واشنطن"د. ب. أ": على الرغم من نص الدستور على الطابع السلمي للدولة منذ الحرب العالمية الثانية، شهدت اليابان خلال السنوات الأخيرة نموا في قدراتها العسكرية بصورة لا تصدق.
فقد ضاعفت طوكيو ميزانيتها العسكرية تقريبا، واشترت صواريخ بعيدة المدى قادرة على ضرب أهداف عسكرية في كوريا الشمالية وغيرها من الدل، ووقعت اتفاقيات تسمح لها بنشر قواتها المسلحة في الخارج، وشاركت بأدوار قتالية ضمن تدريبات عسكرية متعددة الأطراف، بل ورفعت الحظر عن تصدير الأسلحة.
ويقول ديفيد ساكس الباحث الزميل في برنامج الدراسات الآسيوية بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي ونيك سنايدر الباحث الزميل بمعهد هديسون في تحليل مشترك نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية إن استراتجية اليابان الجديدة تصب في مصلحة الولايات المتحدة؛ إذ أنها لا تستهدف ابتعاد طوكيو عن تحالفها مع واشنطن أو السعي نحو استقلالية استراتيجية، بل تعمل على تعزيز متانة القوة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
لذا ينبغي على الولايات المتحدة المساعدة في تسريع هذه التحولات، لأن وجود يابان قوية ووثيقة الارتباط بالولايات المتحدة وحلفائها وشركائها في منطقة آسيا، التي تمتلك بقدرات هائلة وتتبنى نهجاً حازماً وجريئاً.
وتوفر اليابان للولايات المتحدة وسيلة لحماية مصالحها الحيوية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بتكلفة أقل بكثير ومخاطر أدنى مما كان سيتعين على واشنطن تحمله لولا وجود اليابان القوية.
- إهدار الفرصة الثمينة -
ويرى ساكس مؤلف كتاب "الواقعي: هانز مورجينتاو وهدف القوة الأمريكية" المنتظر صدوره قريبا، وسنايدر الذي عمل مديرا لإدارة اليابان في وزارة الخارجية الأمريكية سابقا في تحليلهما المشترك أن الولايات المتحدة تواجه خطر إهدار هذه الفرصة الثمينة بسبب عدم إعطاء العلاقات مع اليابان أولوية على جدول أعمال السياسة الخارجية الأمريكية.
ففي نوفمبر 2025، أدلت رئيسة الوزراء اليابانية "ساناي تاكايتشي" بتصريحات حول استعداد بلدها للدفاع عن تايوان في مواجهة أي تهديد صيني فعلي، مما دفع بكين إلى شن حملة ضغط هائلة ضد طوكيو، بما في ذلك تقييد تصدير معادن الأرض النادرة لليابان، وتعليق استيراد المأكولات البحرية اليابانية. ورغم أن تصريحات "تاكايتشي" تتماشى مع توجهات السياسة الأمريكية، اختارت واشنطن عدم الدفاع عنها بالقوة اللازمة في العلن.
وفي مايو 2026، أبلغت واشنطن طوكيو بأنها ستؤجل تسليمها صواريخ "توماهوك" -التي كانت قد اشترتها قبل أكثر من عامين- بسبب الحرب الأمريكية ضد إيران؛ وفي أغسطس الماضي نقلت واشنطن مؤقتا حاملة الطائرات الوحيدة المنتشرة بشكل دائم خارج الولايات المتحدة من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط.
ورغم ذلك تتجاوز اليابان هذه المواقف الأمريكية وتواصل الاستثمار في شراكتها مع الولايات المتحدة، إذ لا تملك حليفا بديلا أفضل من واشنطن. ومع ذلك، لا يمكن التسليم باستمرار التحالف الأمريكي الياباني إلى الأبد، حيث قد تدفع السياسة الأمريكية الحالية اليابان إلى خفض سقف طموحاتها بشأن هذا التحالف.
