القرارات المجتمعية المصيرية لا يجب أن تكون في يد مسؤول واحد، ولا في يد جهة واحدة، هناك مجلسان في البلاد يقومان بأدوار تشريعية: مجلس الدولة ومجلس الشورى، وهما يمثلان الشعب، سواء بالتعيين أو الانتخاب، وهما سلطتان مكملتان لدور الحكومة، وواسطة العقد بينها وبين الشعب؛ لذلك يجب أن تمر بعض القرارات التي تهم الشعب عليهما كمجلسين مرتبطين بصوت المواطن، ويعملان مع الحكومة لتقليل أي نوع من أنواع الاحتقان في الشارع.

والحقيقة أن جلّ أداء هذين المجلسين أصبح مقصورًا على جلسات (مناقشات) الوزراء، واستعراض ميزانية الدولة، بينما تصدر الكثير من القرارات التي تمس المواطن دون أن تمر على المجلسين باعتبارها (قرارات وزارية) لا دخل للمجلسين بها!! وحين تخرج القرارات للعلن ويبدأ المواطن بالتذمر، وتعج وسائل التواصل بالنقد والصراخ قد يقوم حينها بعض الأعضاء بطلب مناقشة أحد المسؤولين في الوزارة للاستيضاح حول القرار، ثم تقديم (التوصيات) التي قد لا تلتفت لها الوزارة بعد فوات الأوان.

ولذلك من المهم أن يعاد النظر في دور مجلسي الدولة والشورى فيما يخص حقهما في إبداء الرأي قبل صدور بعض القرارات المصيرية التي تحدد مصير فئات مجتمعية كبيرة، وقد تشكل ضررًا عليهم.

ولعل معظم تلك القرارات التي أثارت حفيظة الناس صدرت تحديدًا من وزارات محددة، كالعمل، و»الإسكان»، والتعليم، وهي وزارات خدمية ينتج عن قراراتها الكثير من الآثار، والتوابع التي أثارت حفيظة الشارع، وأججت الغضب لدى شرائح مجتمعية مختلفة، وأثّرت على مسار حياة الكثيرين، ورغم ذلك لم يطّلع مجلسا الدولة والشورى عليها إلا بعد صدورها، وبدء سريان آثارها، ولعل آخرها قرار الترقيات الجديد الذي اعتبره الكثيرون قرارًا غير موفق، ولا يتوافق مع طموحات الموظف وحقه في الترقية والصعود في السلم الوظيفي، ومساراته الثلاثة غير واضحة، وقد يحرم الكثيرين من التدرج الوظيفي، ويحد من طموحاتهم، ولا يحقق قدرًا كافيًا من الشفافية، والقدرة على الإنصاف الوظيفي رغم محاولة بعض المسؤولين تلميع صورة القرار، وتبريره.

وقس على ذلك الكثير من مثل هذه القرارات التي صدرت من وزارات مختلفة، واستفزت المجتمع، وأثارت سخط الناس، ولم تخدم التوجه الحكومي في (تبسيط الإجراءات، وتسهيل حياة المواطن)، وهي أهداف حاسمة في تهيئة الظروف الملائمة التي تنتهي إليها رؤية «عُمان 2040»، والتي تسعى إلى التخلص من التعقيدات الإدارية، والحسابات التنظيرية البعيدة عن الواقع، وينتج عنها مواطن قادر على مواجهة التحديات، وبناء الوطن، بدلًا من إنتاج أفراد يعيشون في متاهات القرارات التي لم يعودوا يفهمون فحواها، ولا هدفها.

مرة أخرى.. يجب ضبط إطار القرارات الوزارية المصيرية ـ التي تصدر عن الجهات الخدمية بشكل خاص ـ بشكل أكثر واقعية من خلال إشراك مجلسي الدولة والشورى اللذين يمثلان صوت الشعب، لا أن تكون سلطة الوزارة في هذه القرارات مطلقة وغير مقيدة، وتثير بعد صدورها الارتباك في الشارع، ولا تخدم إلا رؤية أحادية النظرة للوزارة، ولا تخدم الرؤية المستقبلية التي تسعى إليها الحكومة، كما هو حادث الآن.