قال الخبير الاستراتيجي الديمقراطي جيمس كارفيل ذات مرة: «كنت في الماضي أتصور أنه إذا كان هنالك تناسخ للأرواح فسأرغب في العودة إلى الحياة رئيسا لدولة أو بابا أو لاعب كرة بيسبول فذ، لكنني الآن أود أن أعود متجسدا في سوق سندات، فأنت في هذه الحال يمكنك أن ترعب الجميع.»
نعم (يمكنك إخافة كل أحد) باستثناء دونالد ترامب؛ فمنذ فبراير ترسل أسواق السندات إشارات عن استيائها البالغ من سوء إدارة الحكومة الأمريكية لأوضاعها المالية. لقد تخطى عائد السندات لأجل 10 سنوات (وهو مقياس لثقة السوق في قدرة الحكومة على سداد فائدة ديونها) نسبة 5% في هذا الشهر وبلغ بذلك أعلى معدل له منذ عام 2007.
مع ذلك وبدلا من أن يعتبر الرئيس ترامب ما حدث مؤشرا إلى الحاجة لكبح الإنفاق الحكومي أعلن هذا الشهر دفع مبلغ 5000 دولار لكل مواطن أمريكي راشد إذا كان أداء الجمهوريين جيدا في الانتخابات النصفية.
ستكلف هذه المنحة المالية حوالي 1.2 تريليون دولار تقريبا. وما لم تخطط الحكومة للحصول على هذا المال عبر ضرائب جديدة (وهو ما يعني عمليا نشله من جيوب الأمريكيين فقط لإعادته إليهم مرة أخرى) أو خفض الإنفاق، سيضاف إلى الدين القومي الذي يتعدى 40 تريليون دولار. وذلك يمكن أن يزيد من مخاوف أسواق السندات،
لكن الولايات المتحدة ليست وحدها. كما أنها ليست البلد الأكثر عرضة لأزمة في سوق السندات؛ فالعديد من الحكومات تقترض بلا قيود على مدى سنوات.
لقد دشنت برامج حوافز ضخمة في أوقات العسر كالأزمة المالية في عام 2008 وجائحة كوفيد-19، لكنها أخفقت في إعادة ترتيب أوضاعها المالية في أوقات اليسر. ومحاولة ترامب شراء أصوات الناخبين عبر السخاء الحكومي ليست سوى نسخة أكثر وضوحا لما ظلت تفعله الحكومات خلال معظم هذا القرن.
عندما تندلع أزمة سندات يمكن أن تضرب بسرعة وشدة. لقد أمكن للحكومة اليونانية النجاة من المحاسبة على سياسة مالية منفلتة لسنوات إلى أن قررت وكالات التصنيف الائتماني أخيرا وضع حد لذلك في ديسمبر 2009 وخفضت تصنيف دينها.
استجاب حراس السندات (وهذا مصطلح يُستخدم لوصف المستثمرين الذين يعاقبون الحكومات على الشطط في الاقتراض) بالتخلص من الدين اليوناني.
وخلال شهور ارتفعت العوائد على السندات إلى مستويات استحال على الحكومة تحملها.
حصلت اليونان على حزمة إنقاذ مالي أعقبتها ثمانية أعوام من التخفيضات المثيرة للأجور ورواتب التقاعد قبل استعادة النظام. وحتى الآن لا تزال الدخول الحقيقية أقل عما كانت عليه في عام 2009.
هل ما حدث في اليونان يمكن أن يحدث في أمريكا؟ ربما، لكن هنالك بلد آخر يمكن أن يكون اليوم وإلى حد كبير الهدفَ المرجَّح لحراس السندات.
إنه بريطانيا؛ ففي حين يتخطى عائد سندات الخزانة الأمريكية لمدة 10 سنوات نسبة 5% بلغ عائد السندات البريطانية المكافئة لها 5.43% هذا الشهر. وهو أعلى من عوائد سندات معظم بلدان الاقتصادات المتقدمة الأخرى.
بريطانيا عرضة لذلك؛ لأن لديها تاريخ من معدلات التضخم التي تفوق نظائرها في البلدان المتقدمة الأخرى.
وهو ما يقلص القيمة الحقيقية للسندات. كما لدى بريطانيا أيضا نسبة مرتفعة على نحو غير عادي لسندات دينها الحكومي المرتبطة بمؤشر التضخم (حوالي الربع من إجمالي ديونها)، وهو ما يعني أن مدفوعات الفائدة على هذا الدين ترتفع وتنخفض مع ارتفاع وانخفاض التضخم.
يجعل ذلك تكلفة خدمة ديون الحكومة متقلِّبة على نحو خاص.
وما يضيف الى خطورة الوضع أن بريطانيا تقف الآن لوحدها؛ فبعد خروجها من الاتحاد الأوروبي لم يعد لديها نفوذ كاف لكي تلتمس إنقادا ماليا من البنك المركزي الأوروبي إذا دخلت في متاعب.
بريطانيا لديها أيضا رئيس وزراء جديد. إنه أندي بيرنام. وهو الذي أرعب المستثمرين في العام الماضي حين قال: يجب ألا تشعر الحكومة بأنها «رهينة لسوق السندات».
لم يكن يعني بذلك كما يبدو أنه أراد من الحكومة التخلص من دينها. لقد فُهِمَ من تعليقه إنه يعني على بريطانيا الكف عن القلق بشأن الدين واقتراض المزيد رغم رفض بيرنام لهذا التفسير في مقابلة له هذا الشهر.
ولم يكن بيرنام حينها حتى عضوا في البرلمان، بل كان عمدة مانشستر، ويتحدث عنه الناس كرئيس وزراء مستقبلي، لكن مع ذلك كان رد فعل الأسواق سلبيا.
استهدف حراس السندات بريطانيا مرة من قبل. حدث ذلك قبل أربعة أعوام أثناء حكومة رئيسة الوزراء ليز تراس والتي استمرت لمدة 49 يوما.
أثار برنامجها للتخفيضات الضريبية دون أن يقترن بخفض في الإنفاق الخوف في أسواق السندات. وقاد ارتفاعٌ حاد في عوائد السندات الحكومية إلى شبه انهيار لصناديق التقاعد البريطانية.
مع ذلك، عوائد السندات في بريطانيا اليوم أعلى بنقطة مئوية كاملة عما كانت عليه وقتها. وهذا يوحي بأن الثقة في قدرة الحكومة على إدارة أوضاعها المالية أقل الآن. إذا دُفِعت بريطانيا إلى الانهيار بواسطة أسواق السندات فسيكون ذلك تحذيرا لأمريكا وكل بلد آخر تفاقمت ديونه. لقد أفرطت معظم بلدان العالم المتقدم في الاستدانة والحساب قادم.