كلمة سلطنة عمان التي ألقاها معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية أمام وفود الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها رقم ٨١ اتسمت كالعادة بوضوح المواقف والمرتكزات العمانية والتي ترسخت على مدى ٥٦ عاما.

تركزت كلمة سلطنة عمان على عدد من المحاور الأساسية والتي تشكل الفكر والاستراتيجية للدبلوماسية العمانية والتي أصبحت النموذج الواقعي الأبرز على صعيد المنطقة والشرق الأوسط والعالم.

المحور الأول لكلمة سلطنة عمان ركز على الحوار وأهمية خيار الدبلوماسية في حل الصراعات والحروب الإقليمية والدولية من خلال إيجاد التوافق بعيدا عن لغة القوة التي أثبتت عدم جدواها في عدد من الحروب والصراعات في منطقة الخليج العربي بشكل خاص خلال الأربعة عقود الماضية.

ويعد هذا المحور الذي ركزت عليه كلمة سلطنة عمان هو الأساس في عملية ترسيخ السلام والاستقرار والازدهار الاقتصادي بين الدول والشعوب؛ ومن هنا، فإن الدبلوماسية العمانية والتي خاضت وساطات معقدة وصعبة في عدد من الملفات تدرك أهمية الخيار الدبلوماسي والحوار بين الفرقاء، ولعل أبرز نموذجين هنا هما الملف النووي الإيراني والملف اليمني؛ حيث لعبت الدبلوماسية العمانية دورا محوريا نتج عنه بعد مفاوضات ماراثونية التوقيع على الاتفاق النووي الايراني عام ٢٠١٥ في جنيف.

فيما يخص الملف اليمني، فقد استطاعت الدبلوماسية العمانية ومن خلال جولات المفاوضات بين الفرقاء اليمنيين في مسقط وصنعاء وغيرها من العواصم التوصل إلى هدنة تواصلت لعدة سنوات.

ومن هنا، فإن محور الحوار الذي ركزت عليه كلمة سلطنة عمان أمام وفود الجمعية العامة للأمم المتحدة ينطلق من نماذج حقيقية وسلوك سياسي أثبت وجاهته؛ فالحرب الأمريكية الاسرائيلية على الجمهورية الاسلامية الايرانية كانت من الأخطاء الكارثية للادارة الأمريكية، وكانت خسارة كبيرة لكل الأطراف وللاقتصاد والتجارة الدولية.

ومن هنا، فإن محور الحوار والمصداقية يعد من أدوات الدبلوماسية العمانية الناعمة والتي أصبح لها حضور وقبول إقليمي ودولي من خلال الدور العماني المحوري في عدد من الأزمات الاقليمية ومنها أزمة مضيق هرمز، والتي أصبحت مركز الثقل الاستراتيجي والاقتصادي في العالم.

إذن الحوار والدبلوماسية هما الأكثر واقعية في حل الصراعات والحروب، وليس هناك خيار آخر سوى الجلوس على طاولة المفاوضات؛ لأن الحروب والصراعات مهما كانت نتيجتها لن تجعل المنطقة تنعم بالأمن والاستقرار، بل سيكون التوتر والتصعيد هو عنوان المرحلة. كما أن الكراهية بين الشعوب سوف تتعمق، وهذا أحد ابرز مظاهر الحروب.

ولعل الطرف الأكثر رغبة في إشعال الحروب هو الكيان الصهيوني والذي لا يمكن أن يستمر سياسيا وأخلاقيا دون إشعال الصراعات، في حين كانت المفاوضات الإيجابية التي قادتها بلادنا سلطنة عمان بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الاسلامية الايرانية خلال عدد من الجولات في مسقط وجنيف وروما على وشك النجاح، وكانت ستجنب العالم كوارث الحرب المتواصلة منذ ٢٨ فبرايرالماضي وتصاعدت على صعيد إغلاق مضيق هرمز والحصار البحري الأمريكي على الموانئ البحرية الايرانية.

المحور الثاني لكلمة سلطنة عمان هو موضوع القانون الدولي وضرورة احترامه وتنفيذ قراراته خاصة فيما يخص الملاحة البحرية وعلى صعيد حرية الملاحة وعدم استخدام الممرات البحرية في الصراعات، كما يحدث الآن.

