لا أعتقد أنني سمعت بكلمة «الإرهاب» قبل سبتمبر 2001. عندما اصطدمت الطائرات بالأبراج لم يتجاوز عمري التاسعة، ومع ذلك استقرت الكلمة سريعًا في معجم تلك الطفلة الصغيرة، ثم بدأت حملات الإسلاموفوبيا. نقلت الأخبار ما يحدث في الولايات المتحدة، لكن هذا، في الحقيقة، ليس أكثر ما أتذكره.

ما أتذكره بوضوح أكبر هو حملات «مكافحة الإرهاب» في الدول المحيطة بنا، دقائق تبثها إحدى القنوات العربية، أسماء وصور لأشخاص حوكموا بتهم الإرهاب، بعضهم في البلاد، وبعضهم لم يُقبض عليه بعد.

كان من الصعب أن أفهم ما الذي يحدث. تأملتُ مع تقدمي في العمر كيف انتقلنا من دول شاركت بعد الغزو السوفيتي لأفغانستان عام 1979 في تمويل الجهاد وتسليحه ودعمه، وكرّست إلى جانبه خطابًا دينيًا وإعلاميًا واجتماعيًا كاملًا يمنح الجهاد مكانة أخلاقية كبرى إلى اللحظة التي أصبح فيها بعض الذين خرجوا من ذلك المناخ نفسه أسماءً على قوائم الإرهاب؟

أعرف حجم الجدل الذي أثارته أحداث الحادي عشر من سبتمبر. آمن كثيرون بأنها مؤامرة بينما رأى فيها آخرون دليلًا على قدرة المقاومة على اختراق ما بدا عصيًا على الاختراق، وعلى أن المسلمين يعودون إلى المشهد بقوة.

المجموعة الأولى تحضر في ذهني دائمًا عبر ذكرى طريفة وقاتمة في الوقت نفسه: المقاطع المتداولة على الهواتف وأجهزة الكومبيوتر آنذاك التي جمعت، في سلسلة واحدة، بين القول: إن الإنسان لم يهبط أصلًا على سطح القمر، وإن الحادي عشر من سبتمبر لم يحدث كما قيل لنا. تبدو لي هذه المجاورة بعد كل هذه السنوات ساخرة إلى حد شديد القتامة.

لم أنتظر طويلًا بعد ذلك حتى شاهدت الأضواء البرتقالية والدخان مرة أخرى على شاشة التلفاز. أبي جالس على كرسي بلاستيكي في صالة البيت، ومذيع قناة الجزيرة يعلن سقوط بغداد. ومكافحة أسلحة الدمار الشامل، والقضاء على الإرهاب، وتحرير بلدان يحكمها الديكتاتور.

وبينما يتوسع مدى الحرب في المنطقة هذا الأسبوع -إن لم تكن قد توسعت أصلًا منذ وقت طويل- يدور في الولايات المتحدة نقاش آخر حول كلمة «الإرهاب» نفسها.

أعادته إلى الواجهة الحملة ضد عبدول السيد المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ميشيغان، والذي يهاجم باعتباره مسلماً بعدما استُخدمت تصريحات للإعلامي المؤثر حسن بيكر الذي سبق أن ظهر معه في حملته قال فيها: إن الولايات المتحدة تسببت في إرهاب يفوق ما تسببت به القاعدة.

سارع عبدول السيد إلى رفض المقارنة، لكن ما يثير اهتمامي هنا ليس صحة المقارنة بحد ذاتها، بل الاضطراب الذي يطبع النقاش لحظة انتقال كلمة «الإرهاب» من موقعها المعتاد بهذه البساطة، إن لم أصفها بالوقاحة.

ما تزال الكلمة بعد ربع قرن محتكرة على المسلمين. وليس هذا خلافًا لغويًا هامشيًا؛ فالتسمية لا تأتي بعد الفعل لتصفه فقط، بل تشارك في تحديد كيف يُفهم، ومن يُدان به، وما الذي يمكن أن يُشرعن في مواجهته. والأغرب أن هذا النقاش يُقدَّم أحيانًا كما لو أنه اكتشاف جديد.

بينما في منطقتنا، ظل سؤال ازدواجية الموقف الغربي من «الإرهاب» حاضرًا لعقود، وهو المنطقة الأولى التي نعود إليها دائماً بينما يتجاوز ما يفعلونه بنا أكثر ما تخيلناه فظاعةً، وكم انغمسنا في ذلك بعد السابع من أكتوبر.

