أوصى الملتقى الفكري الثالث عشر الذي نظمته اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا بعنوان «تعزيز الاستقرار الأسري: انخفاض معدلات المواليد والخصوبة بين الواجب الأخلاقي والمسؤولية الوطنية»، باعتماد استراتيجية وطنية لتعزيز الاستقرار الأسري ورفع معدلات الخصوبة، وإدراج مؤشرات الاستقرار الأسري ضمن أهداف رؤية "عُمان 2040"، إلى جانب تطوير خدمات الصحة الإنجابية والتوسع في خدمات الإخصاب وعيادات العقم.
ودعا الملتقى الذي احتضنته اليوم جامعة السلطان قابوس إلى إنشاء مركز لأبحاث وعلاج حالات الإخصاب وتأخر الإنجاب، ودعم الأبحاث العلمية المتعلقة بأسباب العقم ونقص الخصوبة، بما يسهم في تطوير الحلول الصحية المرتبطة بالإنجاب.
كما أوصى بدراسة تقديم حوافز مادية وتسهيلات مالية للأسر الشابة من ذوي الدخل المحدود عند زيادة عدد الأطفال، وتأسيس وقف لدعم صندوق الزواج بالتعاون مع مؤسسات القطاع الخاص، ودراسة رفع المبلغ المخصص للدعم من صندوق الزواج والتوسع في الفئات المستهدفة.
وتضمنت التوصيات دراسة زيادة المخصصات المالية لمنفعة الطفولة لدعم الأسر الشابة من ذوي الدخل المحدود، بما يخفف الأعباء المالية المترتبة على الإنجاب، إلى جانب تسهيل توفير السكن الميسّر للأسر الشابة، من خلال القروض بدون فوائد أو خيارات الإيجار المنتهي بالتمليك.
ودعا الملتقى إلى تطوير برامج تأهيلية واستشارية إلزامية ومجانية للمقبلين على الزواج، وتنفيذ حملة وطنية لتعزيز الوعي بأهمية تيسير الزواج وتكوين الأسرة والحفاظ عليها، وإعداد إطار وطني لترشيد تكاليف الزواج والحد من مظاهر الإسراف والمبالغة، بما يسهم في تيسير الزواج، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الجهات الحكومية والخاصة والجمعيات الأهلية والمراكز المتخصصة في تقديم الإرشاد الأسري.
بيئة عمل صديقة للأسرة
وشملت التوصيات دراسة تطبيق مبادرة «بيئة عمل صديقة للأسرة» في المؤسسات الحكومية والخاصة، بما يضمن توفير تسهيلات للمرأة الحامل والمرضع، ومن بينها اعتماد أنظمة العمل المرن والعمل عن بُعد، ومراجعة وتحديث سياسات إجازات الأمومة، ودعم مرافق رعاية الأطفال في مقرات العمل.
كما أوصى بدراسة توفير خيارات تقاعدية مرنة للأمهات لتسهيل رعاية الأطفال، وتقديم مزيد من التسهيلات للمرأة بما يضمن تمكينها من الحمل والإنجاب، ويحافظ في الوقت نفسه على مسيرتها الأكاديمية أو الوظيفية.
ورعى افتتاح أعمال الملتقى معالي الدكتور هلال بن علي السبتي وزير الصحة، بحضور صاحب السمو السيد الدكتور فهد بن الجلندى بن ماجد آل سعيد رئيس جامعة السلطان قابوس ورئيس اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا، وفضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان ونائب رئيس اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا.
تحولات ديموغرافية متسارعة.
وأكد الدكتور أحمد بن سعيد البوسعيدي أمين سر اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا، في كلمة افتتاح الملتقى، أن تنظيم الملتقى يأتي في وقت يشهد فيه العالم تحولات ديموغرافية متسارعة امتدت آثارها إلى مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والصحية، وأثرت في مستقبل المجتمعات واستدامة مواردها وقدرتها على تحقيق التوازن بين الأجيال.
وأوضح أن سلطنة عُمان ليست بمنأى عن هذه التحولات، مشيرًا إلى أن المؤشرات الوطنية توضح انخفاض معدل المواليد العمانيين من 34.0 إلى 20.8 مولود لكل ألف من السكان خلال الفترة من عام 2015 إلى عام 2025.