معنى ذلك أن العلاقات الأمريكية اليابانية تقترب من نقطة تحول مفصلية؛ إذ إن عدم الاهتمام الأمريكي بهذا التحالف، وما يصاحبه من استخفاف بطوكيو، قد يؤدي إلى انكماش نفوذ الولايات المتحدة وقوتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. لذا، يتعين على الولايات المتحدة أن تثبت بوضوح رغبتها في إقامة تحالف أمريكي ياباني أكثر طموحا، وأن تعمل على توسيع نطاق التعاون الاقتصادي والعسكري مع واشنطن قبل فوات الأوان.
في الوقت نفسه اضطر القادة اليابانيون إلى إعادة النظر في المعادلة التي أُرسيت في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بعد سلسلة من الصدمات الخارجية خلال العقدين الماضيين.
ففي عام 2010، ومع تصاعد التوترات بشأن جزر "سينكاكو" المتنازع عليها (والمعروفة في الصين باسم جزر "دياويو")، فرضت بكين حظرا غير رسمي على صادرات معادن الأرض النادرة إلى اليابان، مما كشف عن استعداد الأولى لاستخدام سلاسل التوريد كأداة ضغط جيوسياسي، إلى جانب مدى انكشاف اليابان أمام أدوات الإكراه التي تمتلكها بكين.
ومع تقاعس واشنطن عن كبح مساعي الصين لعسكرة الجزر والشعاب المرجانية في بحر الصين الجنوبي، بدأت اليابان تشكك في مصداقية الالتزامات الأمريكية.
ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 ليثبت استعداد القوى العظمى لاستخدام القوة لإعادة رسم الحدود الإقليمية. كل ذلك قاد طوكيو تدريجياً إلى قناعة بضرورة الاستثمار في قدراتها الذاتية وتحمل مسؤولية أكبر في حماية مصالحها.
- إحياء "التحالف الرباعي"-
ومنذ عام 2016، انتهجت اليابان استراتيجية تعرف باسم "منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة"، والتي تهدف إلى ربط الدول الواقعة على امتداد المحيطين الهندي والهادئ بالتزام مشترك بسيادة القانون، وحرية الملاحة، والتجارة الحرة.
كما عملت اليابان مع الولايات المتحدة على إحياء "التحالف الرباعي" (كواد) الذي يجمع أستراليا والهند واليابان والولايات المتحدة، ويركز على تحسين رصد الأنشطة البحرية غير القانونية وحماية الكابلات البحرية.
ومنذ عام 2022، وقعت اليابان اتفاقيات "الوصول المتبادل" مع كل من أستراليا والفلبين وبريطانيا والتي تتيح العسكريين التدريب والمشاركة العمليات الميدانية في أراضي بعضهم البعض؛ وقد مهدت هذه الاتفاقيات الطريق لمزيد من التعاون العسكري.
ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، أرسلت اليابان 1400 جندي للمشاركة في مهام قتالية ضمن المناورات العسكرية المشتركة السنوية بين الولايات المتحدة والفلبين في وقت سابق من العام الحالي.
وأطلقت القوات اليابانية المشاركة في هذه المناورات صاروخاً من طراز "أرض-سفن" من الأراضي الفلبينية، في خطوة لم تحدث منذ حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي ظل كل ذلك أصبح احتمال تعديل المادة 9 من الدستور الياباني -التي تنبذ الحرب وتحظر امتلاك جيش نظامي تقليدي- واردا بعد أن ظل لعقود أمرا محظوراً أو من المحرمات السياسية في طوكيو.
في المقابل لم تبذل الولايات المتحدة جهدا يُذكر للترحيب بالتحول في سياسة اليابان، كما لم تتخذ أي خطوات لتهدئة منطقة تسودها حالة من القلق.