من المهم هنا أن نتذكر أن «الحرب العالمية على الإرهاب» التي أعقبت هجمات سبتمبر لم تكن مجرد تسمية عسكرية؛ إذ شكلت إطارًا سياسيًا واسعًا مكّن الولايات المتحدة من توسيع حضورها العسكري والأمني والقانوني خارج حدودها، ومن إعادة ترتيب علاقاتها وتحالفاتها وسياسات المراقبة والتدخل في مناطق مختلفة من العالم.

بهذا المعنى، لم يكن «الإرهاب» مجرد وصف لعدو، بل كان أيضًا لغة سياسية شديدة الفاعلية: تحدد من هو العدو، وما العنف المشروع ضده، وأي إجراءات استثنائية يمكن تمريرها باسمه.

ظهر هذا بوضوح مرة أخرى بعد السابع من أكتوبر. حضر السؤال تقريبًا في كل مقابلة صحفية أو تلفزيونية مع من أبدى قدرًا محدودًا من التعاطف مع ما يحدث للفلسطينيين في غزة: هل تعتبر ما فعلته حماس إرهابًا؟ هل تدين حماس؟ وأقول «تعاطفًا» عمدًا؛ لأنني لا أتحدث هنا حتى عن خطاب راديكالي، بل عن مستويات تُقدم على أنها «معتدلة» بالنسبة للاعتراض على «قتل المدنيين» أو على الحرب نفسها.

في المقابل، ومع كثرة الاتهامات التي وُجهت إلى إسرائيل وبنيامين نتنياهو، ظل المعجم مختلفًا: ومن تنويعاته «مجرم حرب»، وفي خطاب يتضمن الإشارة لنظام «الأبارتهايد». وعلى الرغم من الأهمية القانونية والسياسية والأخلاقية لهذه المصطلحات، فإنها قلّما تُدرج داخل معجم «الإرهاب» نفسه.

وهذا ليس فرقًا لغويًا محايدًا؛ فلكل معجم آثاره السياسية. تسمية فعل ما «إرهابًا» لا تصفه فقط، بل تنزع عنه الشرعية بصورة فورية، وتوسّع في المقابل نطاق ما يمكن تبريره في مواجهته باسم الأمن والمكافحة والرد.

أما حين يُوصَف الفاعل بأنه «مجرم حرب»، أو تُوصَف سياساته بأنها «أبارتهايد»، فإن الإدانة مهما بلغت حدتها لا تستدعي بالضرورة الخيال السياسي والأمني نفسه الذي تستدعيه كلمة «الإرهاب».

ومن الأمثلة الأخرى على ذلك التغطية الإخبارية للحوادث داخل أوروبا. تقع جريمة في قطار أو شارع عام، وقبل اكتمال المعلومات يبدأ الاحتمال الإرهابي في الهيمنة على الخبر، ويبدأ معه الاشتباه في مسلم ما.

وإذا تبيّن لاحقًا أن الفاعل رجل أبيض، أو أن الدافع شخصي أو نفسي أو أيديولوجي من نوع آخر، غالبًا ما يتحول المعجم كله إلى موقع مختلف: «هجوم»، «إطلاق نار»، «حادث»، «مختل»، «ذئب منفرد». إلخ أنا لا أتحدث هنا عن هرمية الموت، والتفاوت في القيمة التي تُمنح لحيوات البشر.

ما أريد التوقف عنده هو المصطلح نفسه بوصفه أداة سياسية: «الإرهاب» كلمة يصر المهيمن والقوي على تثبيت مركزيتها، واستدعاء مخيلة كاملة معها، حتى بدا العالم وكأنه انقسم إلى زمنين: ما قبل الحادي عشر من سبتمبر وما بعده.

بقيت تلك اللحظة نقطةً مرجعية يعاد إليها تفسير الأمن والحرب والخوف والشرعية، خصوصاً في كل سبتمبر جديد بينما ارتكبت الولايات المتحدة وإسرائيل، منذ ذلك الحين، جرائم واسعة في أماكن متعددة، وقتلتا واغتالتا أعدادًا هائلة من البشر من دون أن تتمتع تلك الوقائع بالقوة الرمزية نفسها، أو أن تعيد ترتيب الزمن واللغة بالطريقة ذاتها. ودون أن يكبر أطفال ذلك العالم على إيقاع كلمة جديدة تُصبح محور حياتهم وهويتهم كلما تقدموا في العمر.