سيصادف الأول من أكتوبر نهاية العام الثاني من الولاية الرئاسية الممتدة ست سنوات للرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم. وسجلها الاقتصادي متواضع، كما أوضح زميلي ووزير المالية المكسيكي السابق غييرمو أورتيز، كما أن أداءها في مجالات الأمن، وإنفاذ القانون، ومكافحة الجريمة المنظمة والفساد يثير هو الآخر تساؤلات. ولعل الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن شينباوم تقود البلاد في مسار سلطوي.

لكن ذلك لم يمنع شينباوم من أن تحظى بإشادة واسعة، داخل المكسيك وخارجها، على الطريقة التي تعاملت بها مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويُنظر إليها على أنها تجمع بين الحزم والمرونة، وتتجنب المواجهة من دون أن تنصاع له، وغالبًا ما تُقارن برئيس الوزراء الكندي مارك كارني أو الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، اللذين تحدّيا ترامب، وإن كان ذلك بنتائج محدودة.

غير أن شينباوم، في الواقع، نجحت بمهارة ــ وبقدر من السخرية السياسية ــ في إخفاء مدى انصياعها لترامب في كل قضية تقريبًا. وقد ساعدتها في ذلك الصحافة الدولية، التي تميل إلى منحها حسن الظن، وكذلك وسائل الإعلام المكسيكية التي تخضع بصورة متزايدة لسيطرة الحكومة، والتي لا تكف عن البحث عن أسباب للإشادة بها.

لننظر، مثلًا، إلى نهج شينباوم في إنفاذ قوانين الهجرة؛ ففي مطلع عام 2025، وبعد تهديدات ترامب بفرض رسوم جمركية، أرسلت 10 آلاف جندي إلى الحدود مع الولايات المتحدة. ولمنع المهاجرين القادمين من أمريكا الوسطى والجنوبية ومنطقة الكاريبي من العبور عبر المكسيك، عززت شينباوم أيضًا الإجراءات الأمنية على الحدود الجنوبية، وأقامت مزيدًا من نقاط التفتيش على الطرق السريعة الممتدة من ولاية تشياباس الجنوبية إلى بقية أنحاء البلاد، وكثفت الدوريات على المسارات الريفية التي يسلكها المهاجرون.

وكانت النتيجة أن أعداد المهاجرين الذين جرى رصدهم عند الحدود الأمريكية ــ المكسيكية، والتي كانت قد بدأت بالفعل في الانخفاض خلال رئاسة جو بايدن، هبطت بصورة حادة.

لكنها لم تتوقف عند هذا الحد؛ ففي عام 2025، قبلت المكسيك نحو 12 ألف شخص من غير المكسيكيين الذين رحّلتهم الولايات المتحدة، وكان معظمهم من الكوبيين والفنزويليين، رغم أنها لم تكن ملزمة قانونًا باستقبال أي منهم. وهذه ممارسة بدأت خلال إدارة ترامب الأولى، لكنها تكثفت في السنوات الأخيرة. والأسوأ من ذلك أنه، على الرغم من إشارة شينباوم بوضوح إلى أن المكسيك تقبل عودة جميع مواطنيها، فإنها عجزت عن وقف ترحيل مهاجرين مكسيكيين إلى دول ثالثة، ولا سيما غواتيمالا وهندوراس. وتهدف هذه الخطوة القاسية على نحو خاص إلى ثني المكسيكيين عن الهجرة شمالًا، عبر نقلهم جوًا إلى أماكن خطرة بعيدة عن ديارهم.

وفي ملف مكافحة المخدرات، سارعت شينباوم إلى الرضوخ لمطالب ترامب عندما بدأ بإلغاء تأشيرات الدخول الأمريكية لمسؤولين مكسيكيين، وإطلاق ادعاءات حادة بشأن تواطؤ عصابات المخدرات مع الطبقة السياسية المكسيكية، وتصنيف تلك العصابات منظمات إرهابية أجنبية. وعندما نقلت شينباوم 92 شخصية مرتبطة بعصابات المخدرات إلى الولايات المتحدة، متجاوزة إجراءات التسليم وضمانات المحاكمة العادلة، أُعجب الأمريكيون بذلك إلى حد كبير.

