إن تحول تركيز الفكر الإداري من منهج إلى آخر عبر الحقب الزمنية يدل على مرونة الفكر الإداري وقدرته على تطوير المعارف والنظريات لضمان صلاحيتها لكل زمان ومكان.
إن تأثر الفكر الإداري بالمدارس المختلفة بدءا من المدرسة العلمية في أوائل القرن الماضي، ثم التحول إلى مدرسة العلاقات الإنسانية، أوجد زخما وحراكا اداريا واكب التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية.
إن محفزات التحول لم تكن وليدة الصدفة بل ثمرة لاشتغال مستمر من فقهاء وعلماء الإدارة الذين وجهوا البحث الإداري لغايات تطويرية؛ فطوروا النظرية ثم النموذج ثم الممارسة، مركزين على استخدام النقد لنقل الإطار البحثي إلى فضاء أرحب بعيدا عن الأشخاص والهوى والمذاهب. لقد أنتجوا لنا نظريات في القيادة والتغيير والدافعية والتعلم والتطوير والتحفيز والتخطيط والإحلال الإداري... وغيرها؛ بل إنه من المسلم به أن المؤسسات والدول التي آمنت بمخرجات التجربة الإدارية وطبقتها استطاعت أن تتطور وتتقدم ليس على مستوى الأداء والإنتاجية فقط بل حتى في الارتقاء بمؤشرات الولاء والدافعية والالتزام بالقيم وضمان ديمومة التفوق واستمرارية التميز.
وهناك ثقافات في عالمنا لاتزال تراهن على عدم جدوى مخرجات الفكر الإداري معتمدين على أن الإدارة والقيادة يمكن أن تمارس بعيدا عن تلك المناهج، وبالتالي اتباع نظم إدارية مختلفة تتناسب مع الثقافة والخصوصية السائدة، فوجدت ضالتها في النظام المركزي الذي يركز السلطة في يد شخص أو مستوى إداري معين؛ فأصبحت جميع القرارات تمر وتصادق عبر فرد معين غالبًا ما يكون هو المسؤول الأول والذي تجاوزت صلاحيته الزمان والمكان وعدد العاملين في مؤسسته، رغم مايتطلبه أداؤها من مجهود كبير والخطورة والآثار السلبية التي يمكن أن تنتج في حالة فشل ذلك المسؤول وأثرها على أداء المنظمة وعلى الروح المعنوية للعاملين بشكل عام.
إن حجر الزاوية في نجاح أي نموذج إداري يقوم على إدارة عمليات الإحلال والتخطيط لها وخاصة فيما يتعلق باختيار القادة وذلك تحقيقا لمبدأ «وضع الشخص المناسب في المكان المناسب»، وليس المقصود بذلك تعيين «سوبر مان» إنما توجيه أنشطة الاحلال لتنتج قائدا على قدر كافٍ من الدراية في أمور «الكرسي» الذي سيجلس عليه مستقبلًا، هذا بالإضافة إلى الصفات الشخصية والأخلاقية التي يجب أن يتحلى بها.
فالقائد الناجح لديه رسالة مهمة يجب أن يحملها من خلال مشروع يركز على تطوير العمل والارتقاء بالخدمة المقدمة وتأصيل القيم المؤسسية بين منتسبي مؤسسته. وهناك نتائج خطيرة قد يسببها سوء اختيار القادة منها تأخر اتخاذ القرارات التي قد يكون عامل الوقت فيها عنصرا مهما وأساسيا، إضافة إلى تركيز المسؤولين على أمور ثانوية على حساب المواضيع الاستراتيجية، وقتل روح المبادرة وتفشي الروتين وإضعاف الروح المعنوية للموظفين، وكذلك اعتماد المرجعية المطلقة كأسلوب في إدارة كافة الأعمال في ظل صلاحيات مطلقة للقائد فقط. هنا يتحول المشهد إلى مسرحية هزلية يؤديها ممثل واحد ويتحول بقية العاملين بمن فيهم كبار المديرين إلى «ممثلين ثانويين او كومبارس» والنتيجة الحتمية انفصال آلية اتخاذ القرارات عن رؤية وأهداف المؤسسة.
إن هذه الدكتاتورية الإدارية لن تستطيع أن تتعامل مع المنظمة ومع متطلبات المجتمع واحتياجات الموظفين الذين هم سبب نجاحها.
لن يستطيع أي شخص أن يكون «سوبر مان» في ظل تواضع خبرته التنظيمية ومحدودية تجربته المهنية وضعف قدراته ومهارته القيادية والإدارية والتقنية أن يمثل الدور المرسوم له وإن اجتهد في ذلك؛ فعالم اليوم لا يقيس القائد بشكله أو بحديثه بل بنتائجه وأثره على تعزيز الأداء والإنتاجية والدافعية وجهوده في تعزيز القيم المؤسسية وقدرته على خلق الصف الثاني والثالث من القادة الذين يمكن لهم أن يواصلوا الطريق ويحملوا رسالة المؤسسة في المستقبل.
لقد عانت مؤسسات مختلفة في العالم من ضعف القيادات التي تفتقد إلى ابسط متطلبات ومهارات الدور الاستراتيجي المتوقع منها. ولعل تأثير هذه النماذج القيادية لا يقتصر على الأداء والإنتاج بل نقل ضعفها وسلبيتها إلى القيادات في المستويات الأخرى الذين أصبح دورهم لا يتعدى إدارة العمل اليومي دون وعي بالمستقبل واستراتيجياته، بل أصبح دورهم الانتقال من المستوى الاستراتيجي إلى المستويين الاشرافي والتشغيلي.
إن الفكر الاستراتيجي في عالم اليوم لا يقوم على الاجتهاد بل على ممارسة راسخة كإدارة المواهب والتخطيط للإحلال من خلال مسارات وظيفية وتدريبية واضحة تهدف إلى رفع المهارات والقدرات الوظيفية معززة بمسار تقييمي يقدم صورة واضحة عن قدرات الأشخاص في كل مستوى مقارنة بإمكانياتهم والمستوى الإداري والقيادي الذي يمكنهم أن يصلوه على المديين القريب والبعيد.
إن القائد يعتبر العامل الأول في نجاح أية منظمة وتحقيقها للأهداف التي أسست من أجلها، ولا ننسى أن نجاح أي مؤسسة يعتمد على مدى إيمان الموظفين بأهداف المنظمة وتقديرهم واحترامهم لقادتها؛ فالقائد الذي لا يركز جهوده على الموظفين وتحفيزهم وكسب ولائهم فإن الفشل آجلا او عاجلا سيكون مصيرًا محتوما له ولمؤسسته؛ لذلك يجب أن تعامل عملية اختيار القادة على أنها عملية استراتيجية تحتاج إلى تفكير وتخطيط استراتيجي من خلال أدوات استراتيجية في الترشيح والمفاضلة والتقييم وصولا إلى الاختيار وذلك بعيدا عن مبادئ الثقة والتكريم.