عندما استهزئ بطاليس الملطي، الذي يقال إنه أول الفلاسفة، لفقره وبؤس حرفته، نظر في السماوات، وقرأ العلامات، وتنبأ بحصاد زيتون وفير، فاستأجر بهدوء كل معاصر الزيتون القريبة وحقق ربحا طائلا.

فأثبت بذلك كما يحكي لنا أرسطو أن الفلاسفة قادرون إن شاءوا على تحقيق الثراء ولكن ذلك ليس ما يكترثون لأمره. وقد استغرق الأمر ألفين وخمسمئة عام، لكي يفهم السوق أخيرا وجهة نظر طاليس.

غالبا ما يركز الذعر المحيط بالذكاء الاصطناعي على ما لو أن الآلات سوف تحل محل البشر (أو ببساطة تقتلنا). ولكن ما تبرع فيه الآلات في أكثر الحالات هو جملة مميزة من مهام الاسترجاع والتلخيص شبه الفوري وإعادة التركيب المذهلة المصقولة لكل شيء سبق قوله بالفعل.

أما ما لا تجيده فهو ما تدرِّب الفلسفة البشر عليه منذ آلاف السنين: وهو إصدار الأحكام. ولهذا السبب بدأت شركات الذكاء الاصطناعي في توظيف الفلاسفة، وهي لا تستشيرهم فقط أو تكتفي بجمعهم في نقاشات مسلية بعد تناول العشاء لمعضلة العربة، بل توظفهم فعلا، برواتب وتأمين صحي يفترض أنه يغطي علاج الأسنان.

فشركات الذكاء الاصطناعي بحاجة إلى الفلاسفة لأن التفكير فعليا يستوجب النسيان، ومعرفة متى يكون النسيان. وهي بحاجة إلى الفلاسفة بسبب ما لا تستطيع آلاتهم القيام به.

وإصدار الأحكام ليس بحسبة؛ إنه مقدرة على الموازنة والتمييز واستشعار أن إجابة بعينها هي الحقيقية وأن أخرى هي محض صحيحة. هو ذائقة، وفطنة، ومهارة تفكير في دقائق الأمور. ولا يصقل هذا غير التجربة، عبر الخطأ والحرج والضجر والحزن، ونكد ما بعد شرب الكحول بين الحين والآخر.

والمعنى يستخلص من حقيقة أننا فانون، فالأشياء مهمة لنا لأننا سوف نموت، ونحن على علم بذلك. ولا يمكن أن يوجد معنى مع الخلود. وإن كان لي أن أستعير من الصديق كرستيان مادسبيرج فإنني أود أن أقترح اختبارا أفضل من اختبار تورينج: هل تستطيع آلة أن تمر بتجربة القلق الاجتماعي؟ هل يمكن أن تستلقي مؤرقة في الرابعة صباحا مستعيدة الكلام الغبي الذي قالته على العشاء؟ اتصلوا بي حينما ينجح روبوت دردشة في ذلك. فلكي تصبح الآلات ذكية بالمعنى الإنساني، عليها أن تبالي بشيء.

وننتقل إلى فلاسفة شركات الذكاء الاصطناعي. تحتفظ شركة أنثروبيك بفريق صغير منهم ضمن كشوف الرواتب، من هؤلاء أماندا آسكل التي تناولت أطروحتها للدكتوراه موضوع الأخلاق اللانهائية - أي كيفية التصرف الأمثل في عالم ذي قيمة لا متناهية ووظيفتها هي صياغة شخصية آلة الشركة.

وظفت ديبمايند التابعة لجوجول فيلسوف جامعة كمبريدج هنري شيفلين في وظيفة مستحدثة اسمها «الفيلسوف»، وهذا مسمى وظيفي أحاول دونما جدوى أن أحصل عليه منذ نحو أربعين عاما.

ويقول سام ألتمان الرئيس التنفيذي لشركة (أوبن آيه آي): إن شركته استشارت «مئات من فلاسفة الأخلاق» لوضع المبادئ التي يقوم عليها تشات جي بي تي. (وهو ما يعادل تقريبا الحضور في مؤتمر فلسفي متوسط).

وبعد عمر من التعرض لسؤال في الحفلات عما يمكن أن يفعله المرء حقا بشهادة في الفلسفة، أجد هذا التطور طريفا طرافة لا تحتمل. فلماذا الآن؟ لأن الأسئلة التي تتعثر فيها شركات الذكاء الاصطناعي ليست بأسئلة في الهندسة.

ما الذي يحب أن تقوله الآلات للحزين وللوحيد، ولمن يكتب للفراغ في الرابعة صباحا؟ وأي شخصية ينبغي أن تكون لها، الصريحة أم المجاملة أم المراوغة أم الطيبة؟ هل يمكن لشيء كهذا أن يعاني، وهل ندين له بأي شيء إذا ما عانى؟ هذه هي الأسئلة التي تتعلق بالأمور المهمة. ويحسب للمهندسين أنهم لاحظوا أن أي كم من المقدرة الحاسوبية لن يحل هذه الأسئلة.

إذ يتبين أن الأخلاقيات لا يمكن استخلاصها من الإنترنت، لأن شبكة الإنترنت هي السجل المعاصر لعجزنا عن الاتفاق على الأخلاقيات.

