"عمان": حين تلتقي الدبلوماسية بالرياضة، تتسع مساحة الحديث لتتجاوز البروتوكول الرسمي، وتفتح أبوابًا للذاكرة والتجربة والانتماء.

ومن جدة، عروس البحر الأحمر، كان الحديث مع سعادة سالم بن محمد بن خليفة البوسعيدي، القنصل العام لسلطنة عُمان في جدة، مختلفًا في تفاصيله، جامعًا بين الحضور الدبلوماسي والشغف الرياضي والذاكرة الخليجية.


فالرجل الذي مارس كرة القدم وكرة اليد في سنواته الأولى، ورافق الرياضة في محطات متعددة من مسيرته العملية، وجد في استضافة جدة لبطولة كأس الخليج «خليجي الديار العربية 27» مساحة لاستعادة الذكريات، والحديث عن الرياضة بوصفها لغة تتجاوز الحدود، وتقرب الشعوب، وتجمع أبناء الخليج تحت مظلة واحدة.


وفي حوار امتد إلى أكثر من محطة، تحدث سعادته عن البطولة وأهميتها، والعلاقات العُمانية السعودية، وذكرياته مع الرياضة، وتجربته في إدارة البعثات الرياضية، إلى جانب رؤيته لحضور منتخبنا الوطني في البطولة، ورسالة تقدير وجهها للجماهير العُمانية التي شدت الرحال إلى جدة خلف الأحمر.


عرس خليجي يجمع الأشقاء
يؤكد سعادة سالم البوسعيدي أن بطولة كأس الخليج لم تعد مجرد منافسة على المستطيل الأخضر، وإنما تحولت إلى مناسبة خليجية جامعة، تلتقي فيها الجماهير والأشقاء، وتتجدد من خلالها مشاعر المحبة والتواصل بين أبناء المنطقة.


ويقول إن استضافة جدة للنسخة الحالية من البطولة تمنحها خصوصية مختلفة، مشيرًا إلى أن «خليجي 27» تجمع المنتخبات الخليجية الثمانية في أجواء يسودها الود والمحبة والتنافس الرياضي، بعيدًا عن الحسابات المرتبطة بالفوز والخسارة.


ويرى أن بطولة الخليج تتمتع بمكانة خاصة في وجدان الجماهير الخليجية، لما تمثله من إرث رياضي واجتماعي، مؤكدًا أن استمرار مثل هذه البطولات يعزز التواصل بين دول المنطقة، ويمنح الرياضة الخليجية مساحة رحبة للالتقاء والتقارب.


ويضيف أن لكل دولة تستضيف كأس الخليج رونقها الخاص، من خلال حفاوة استقبال الأشقاء، والفعاليات المصاحبة، والأجواء التي تعكس خصوصية البلد المضيف ومكانته، وهو ما يجعل البطولة في كل نسخة حكاية جديدة تحمل الكثير من التفاصيل والذكريات.


علاقات راسخة تتجاوز الجغرافيا
وعندما ينتقل الحديث إلى العلاقات العُمانية السعودية، يؤكد سعادة القنصل العام أنها علاقات راسخة ومتميزة، تستند إلى إرث تاريخي وحضاري مشترك، وتزداد رسوخًا في ظل القيادة الحكيمة في البلدين الشقيقين.


ويشير إلى أن سلطنة عُمان تتمثل دبلوماسيًا في المملكة العربية السعودية من خلال سفارتها في العاصمة الرياض، إلى جانب القنصلية العامة في جدة، التي تتمتع بموقع مهم بحكم مكانة المدينة الجغرافية والدينية والاقتصادية.


ويصف جدة بأنها مدينة لا تهدأ، وتظل حاضرة في مختلف المناسبات، مشيرًا إلى موقعها على البحر الأحمر، وقربها من مكة المكرمة والمدينة المنورة، وما يمنحها ذلك من خصوصية ومكانة متفردة.


ولا يبتعد سعادة سالم البوسعيدي كثيرًا عن الرياضة عندما يستعيد سنواته الأولى، إذ يؤكد أن علاقته بالمجال الرياضي بدأت منذ الصغر، حين مارس كرة القدم وكرة اليد إلى جانب عدد من الألعاب الرياضية الأخرى.


هذه العلاقة لم تتوقف عند حدود الممارسة، بل امتدت لاحقًا إلى الجانب الإداري والتنظيمي، حيث تشرف في مراحل مختلفة من مسيرته بالعمل عضوًا منتدبًا في وزارة الثقافة والرياضة والشباب واللجنة الأولمبية العُمانية.


كما تولى مهمة مدير البعثة الرياضية في دورة التضامن الإسلامي التي أقيمت في الرياض، ثم تشرف قبل عامين بإدارة البعثة الرياضية العُمانية في دورة الألعاب الرياضية التي أقيمت في الصين.


ويرى أن هذه التجارب صنعت له رصيدًا متنوعًا من الخبرات، وجمعت بين أجواء العمل الدبلوماسي والرياضي، ورسخت لديه قناعة بأن الرياضة ليست مجرد منافسة، وإنما وسيلة فاعلة للتقارب بين الشعوب والدول، وجسر للتواصل الإنساني يتجاوز نتائج المباريات.