وقال إن هذه المؤشرات لا تمثل مجرد أرقام وإحصاءات سكانية، وإنما تعكس تحولًا ديموغرافيًا يحمل أبعادًا استراتيجية بعيدة المدى، مؤكدًا أهمية تناول القضية من منظور وطني متكامل يوازن بين الاعتبارات الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والصحية، ويعزز الحوار العلمي وصولًا إلى رؤى وسياسات تستند إلى الأدلة وتدعم استقرار الأسرة وتحافظ على التوازن الديموغرافي، بما يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040".
الأسرة نواة المجتمع
وأكد البوسعيدي أن الأسرة، بوصفها النواة الأولى للمجتمع، تحظى بمكانة راسخة في الشريعة الإسلامية والقيم الأصيلة التي يقوم عليها المجتمع العُماني، مشيرًا إلى أن تعزيز الزواج والإنجاب ودعم الاستقرار الأسري مسؤولية وطنية وأخلاقية مشتركة تتكامل فيها أدوار الدولة ومؤسساتها والقطاع الخاص والمجتمع المدني والأسرة والأفراد.
وأوضح أن الملتقى يهدف إلى تحليل واقع التحولات الديموغرافية في سلطنة عُمان، ودراسة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المؤثرة في الزواج والإنجاب، واستشراف انعكاساتها المستقبلية، وصولًا إلى بلورة حلول وسياسات وطنية تسهم في دعم تكوين الأسرة وتعزيز استقرارها والمحافظة على التوازن الديموغرافي.
وأشار إلى أن الملتقيات الفكرية التي تنظمها اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا أسهمت في تحويل الحوار العلمي والفكري إلى مبادرات وتشريعات وسياسات وطنية، مستشهدًا بمخرجات الملتقى الفكري الرابع حول الفحص الطبي قبل الزواج، التي أسهمت في صدور المرسوم السلطاني رقم «111/2025» المنظم لإجراءات الفحص الطبي قبل الزواج، والملتقى الفكري الخامس بشأن إنعاش المرضى، الذي أثمر صدور لائحة ضوابط إنعاش المرضى بالقرار الوزاري رقم «83 /2020».
وأضاف أن مخرجات الملتقى الفكري السابع، الذي ناقش أخلاقيات التبرع بالأعضاء، توجت بالمباركة السامية لإنشاء المركز العُماني لتنظيم التبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية وزراعتها، وصدور قانون تنظيم نقل وزراعة الأعضاء والأنسجة البشرية بالمرسوم السلطاني رقم «44 /2025».
وأكد أن هذه المنجزات تؤكد قدرة الحوار العلمي الرصين، عندما يقترن بالإرادة الوطنية والتعاون المؤسسي، على الإسهام في صناعة السياسات العامة، معربًا عن التطلع إلى أن يخرج الملتقى بتوصيات عملية قابلة للتنفيذ تدعم الأسرة العُمانية وتعزز استقرارها وتحافظ على توازنها الديموغرافي.
انخفاض معدلات الخصوبة
وتناولت الجلسة الأولى محور «الواقع الديموغرافي والصحي والاجتماعي»، وأدارتها الأستاذة الدكتورة منى السعدون والأستاذ أحمد البدوي عضوا اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا.
وقدمت الدكتورة ثمرة الغافرية، طبيب استشاري أول صحة عامة بوزارة الصحة، ورقة عمل حول «التحولات الديموغرافية في سلطنة عُمان: الاتجاهات والمؤشرات والنظرة المستقبلية»، أوضحت خلالها انخفاض نسبة الأطفال دون سن الخامسة من 14.9% إلى 11.1%، ونسبة الأطفال دون سن 15 عامًا من 38.4% إلى 36.7% خلال الفترة من 2020 إلى 2025.
وأشارت إلى ارتفاع نسبة كبار السن الذين تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر من 3.8% عام 2010 إلى 5.5% عام 2021، ثم إلى 6.2% عام 2025، مع توقع استمرار ارتفاعها مع تقدم الفئات العمرية من 40 إلى 59 عامًا في السن.
كما أوضحت انخفاض معدل الخصوبة لدى النساء العمانيات من 6.0 مواليد لكل امرأة عام 1995 إلى 2.8 مولود عام 2025، مشيرة إلى أن نسبة العمانيات المتزوجات في الفئة العمرية من 15 إلى 49 عامًا بلغت 52.6% عام 2025، مقارنة بـ64.3% عام 1995.