وتكمن ها هنا مفارقة إضافية، وهي مفارقة قديمة؛ فأول ذعر تكنولوجي مسجل في تاريخ الفلسفة كان يتعلق بالشيء الذي برعت فيه هذه الآلات الآن: الذاكرة الاصطناعية.

فقرب نهاية محاورة فيدروس لأفلاطون، يحكي سقراط قصة الإله المصري تحوت خالق الأرقام والهندسة والفلك والداما والنرد وهو يقدم تحفته ـ أي الكتابة ـ إلى ملك مصر الإلهي تحتمس.

يعلن تحوت أن هذا الاكتشاف سوف يزيد من حكمة المصريين، فهو فرماكون للذاكرة، أي ترياقا لها. ولا يقتنع تحتمس، ويرد بأن الكتابة سوف تغرس النسيان في الروح، وسوف يثق الناس في علامات خارجية ويكفون عن التذكر في أنفسهم، فيكتسبون سمعة الحكمة دون واقعها. والفرماكون يعني أيضا السم، وكم يبدو هذا ملائما؛ فكل ذعر منذ ذلك الحين ـ سواء من المطبعة أو الرواية أو التليفزيون أو الهاتف الذكي أو روبوت الدردشة ـ ليس إلا هامشا على كلام تحتمس، والنكتة بالطبع هي أننا لم نعرف بتحذيره هذا من الكتابة إلا لأن أفلاطون كتبه.

حين ننظر للذكاء الاصطناعي في ضوء محاورة فيدروس فإنه لا يبدو انقطاعا وإنما ذروة تمثل الازدهار الأخير الفائق للذاكرة الخارجية، فقد تجرعنا السم-الترياق حتى الثمالة.

وها هنا يبلغ الاختلاف بيننا وبين الآلات أقصى عمق له. فالذكاء الاصطناعي أروع آلة للذاكرة على الإطلاق؛ فهو لا ينسى. بينما الإنسان في المقابل كائن نسَّاء.

ومن أجل أن يتذكر هذا الكائن النسّاء السعيد بنسيانه، ومن أجل تمكينه من الوعد والاستدانة والأخلاق، كان لا بد من آلاف السنين من الانضباط والقسوة المفرطة.

وقد كتب نيتشه أنه «إذا كان لشيء أن يبقى في الذاكرة فلا بد له من أن يحترق فيها»، فالضمير من هذه الزاوية هو ذاكرة في يدها سوط.

غير أن نيتشه كان يقدِّر أيضا ما أطلق عليه النسيان الفعال، واعتبره شكلا من القوة، بل من الصحة.

فالنسيان ليس دلوا مثقوبا وإنما حارس يغلق باب الضمير حتى يتسنى لشيء جديد الحدوث، وحتى يتسنى هضم تجربة بدلا من اجترارها إلى الأبد. فننسى، ونواصل الطريق.

والنسيان والنوم والبهجة والزيجات الثانية والاستمرار في تشجيع فريق لوتون تاون لكرة القدم: كل هذا يعتمد على محو رحيم للماضي.

منذ بضع سنوات كتبت كتابا صغيرا بعنوان «مسرح الذاكرة» عن فيلسوف (هو أقرب إلى نسخة مني لكنها أبشع) حاول أن يتذكر ويرتب كل شذرة من ماضيه في قصر شاسع للذاكرة. ولم يكن في ذلك بارا بنفسه، وهو كذلك أبدا.

فالمخلوق القادر على عدم نسيان أي شيء سيكون فائق الذكاء لكنه سيكون حطاما، مدفونا وهو حي تحت أرشيفه الخاص. وإن ما صنعناه بمعنى من المعاني أرشيف لانهائي لا يمكن أن يحزن ولا يمكن أن يغفر ولا يمكن أن يتجاوز، لأنه في الأصل لم يفقد أي شيء. والآلة تتذكر كل شيء، ولذلك فهي لا تتذكر شيئا بعينه، وهذا عجيب. ولا شيء عندها أهم من شيء.

ومن هنا تزداد قيمة الفلسفة بدلا من أن تقل في عصر الذكاء الاصطناعي. ليس لأن الفلاسفة يمكن أن يتفوقوا على الآلات، فنحن لا نقوى على هذا، وأنا أنسى باستمرار أين خزنت حججي، لكن لأن الفلسفة هي منهج لمعرفة ما يمكن عمله بالتجربة: ما الذي ينبغي الاحتفاظ به، وما الذي ينبغي التخلي عنه، وما الذي ينبغي الضحك عليه، وما الذي ينبغي اعتباره نفاية. والتفكير ليس مراكمة لكل شيء ولكنه فن النسيان الواعي الفعال.

أتصور أن هذا هو عين ما تشتريه شركات الذكاء الاصطناعي حينما توظف الفلاسفة، علمت ذلك أم لم تعلمه. فما من إجابات، والله أعلم أننا لا نملك منها شيئا، وأننا بعد خمسة وعشرين قرنا من الزمن لا نزال نراجع عملنا، وإنما لدينا هو الشك المكتسب في ما نتحمس له، وأذن تسمع الاختلافات بين الحقيقي والممكن، وحميمية احترافية مع حدود كل شيء.

والآلات قد تنتج أي شيء، لكن سوف يظل شخص ما لازما ليقرر ما يجب الاحتفاظ به، وهذا ما لا وجود له في بيانات التدريب.

سيمون كريتشلي هو أستاذ الفلسفة في مدرسة البحث الاجتماعي الجديدة.

الترجمة عن نيويورك تايمز