقه، قد يكون هناك إظهار في موضع كان يمكن أن يغني فيه الإضمار، ولكن الله تبارك وتعالى أتى بالاسم الظاهر لأن هناك حكمًا ومعاني بلاغية تزيد من قوة المعنى أو تنفي شيئًا من اللبس.

وهذا تعرضنا له في شيء من مواضع سورة الكهف: «فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها»، «أهل قرية استطعما أهلها»، فهنا أتى بالاسم الظاهر مع أنه كان يمكن أن يُستغنى بالضمير، ويعني كان هناك بيان للحكمة من استعمال الاسم الظاهر، وإلا فالقاعدة أن مقتضى البلاغة وغاية البيان أنه لا يُعمد إلى الأسماء الظاهرة ما دام يمكن أن يُستغنى عنها بالضمائر التي يؤمن معها اللبس، وينتفي معها الاشتباه، وتزيد الجملة توفية للمعنى، وإيجازًا في المفردات والألفاظ.

إذًا هذه هي القاعدة، أصبحت واضحة، وبذلك ينتفي أي إشكال هنا؛ لأنه لو فُكّت، كما قلت، هذه الضمائر، وأُتي بالأسماء الظاهرة، لطالت الجملة، وما أدت إلى مزيد معنى، أما استعمال الضمائر، فهنا نوح عليه السلام ومن معه من المؤمنين يخاطبون هؤلاء المعاندين: «أنلزمكم» بالبيّنة التي منّ الله عز وجل بها علينا، والرحمة التي تنزلت علينا، أنلزمكم بها، أنلزمكم بالنعمة والرحمة، أو لنقل إن جامعة النعمة والرحمة الهداية، أنلزمكم أنتم أيها المخاطبون من قومنا بهذه الهداية وأنتم كارهون لها.

وقد قلنا إن الإلزام، الإلصاق، المداومة، الإكراه على قبول شيء ومداومته وملازمته، نفس هذا المعنى متحقق في الآية الكريمة، في هذه الصيغة: «أنلزمكموها»؛ لأنه كان يمكن أيضًا أن يفك الضمير، فيقال: «أنلزمكم إياها»، لكن لما أتى بها متصلة، يعني لم يجعل الضمير، ضمير الغائب، منفصلًا، وهو وجه إعرابي صحيح، وإنما جعله متصلًا؛ لأن المعنى هو مأخوذ من نفس، أي، أي بنية الكلمة تعين على تصور المعنى نفسه.

أضرب لذلك مثالًا: «فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ»، هذا التردد، الكبكبة، أنت ترى فيها التردي، والعياذ بالله، في دركات جهنم، والعياذ بالله، من سماع الكلمة، «إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا»، أنت ترى الحركة من نفس تكرار هذا المقطع: الزاء، اللام، الزاي، كأن الصوت يصف الحركة، كأنه يصف الحركة، فكذلك هنا هذا البناء الواحد للكلمة، جاءت متصلة، هو يعكس المعنى الذي يتحدث عنه القرآن الكريم، هو معنى المداومة والإلصاق وقبول الشيء، هذا وجه.

الوجه الثاني هو أنه جاء في سياق الاستفهام الإنكاري، الآن سياق الإنكار يحتاج إلى اختصار، لا يحتاج إلى إطالة في العبارات؛ لأن هذا الذي ينكر عليهم هو في سياق المعاتبة والتثريب، فيريد أن يوصل إليهم رسالة واضحة، يبين أنه ينكر عليهم ذلك، فيأتي ببنية الكلمة واحدة.