كما وسّعت السلطات الأمريكية عمليات المراقبة بالطائرات المسيّرة والعمليات السرية داخل البلاد، وكثفت جمع المعلومات الاستخباراتية وتبادلها مع قوات الأمن المكسيكية، وهو ما أسهم في مقتل زعيم عصابة المخدرات «إل مينشو»، وفي القبض على أهداف أخرى عالية القيمة أو قتلها.

لكن رفض وجود عسكري أمريكي علني في المكسيك أمر فعله كل رئيس مكسيكي طوال قرن من الزمن. أما عدد المسؤولين الأمريكيين السريين غير العسكريين الذين يعملون في البلاد اليوم، فهو، بحكم التعريف، غير معلوم للرأي العام. ثم تستطيع شينباوم أن ترفض علنًا وجود «قوات على الأرض»، بينما تقبل بهدوء ترتيبًا أكثر سرية.

وفي التجارة، وهي القضية الرئيسية الأخرى على جدول الأعمال الثنائي، لبّت شينباوم إلى حد كبير رغبات ترامب. فحتى قبل بدء المراجعة المقررة لاتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا «USMCA»، فرضت المكسيك من جانب واحد رسومًا جمركية بنسبة 50% على سلع رئيسية مستوردة من الصين، التي تسجل معها عجزًا تجاريًا يبلغ نحو 123 مليار دولار، وذلك بعدما اشتكى ترامب من أن كثيرًا من المنتجات الصينية المصدّرة إلى المكسيك ينتهي بها المطاف في الولايات المتحدة.

كما امتنعت شينباوم عن الرد بالمثل على الرسوم الجمركية أو القيود الأمريكية المفروضة على طيف واسع من الصادرات المكسيكية، من الصلب والمركبات إلى الماشية والأفوكادو.

وعندما رفض ترامب تمديد اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا لمدة 16 عامًا أخرى، مفضلًا إجراء مراجعات سنوية وأن تكون بين الولايات المتحدة والمكسيك فقط، وافقت الحكومة المكسيكية على مضض. وقد قبلت شينباوم معظم مطالب المفاوضين الأمريكيين، وإن كان الحجم الحقيقي للتنازلات التي قدمتها لن يتضح إلا عند الإعلان عن اتفاق جديد.

حتى في القضايا الأكثر رمزية، مثل دعم كوبا، الذي ظل طويلًا أحد المرتكزات الأيديولوجية لليسار المكسيكي، تراجعت شينباوم. فعندما أعلن ترامب في يناير فرض حصار على إمدادات الوقود إلى الجزيرة، أوقفت المكسيك فورًا شحنات النفط والمنتجات البترولية إليها. ولم تُستأنف تلك الشحنات حتى الآن.

وإنصافًا لشينباوم، لم يكن أمامها سوى هامش ضيق من الخيارات غير استرضاء ترامب. فالاقتصاد المكسيكي مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الأمريكي، إلى حد يجعل من شبه المستحيل الرد على الرسوم الجمركية أو اتخاذ أي إجراء آخر قد يدفع الولايات المتحدة إلى الانتقام. وهذه ليست مسألة جديدة، ولا يبدو أنها مرشحة للتغير.

وفوق ذلك، ومع الاقتصاد الذي ورثته، لا تكاد شينباوم تملك ترف الوقوف في وجه أحد أقوى قادة العالم؛ رجل يتعرض لانتقادات واسعة، لكن نادرًا ما يواجهه أحد مباشرة. فقد أمّن سلفها، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، فوزها الكاسح، لكنه ترك البلاد في حالة يرثى لها؛ إذ سمح لعصابات المخدرات بالازدهار، وأقام مشروعات بنية أساسية ضخمة عديمة الجدوى، احتاجت إلى دعم مالي هائل وأسهمت في إحجام الاستثمار الخاص.

وكانت النتيجة اقتصادًا راكدًا، وعجوزات ضخمة في الموازنة، وقابلية شديدة للرضوخ للضغوط الأمريكية. وقد تحسن توزيع الدخل، وانخفض الفقر، لكن الاقتصاد المكسيكي لا يزال يرفض النمو.

وقد صُوِّرت تعاملات الرئيسة المكسيكية مع ترامب، في معظم الأحيان، بصورة إيجابية. وحتى إن لم يكن من المنصف بالضرورة لومها على استرضائه، فإن سياساتها ينبغي أن تُرى على حقيقتها.

خورخي جي. كاستانييدا وزير الخارجية المكسيكي الأسبق، ومؤلف كتاب أمريكا بعيون أجنبية.

خدمة بروجيكت سنديكيت