وأنا أتجوّل في إحدى المكتبات في إحدى زياراتي المعتادة، استوقفني عناوين بعض الكتب، وما إن تصفحت بعضها حتى وجدت عذوبة غير عادية في طريقة الكتابة، فبعض الأفكار كانت عبارة عن مصنع متكامل للمعرفة، خاصة وأن كل فكرة تربطها بفكرة أخرى.


شغف القراء يجعلك تستزيد من علم الآخرين، وأحيانًا تقف عند بعض العبارات تحفظها أحيانًا، وترددها أحيانًا أخرى، ومن بين ما قرأت أو أعجبت من القول هو للأديبة "مدام ستايل" المعروفة أيضًا باسم جيرمين دي ستايل "ومن لا يعرفها فهي كاتبة وروائية وفيلسوفة ومنظّرة سياسية فرنسية سويسرية: "لو عرفت كل شيء لعذرت كل فرد"، عبارة موجزة لكنها تحمل معانٍ أعمق من عدد كلماتها.


يبدو أن تجارب الكتاب الكبار هي من تستحوذ على جل اهتمامي وتظل راسخة في الذاكرة، ففي إحدى المرات وقع نظري على مقولة أخرى ربما هي صلب هذا المقال وتقول "إنّما الناس بِحار فلا تحكم عليهم من شواطئهم وأنت لم تدخل إلى أعماقهم" وهذه المقولة تعود للمتصوف والفيلسوف الشهير شمس التبريزي "أستاذ جلال الدين الرومي.


أحيانًا المقولات الخالدة تظل تتنفس هواء الحياة حتى وإن رحلت أجساد قائليها وتحللت عظامهم منذ عشرات السنين، فعندما أبحر بسفينة الفكر في تلك المقولات تصل بي إلى أمر مهم ألا وهو أن المرء في حياته هذه يمر بصنوف من البشر، كل له أمره وخلجات نفسه، وسبيله الذي يسير فيه ويتعامل به مع الآخرين.


والمغزى من هذا القول أن الشخص العاقل من كان الأكثر عذرًا للناس تفهمًا للظروف، فيقول أحد الصالحين: "أوجد لأخيك سبعين عذرًا، وإن لم تجد له عذرًا، فقل: لعل له عذرًا".


والإنسان الواعي أو لنقل الحكيم، صاحب العقل الرشيد، وذو سعة في الفكر، هو من كان لأخيه عاذرًا، ويكون مسامحًا، ولا يحيد بفكره إلى الجانب السلبي لأي شخص معرض للخطأ نتيجة لموقف معين، والإنسان منا عليه أن يستذكر بعضًا مما حفل به التاريخ من قصص وعبر تركت لنا مجالًا للتفكر والتأمل وحسن التقدير في بعض الأمور، ومن بين ما يستحضرني ذكره في هذا المقال هو "قصة الفلاح" الذي غاب فأسه ذات يوم، وبحث عنه ولم يجده، فشك في جاره، عندما رآه خارجًا بالأمس، وفي خضمّ اشتغال هذا الشخص في المساء بحقلِه وهو يحصد المحاصيل ويجمع القشّ، وجد الفأس وقد غطته بعض الحشائش، وقد كان قبل ذلك هو نفسه من اتّهم جاره في بداية الأمر، فقال مخاطبًا نفسه نادمًا على ذلك التفكير: لم يكن جاري السارق، بل كنت أنا عندما اتّهمته بذلك الأمر وهو بريء من ذلك.


الله سبحانه وتعالى أيضًا أمرنا بأن نحسن الظن بالآخرين، فيقول الله تعالى في كتابه العزيز: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مَّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ" [سورة الحجرات: الآية 12].


فالإنسان الطيب هو دائمًا يسعى إلى تقديم الخير، وبالمقابل يلتمس العذر لغيره إذا أخطأ في المواقف، وذلك بأن يتجاوز عن زلات من حوله من البشر، ولعل تلك الخطيئة التي أبداها تكون لأمر قاهر، أو أمر أجبره على ذلك ودفعه لفعله، فلا تدخل في بواطن الناس، ولو عرفت ما فيهم من ظروف لعذرتهم قبل أن تعيبهم أو تستنكر أعمالهم، ولهذا من الواجب أن تكون الحكمة والتأني هما طريقًا نحو استيضاح أو تبيان الأمور قبل الحكم النهائي عليها.