الأمر الثالث، وهو أن هذا أيضًا، هذا البناء المتصل في هذه الصيغة، يدل على الاشتباك الحاصل بين نوح عليه السلام وقومه، تعكس هذا التاريخ الطويل من الدعوة والإنكار، من تنويع الأساليب ومواجهة ذلك بالإعراض والإنكار والظلم والاستهزاء والسخرية ومنابذة نوح عليه السلام، فأن تأتي الصيغة أيضًا متشابكة، الضمائر، فهذا يعكس هذا المعنى، معنى التشابك والتداخل في دعوة نوح لقومه إلى قبول الحق، ومنابذة قومه لهذا الحق ولدعوة نوح عليه السلام. هذا والله تعالى أعلم.

وصل خمسة أشخاص مسافرون معًا إلى مسجد لأداء صلاتي المغرب والعشاء، اثنان منهم صلوا المغرب كاملة مع جماعة المسجد، وانتظر الثلاثة المتأخرون ليصلوا المغرب، ثم يلتحقوا معهم لأداء صلاة العشاء، فهل تصرفهم صحيح للانتظار؟ وكم حد الانتظار بين الصلاتين؟

اثنان منهم صلوا مع الجماعة الراتبة، وفرغوا من الصلاة، فانتظروا بقيتهم، وهم ثلاثة، ليصلوا المغرب، ثم يصلوا جميعًا العشاء جماعة، لا حرج إن شاء الله تعالى، مع هذه النية، ومع كونهم أيضًا لم يشتغلوا بما يصرفهم عن ذكر الله تبارك وتعالى، وكانوا في المسجد ريثما يصلي إخوانهم الباقون فريضة المغرب، ثم يصلوا بعد ذلك العشاء جماعة، فلا حرج عليهم إن شاء الله تعالى.

أما فيما يتعلق بمدة الانتظار، فالمسألة فيها خلاف طويل، فنظرًا لكونهم صادفوا قولًا يستند أيضًا إلى فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عليه الصلاة والسلام، بحضرته وإقراره عليه الصلاة والسلام في جمعهم للصلاتين، فلا حرج عليهم إن شاء الله تعالى.

ماذا أراد الله تعالى من استيقاظ أهل الكهف بعد هذه المدة الطويلة؟ وما الذي على المجتمع في تلك الفترة أن يفهمه من هذا الإعجاز، السورة كلها بما فيها من قصص في سورة الكهف؟

كلها تدل على تأييد الله عز وجل لعباده المؤمنين، وإكرامه لهم بإظهار دينه ونصر عباده المؤمنين الصالحين، وجعل ذلك آية للعباد أجمعين، ومما تتجلى فيه هذه المعاني قصة أصحاب الكهف، نعم، فكانوا فتية، كانوا شبابًا، لكنهم لم يغتروا بشبابهم، وكانوا في وسط بيئة موبوءة بأنواع من المنكرات والفساد والباطل والشرور، فلم يسلبهم شيء من ذلك، وإنما تمسكوا بدينهم، ولجؤوا إلى الله تبارك وتعالى، وسعوا إلى تغيير ما هم فيه في مجتمعهم، ولما لم يجدوا بدًّا إلا الفرار إلى حين هدوء الأمور، فإنهم فروا بدينهم إلى الله تبارك وتعالى.

وهذا يُفهم من قول الله تبارك وتعالى على لسان الفتية: «إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا». فوصل الحال إلى التهديد بإنزال أشد العقوبات عليهم، أو بردهم بالسعي إلى فتنهم عن دينهم الحق.

فلما بلغوا إلى هذه الحالة، فإنهم فروا بدينهم إلى حين هدوء الأمور، يتشاورون فيما بينهم، يضرعون إلى الله تبارك وتعالى أن ينجيهم، فكان إكرام الله عز وجل لهم بالمعجزة التي كان عليها، فأماتهم، فلبثوا في كهفهم بقدرة الله تبارك وتعالى ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعًا، ثم بعثهم ليكون في ذلك ما أراده الله تبارك وتعالى من إثبات مناصرته لعباده المؤمنين، وتأييده لهم، وتأييده لدعوة الحق، فكل هذه المعاني تتجلى في هذه القصة من سورة الكهف، والله تعالى أعلم.