وهنا، دعت سلطنة عمان في كلمتها المميزة التي ألقاها معالي السيد وزير الخارجية إلى ضرورة احترام معايير القانون الدولي، وأيضا عدم شن الهجمات على الدول واحترام استقلال وسيادة الدول، وهذا مهم في إطار العلاقات الدولية؛ فحتى خلال اندلاع الحروب هناك معايير قانونية وأخلاقية لابد من الالتزام بها.

يدرك الجميع أن الأمم المتحدة ليست في أفضل حال، وبدأت تعاني الأمرين من تسلط عدد من القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، بل ان قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية لا تزال تراوح مكانها في ارشيف الأمم المتحدة؛ والسبب يعود إلى استخدام الفيتو الامريكي ضد القرارات الصادرة من مجلس الأمن الدولي أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، وانحياز واشنطن مع الكيان الاسرائيلي الغاصب لأرض فلسطين.

وعلى ضوء ذلك دعت بلادنا سلطنة عمان المجتمع الدولي إلى أهمية الالتزام بالقانون الدولي واحترام كل القيم التي نص عليها ميثاق المنظمة الدولية منذ عام ١٩٤٥ حيث لايمكن للكيان الاسرائيلي أن يعطل القانون الدولي ويمارس الابادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني دون رادع قانوني.

وركزت كلمة سلطنة عمان على محور أساسي ومهم ينبغي أن يحكم العلاقات الدولية بين الدول بأن يطبق القانون بشكل صارم ضد الكيانات المارقة التي لا تحترم الشرعية الدولية وحقوق الإنسان وغيرها من القيم والسلوكيات النبيلة التي تحكم الانسانية وتحترم قواعد القانون الدولي الانساني؛ فبدون احترام القانون الدولي فإن الفوضى السياسية سوف تعم العالم، وتصبح القوة العسكرية هي الخيار دون التقيد بميثاق الأمم المتحدة الذي يهدف إلى ترسيخ السلام والأمن والمحافظة عليهما.

المحور الثالث الذي ركزت عليه كلمة سلطنة عمان هو موضوع المناخ وضرورة إيجاد حلول لإنقاذ كوكب الأرض، خاصة وأن بلادنا سلطنة عمان لديها استراتيجية صفر كربون عام ٢٠٥٠ ولديها قوانين وتشريعات صارمة فيما يخص الحفاظ على البيئة.

كما أن قضايا المرأة والطفولة والتسامح بين الأمم والشعوب هي أسس حيوية تركز عليها سلطنة عمان من خلال الطرح المتواصل ومن خلال علاقاتها مع الدول الشقيقة والصديقة، خاصة وأن المراة والطفل مكون حيوي في المجتمعات.

وقد حظيت المراة العمانية والطفل العماني بقوانين وتشريعات مميزة في سبيل صون حقوقهم، وهذا جزء أصيل من رؤية سلطنة عمان ٢٠٤٠ من خلال محور الانسان والمجتمع.

المحور الرابع للكلمة يتعلق بالتنمية المستدامة من خلال رؤية سلطنة عمان وأيضا خطة الأمم المتحدة؛ فالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والمستدامة لا يمكن أن تتحقق في ظل اندلاع الصراعات والحروب؛ وهذا يعني بأن ترسيخ قيم السلام والتعاون والتسامح بين الشعوب هو مقدمة موضوعية للتفرغ لخطط التنمية والتي تركز عليها الدول.

من هنا، فإن كلمة سلطنة عمان ركزت على محاور أساسية هي جزء من فكر قيادتها الحكيمة التي يقودها بحكمة واقتدار جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ الذي يواصل جولاته السامية داخل ربوع الوطن وأيضا جولاته الخارجية في إطار تعزيز الشراكات مع الدول الشقيقة والصديقة، مما يعزز مكانة سلطنة عمان على الصعيد السياسي والاقتصادي، وتعزيز دورها الدولي في المساعدة على إيجاد الحلول والتوافق لإنهاء الصراعات والحروب التي جلبت المتاعب لشعوب المنطقة.

إجمالًا، فإن كلمة سلطنة عمان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هي رسالة عمانية صادقة لدول وشعوب العالم لإنهاء الحروب والتفرغ للتنمية المستدامة وإيجاد علاقات التعاون بين دول وشعوب العالم شرقا وغربا.