تتزامن تهيئة الرأي العام لتدشين «اليورو الرقمي» مع مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمان.

يذهب صناع الهلع الذين يأملون التربح عبر استغلال مخاوف الناس إلى الادعاء بأن السلطات تسعى لـ«قتل الحرية المالية» عبر خلق عالم جديد خال من الكاش، يمنح المؤسسات المالية الرسمية قدرة أعلى على الضبط والرقابة، وتحكما بتحرك الأموال.

ثم يحاولون بيعك شيئا متعلقا بالذكاء الاصطناعي يُقدم الوعود بالحرية والخصوصية والثراء.

عليّ الاعتراف أن اهتمامي بالموضوع -الذي لا يسهل فهمه على الجاهلين بعالم المال من أمثالي- يأتي تحديدا من احتمال أن يأتي التبني الرسمي للعملات الرقمية بأدوات جديدة لعالم يميل أكثر فأكثر للتسلط والرقابة والفاشية.

وبين صُنّاع الهلع المتنفعين، والمؤسسة الحكومية التي تدعي انتصارها للصالح العام، أحاول معكم فهم ما يعنيه الأمر، دون المبالغة والتسرع في التخويف أو الطمأنة.

نجري اليوم معاملاتنا المالية بإحدى الطريقتين: عبر النقد أو إلكترونيا عبر النقد الإلكتروني (عندما تستخدم بطاقتك للدفع، أو تطبيقك البنكي للتحويل مثلا). يُقَدم اليورو الرقمي باعتباره شكلا إضافيا للتعامل المالي.

تُعرف صفحة المشروع اليورو الرقمي -على موقع البنك المركز الأوروبي - بأنه عملة رقمية تصدر عن البنك المركزي وهي معادل إلكتروني للنقد (الكاش). لكن ما الذي يُقصد بالعملة الرقمية؟ أهي عملة مشفرة؟

العملات المشفرة (Cryptocurrency) عملة إلكترونية بديلة للعملات النقدية، تُستخدم في التبادل الافتراضي، غرضها حماية التعاملات، جعل التحكم بالعملة غير مركزي.

وميزات العملات المشفرة هي عيوبها، فهذه اللامركزية تجعل سعر العملة متذبذبا، أعني أنها ليست مشكلة إن كنت من الأثرياء المتنفعين من هذا التذبذب، بل من يصنعونه عن قصد بهدف التلاعب المربح بالأسواق. لكن الحكومات لا يُمكنها الاعتماد على شيء غير مستقر كهذا، أيا تكن الفرص التي تراها في هذه التكنولوجيا، أو الضرورة لتبنيها.

من هنا جاءت فكرة العملات الرقمية المدعومة وثابتة القيمة. العملات المستقرة (Stablecoin) نوع من العملات المشفرة التي تُربط بعملات ورقية مثل الدولار، أو المعادن الثمينة.

تؤكد لنا صفحة المشروع أن اليورو الرقمي ليس عملة مشفرة؛ لأن البنك المركزي يتحكم به، وأنه مضبوط بحيث يكون سعره معادلا لليورو. وتؤكد أيضا أنه لا يعتمد على تقنيات العملات المشفرة (سلسلة الكتل Blockchain).

ما يعني أنه لا يمكن عده عملة مستقرة أيضا. يبقى السؤال إذن قائما، بماذا يختلف التعامل باليورو الرقمي عن النقد الإلكتروني القائم الذي نعرفه ونتعامل به؟

بدأ مشروع اليورو الرقمي في أكتوبر 2025، وهو الآن في الطور التشريعي، ويُتوقع أن يبدأ التدشين التجريبي في وقت مبكر من عام 2027، على أن يبدأ إصدار العملة في وقت ما من عام 2029.

يعمل الدفع الإلكتروني الذي نعرفه بالاعتماد على نظام يُسمى «مخطط بطاقات الائتمان العالمية» مثل فيزا وماستركارد.

بينما سيعمل اليورو الرقمي عبر نظام أوروبي يستغني عن الأنظمة الدولية، التي تتحكم بها المؤسسات أو الشركات الأمريكية. وهكذا، ربما يكون من الأسهل -لنفهم الأمر- أن نفكر باليورو الرقمي ليس باعتباره عملة، بل نظام دفع.

وهو امتداد لنزعة السيادة المالية الذي تنبهت له الدول بعد العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على روسيا إثر حربها مع أوكرانيا، التي بدأت في 2014 قبل أن تتحول لغزو في 2022. طورت روسيا في 2015 نظام مدفوعات وطني يُتيح لها تنفيذ المعاملات المالية الإلكترونية، كالشراء ودفع المرتبات والمعونات على الأراضي الروسية، على نحو مستقل عن الشبكات العالمية.

باختصار، فاليورو الرقمي وسيلة دفع إلكتروني أشبه بنظام «مال» هنا في عُمان، والذي اعتمدته البنوك مؤخرا. والعملات الرقمية (وليس العملات المشفرة) تُصدر بالطريقة نفسها التي تُصدر بها العملات الورقية، ويُمكن التعامل معها عبر تطبيقات البنوك التجارية أو المحافظ الإلكترونية. ولعل التفكير بها كنظام وليس عملة يُسهل علينا فهم دورها والغرض منها.

وكما هو الحال مع معظم المشاريع الأوروبية من هذا المستوى، يُمنح الكثير من الوقت للعمل البيروقراطي والتشريعي والتنفيذي. فبينما تعمل أنظمة الدفع والعملات الرقمية منذ فترة في كثير من دول العالم - سواء بشكل نافذ أو على نحو تجريبي، من بينها دول ذات اقتصادات كبيرة مثل الصين والهند - ما يزال الاتحاد الأوربي في طور الإعداد والتشريع لهذا المشروع الذي يحقق سيادتها المالية ضمن حدودها.

يؤكد البنك المركزي الأوروبي أن اليورو الرقمي لن يستبدل النقد، وأنه فوق ذلك سيمنح إمكانية إجراء المعاملات المالية الإلكترونية حتى في غياب الإنترنت والكهرباء، وأن تفاصيل المعاملات التي تُجرى دون الاتصال بالإنترنت محمية من اطلاع أي أطراف أخرى غير المشتري والبائع، إلا أن مزودو خدمة الدفع يُمكنهم تحديد هوية المستخدمين في حال إجراء المعاملة مع الاتصال بالإنترنت (كما هو الحال مع المعاملات النقدية الإلكترونية اليوم) بغرض مكافحة غسيل الأموال.

يصعب التكهن بمستقبل وآثار تبني الدول للعملات الرقمية وأنظمة الدفع المحلية المستقلة، إلا أنه في ظل الظروف وطريقة العمل الحالية، لا يبدو أن تبني الأنظمة المحلية يهدد الخصوصية أو الأمان بشكل خاص.

ولا تزال الشبكات الدولية للدفع (مثل فيزا) ضرورية للتحويلات والمعاملات الدولية، أو لعمل بطاقتنا المحلية خارج بلداننا.