وتوقعت أن يتراوح عدد العمانيين في عام 2040 بين 3.9 و4.3 مليون نسمة، وفق مستويات الخصوبة المستقبلية.
الطلاق المبكر
وفي الورقة الثانية، تناول الأستاذ الدكتور سعيد الظفري أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية بجامعة السلطان قابوس، موضوع «الشباب بين الزواج المتأخر والطلاق المبكر: رؤية نفسية اجتماعية»، مؤكدًا أن النمو السكاني يمثل مؤشرًا مهمًا على نمو المجتمع وتوافر القوى العاملة والفاعلة خلال العقود المقبلة.
وأوضح أن سلطنة عُمان، في سعيها لتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040" وبناء مجتمع متمكن ومستدام، تواجه عددًا من الظواهر الاجتماعية المؤثرة في الاستقرار والنمو، من بينها الزواج المتأخر والطلاق المبكر، مشيرًا إلى أن الظاهرتين ترتبطان بالتغيرات في سنوات الإنجاب؛ إذ يؤدي تأخر الزواج إلى تقليص سنوات الإنجاب، فيما قد يؤدي الطلاق المبكر إلى انقطاعها، بما ينعكس على معدلات النمو السكاني واستدامة القوى العاملة مستقبلًا.
وأشار إلى أن تحليل حالات الطلاق في سلطنة عُمان يظهر تركز النسبة الأكبر منها بين الفئة العمرية من 20 إلى 30 عامًا، وأن النسبة الأكبر من حالات الطلاق تقع خلال السنوات الخمس الأولى من الزواج.
وبيّن أن من أبرز مسببات الطلاق ضعف التوافق الفكري والاجتماعي بين الزوجين، والضغوط والالتزامات المالية المتزايدة، إضافة إلى التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي على الاستقرار الأسري، مؤكدًا أهمية دراسة هذه الظواهر ومسبباتها لوضع سياسات وقائية وعلاجية داعمة لتماسك الأسرة والمجتمع.
العوامل المؤثرة في الخصوبة
وفي الورقة الثالثة، قدمت الدكتورة مها الخضوري، أستاذ مشارك بكلية الطب والعلوم الصحية بجامعة السلطان قابوس، ورقة بعنوان «الأسباب والعوامل الطبية المؤثرة في القدرة الإنجابية والخصوبة»، استعرضت خلالها أبرز أسباب العقم لدى النساء والرجال.
وأوضحت أن أسباب العقم لدى النساء تشمل اضطرابات الإباضة، والعوامل المرتبطة بقناتي فالوب والرحم، وبطانة الرحم المهاجرة، والتقدم في العمر، فيما تشمل لدى الرجال اضطرابات الحيوانات المنوية والاضطرابات الهرمونية ودوالي الخصية وانسداد القنوات، إلى جانب عوامل نمط الحياة والبيئة، مثل التدخين والإفراط في تناول الكحول والسمنة والتعرض للحرارة.
وأكدت أهمية وجود استراتيجية وطنية لدعم الخصوبة والصحة الإنجابية، مشيرة إلى أن الاستثمار في هذا المجال يمثل استثمارًا طويل الأمد في صحة الأسرة ورأس المال البشري والاستدامة السكانية في سلطنة عُمان.
الثروة السكانية
واستؤنفت أعمال الملتقى بالمحور الثاني «السياسات الداعمة للأسرة وأثرها في التنمية الوطنية»، وأداره الدكتور حمد السناوي والدكتورة فريال اللواتية.
وقدم سعيد القتبي مدير عام القطاعات الاجتماعية بوزارة الاقتصاد، ورقة بعنوان «الثروة السكانية: رؤية اقتصادية وتنموية»، أوضح خلالها أن معدل الخصوبة في سلطنة عُمان انخفض من 7.3 عام 1950 إلى 2.5 عام 2024، مع توقع انخفاضه إلى نحو 2 في عام 2040 وفق تقديرات الأمم المتحدة.