فبالإضافة إلى تأخير تسليم شحنات الصواريخ لطوكيو وسحب حاملة طائراتها من المنطقة، قلصت الولايات المتحدة أو ألغت مناورات عسكرية مشتركة مع كوريا الجنوبية.
كما علقت صفقة أسلحة كبرى مع تايوان. وخلال مشاركته في منتدى "حوار شانجريلا" بسنغافورة في مايو الماضي، أغفل وزير الدفاع بيت هيجسيث ذكر تايوان في كلمته، -وهي المرة الأولى التي تغيب فيها تايوان عن خطاب كهذا منذ عقد من الزمن- مما أثار مزيداً من الشكوك حول قوة الالتزام الأمريكي تجاه تايبيه.
-تقديم تنازلات كبرى-
ولا يعني التزام اليابان بتحالفها مع الولايات المتحدة وسعيها لتعزيزه، تشجيع واشنطن على التراخي في التعامل مع هذا التحالف.
فبدون دعم مستمر من واشنطن، ستضعف العلاقات الأمريكية اليابانية، مما يحرم الولايات المتحدة من أفضل حليف لها في المنطقة الأكثر أهمية وتأثيرا في العالم.
وإذا أقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تقديم تنازلات كبرى لبكين بشأن وضع تايوان، أو سحب القوات من كوريا الجنوبية، أو رفض الدفاع عن الفلبين في أي مواجهة مع الصين للسيطرة على بحر الصين الجنوبي، فلن يكون أمام اليابان خيار سوى التفكير في إعادة توجيه سياستها الخارجية بعيدا عن الولايات المتحدة.
أيضا إذا شعرت اليابان بأنها لم تعد تستطيع الاعتماد على مظلة الأمن الموسع الأمريكية، فقد تسعى لتطوير ترسانة نووية خاصة بها، في مواجهة ترسانات الصين وكوريا الشمالية وروسيا.
كما ستجد اليابان نفسها مضطرة لتحصين نفسها ضد أي ابتزاز نووي من خصومها المجاورين. وإذا بدأت اليابان تطوير ترسانتها النووية، فلن تتأخر كوريا الجنوبية عن اللحاق بها، الأمر الذي يحول المنطقة إلى برميل بارود نووي.
ثم إذا قررت اليابان عدم استضافة أعداد كبيرة من القوات الأمريكية، ستفقد واشنطن أهم موطئ قدم لها في المنطقة، مما يقلص قدرتها على استعراض قوتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وضمان بقاء الأسواق الحيوية مفتوحة.
ورغم أن الولايات المتحدة قد تلجأ إلى نشر المزيد من القوات في جزيرة جوام أو السعي للحصول على تسهيلات عسكرية أكبر في أستراليا، فإن هذه المواقع بعيدة نسبيا عن بؤر الصراع المحتملة -وتحديداً تايوان وبحر الصين الشرقي- كما أنها ستقلص الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة للرد على أي تهديدات إقليمية.
أخيرا، تثير الإشارات المتضاربة الصادرة عن واشنطن بشأن مستقبل تحالفها مع اليابان تساؤلات في أرجاء آسيا حول مستقبل النفوذ الأمريكي في المنطقة. وتتمثل إحدى طرق تبديد المخاوف من احتمال تراجع الدور الأمريكي فيها، في وضع مسار طموح لهذا التحالف الاستراتيجي البالغ الأهمية.
وإذا كانت اليابان تربط مستقبلها بالولايات المتحدة حتى الآن، فإن استمرارها في هذا المسار مرهون بأن تختار الولايات المتحدة أيضاً التحالف مع اليابان بشكل علني وصريح.
معنى ذلك أن واشنطن تمتلك فرصة نادرة للارتقاء بهذا التحالف الحيوي إلى آفاق جديدة؛ أما إذا سمحت الولايات المتحدة باضمحلال هذا التحالف وتآكله، فإنها ومعها طوكيو والمنطقة بأسرها ستتكبد خسائر فوق الاحتمال.