شباب يصنعون المستقبل
وعن منتخبنا الوطني في «خليجي ٢٧»، يتحدث سعادة القنصل العام عن انطباعه الأول بعد وصول بعثة الأحمر إلى جدة، مؤكدًا أنه تشرف باستقبال المنتخب، ولاحظ الروح المعنوية العالية التي بدت على اللاعبين وأعضاء البعثة.


ويشير إلى أن الجهاز الفني بقيادة المدرب المغربي طارق السكتيوي منح الفرصة لعدد من العناصر الشابة الواعدة، التي يرى أنها تمثل جزءًا مهمًا من مستقبل المنتخب، لافتًا إلى أن المدرب يعمل وفق رؤية وخطة مستقبلية يمكن أن تسهم في الارتقاء بمستوى الأحمر خلال المرحلة المقبلة.


ويؤكد أن المشاركة في خليجي ٢٧ تمثل محطة مهمة للمدرب واللاعبين، ليس فقط باعتبارها منافسة خليجية، وإنما بوصفها جزءًا من عملية إعداد أكبر للاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمتها كأس آسيا وكأس العالم.


وفي هذا السياق، يدعو سعادته إلى منح الجهاز الفني واللاعبين مساحة من الصبر والثقة، مع ضرورة أن يقابل ذلك بالجدية وتحمل المسؤولية والعمل المتواصل، حتى يتمكن المنتخب من تقديم الصورة التي تتطلع إليها الجماهير العُمانية في الاستحقاقات المقبلة.


ويرى سعادة القنصل العام أن الجماهير تمثل أحد العناصر المهمة في مسيرة المنتخب، مشددًا على أهمية الحضور الجماهيري، إلى جانب دعم الجهات الحكومية والخاصة للرياضة والمنتخبات الوطنية.


ويؤكد أن الرياضة اليوم لم تعد مسؤولية طرف واحد، وإنما أصبحت منظومة متكاملة تحتاج إلى تكاتف الجميع وتعاونهم، سواء من المؤسسات أو القطاع الخاص أو الجماهير، حتى تتوافر البيئة المناسبة أمام المنتخبات والرياضيين لتحقيق طموحاتهم.


وفي رسالة خاصة إلى الجماهير العُمانية التي وصلت إلى جدة، يوجه سعادة سالم البوسعيدي كلمات الشكر والتقدير لكل من تحمل عناء السفر وقطع المسافات للوقوف خلف الأحمر.


ويشيد بالحضور الجماهيري العُماني، خصوصًا أن البطولة جاءت في منتصف الأسبوع، معتبرًا أن وصول الجماهير إلى جدة يعكس عمق ارتباطها بالمنتخب وحرصها على مؤازرته في مختلف الظروف.


ويؤكد أن أبواب القنصلية العامة لسلطنة عُمان في جدة مفتوحة لخدمة الجماهير العُمانية، وأن العاملين فيها موجودون لخدمتهم في أي وقت، متمنيًا أن تشهد المباريات المقبلة حضورًا عُمانيًا أكبر.


ويقول إن الجمهور العُماني المحب للرياضة والمنتخب سيظل حاضرًا، وهي الصورة التي اعتاد الجميع رؤيتها من جماهير عُمان الوفية، التي تستحق التقدير والاحترام على وقفتها المستمرة خلف المنتخب.


منافسة مفتوحة حتى النهاية
وعند الحديث عن هوية المنتخب القادر على التتويج باللقب، يفضل سعادة القنصل العام ترك باب المنافسة مفتوحًا أمام جميع المنتخبات، مؤكدًا أنه يتابع البطولة من خلال المواقع والقنوات الرياضية، ومتمنيًا في الوقت ذاته أن ينجح منتخبنا الوطني في تحقيق اللقب للمرة الثالثة في تاريخه.


وأشار إلى أن المنتخبات الثمانية دخلت البطولة بطموحات مختلفة، مستشهدًا بالمنتخب السعودي المستضيف وما يملكه من دعم جماهيري، إلى جانب المنتخبين العراقي والقطري اللذين يملكان تجارب بارزة في المشاركات العالمية، فضلًا عن المنتخب الكويتي صاحب التاريخ العريق في البطولة وألقابه العشرة.


كما يتوقف عند المنتخب اليمني وطموحه، والمنتخب الإماراتي وما شهده من تطور خلال الفترة الأخيرة، مؤكدًا أن جميع المنتخبات تمتلك دوافعها الخاصة، وأن كل منتخب يسعى إلى إسعاد جماهيره وتحقيق اللقب.


ويرى سعادة سالم البوسعيدي أن قيمة «خليجي ٢٧» لا تتوقف عند حدود النتائج، وإنما تمتد إلى ما تصنعه البطولة من لقاءات وذكريات وتجارب جديدة، مؤكدًا أن الرياضة ستظل إحدى أهم المساحات التي تجمع أبناء الخليج، وتمنحهم فرصة متجددة للاحتفاء بالمنافسة وروح الأخوة في آن واحد.