وأشار إلى انخفاض الزيادة الطبيعية، التي تمثل الفرق بين عدد المواليد والوفيات، من 69,147 نسمة عام 2020 إلى 57,600 نسمة عام 2026، موضحًا أن هذا التراجع يعد مؤشرًا على تباطؤ النمو السكاني مستقبلًا، وما قد يترتب عليه من تغير في التركيبة العمرية للمجتمع وارتفاع نسبة الإعالة.
وأرجع هذا التحول في السلوك الإنجابي إلى مجموعة من الأسباب المترابطة، من بينها ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على السكن، وتأخر سن الزواج، ودخول المرأة العُمانية بصورة أوسع إلى سوق العمل، وما صاحبه من تغير في أولويات الأسرة.
وأوضح أن نسبة العُمانيين في سن العمل من 15 إلى 59 عامًا يتوقع أن ترتفع من 57% عام 2024 إلى 62% بحلول عام 2040، في حين تتراجع نسبة الأطفال من 0 إلى 14 عامًا من 37% إلى 29% خلال الفترة نفسها.
وأشار إلى أهمية دعم منظومة الزواج من خلال القروض والتسهيلات والمنح لتقليل تكاليف التأسيس، وتقديم حوافز مادية ومعنوية للإنجاب ودعم الأسر، وتكثيف التوعية الأسرية قبل الزواج للحد من حالات الطلاق، إلى جانب مواصلة العمل على خفض تكاليف المعيشة وتحسين الدخل بما يعزز قدرة الأسر على النمو والاستقرار.
الإرشاد الأسري
واستعرض مرداس المعني مدير دائرة الإحصاء بوزارة العمل، ورقة حول «سياسات العمل الداعمة للاستقرار الأسري»، فيما قدم الدكتور خلفان البوسعيدي، أخصائي علاقات أسرية أول بوزارة التنمية الاجتماعية، ورقة بعنوان «الإرشاد الأسري: استثمار في نجاح الزواج واستقرار الأسرة».
واختتمت أعمال المحور الثاني بفتح باب الأسئلة والنقاش، حيث تناول المشاركون عددًا من الموضوعات المرتبطة بسياسات العمل والإرشاد الأسري ودورهما في دعم استقرار الأسرة.
حلول وتطلعات مستقبلية
وتناول المحور الثالث، الذي جاء في قالب حلقة نقاشية بعنوان «الحلول المقترحة والتطلعات المستقبلية»، موضوع «دور مختلف الجهات الحكومية في دعم وتسهيل الزواج والحفاظ على الأسرة»، وأداره الدكتور زاهد المنذري والدكتور ناصر العزري.
وشارك في الحلقة زاهر الصباري، مدير دائرة الشؤون المحلية بالندب بوزارة الداخلية، وزايد المقبالي، مدير دائرة الأراضي وإثبات الملك بالمديرية العامة للأراضي بوزارة الإسكان والتخطيط العمراني، وسعيد المكتومي، رئيس قسم الاستشارات الأسرية بوزارة التنمية الاجتماعية، ومالك الحارثي، مدير عام المديرية العامة للمستحقات بصندوق الحماية الاجتماعية، والدكتورة جميلة العبرية، مديرة دائرة الصحة الإنجابية بوزارة الصحة.
وتناول النقاش أدوار الجهات الحكومية في تيسير الزواج، ودعم الأسرة، وتوفير الخدمات والممكنات التي تسهم في تعزيز الاستقرار الأسري ومواجهة التحديات المرتبطة بالزواج والإنجاب.
التأصيل الشرعي وحماية الأسرة
وفي ختام أعمال الملتقى، تناول فضيلة الشيخ الدكتور كهلان بن نبهان الخروصي، مساعد المفتي العام لسلطنة عُمان ونائب رئيس اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا، موضوع التأصيل الشرعي لحماية الأسرة، من خلال ورقة بعنوان «أهمية تكوين الأسرة والحفاظ عليها في الشريعة الإسلامية».
وأعقب ذلك فتح باب النقاش العام للحضور، ثم تلا الدكتور أحمد بن سعيد البوسعيدي، أمين سر اللجنة الوطنية لأخلاقيات البيولوجيا، التوصيات الختامية للملتقى، التي عكست مخرجات الحوار الوطني حول انخفاض معدلات المواليد والخصوبة، والحلول المقترحة لتعزيز الاستقرار الأسري ودعم تكوين الأسرة العُمانية واستدامتها.