نظمت المدينة الطبية الجامعية اليوم النسخة الثانية من يوم البحث العلمي السنوي تحت شعار "من الدليل إلى التميز"، برعاية معالي السيد سعود بن هلال البوسعيدي، وزير الثقافة والرياضة والشباب، وبمشاركة أكثر من 600 باحث وأكاديمي ومهني صحي من مؤسسات صحية وأكاديمية وبحثية في سلطنة عُمان.
وجاءت النسخة الثانية من الحدث لتضع البحث في سياقه العملي؛ بوصفه أداة لتحسين القرار الصحي، واختبار الممارسات، وتطوير الحلول الصحية، وليس نشاطًا منفصلًا عن الرعاية الصحية.
وقالت الدكتورة سهام بنت سالم السناني، الرئيسة التنفيذية للمدينة الطبية الجامعية: لا تُقاس قيمة البحث بعدد الدراسات التي ننجزها، وإنما بما تُغيره هذه الدراسات في طريقة التفكير والقرار والممارسة، وما نريده في المدينة الطبية الجامعية هو أن يكون البحث قريبًا من المريض، يبدأ من سؤال حقيقي في الممارسة، ويعود إليها بدليل أفضل أو قرار أدق أو حل يمكن تطبيقه.
نشاط بحثي
وأوضحت أن المشاركة في هذه النسخة تعكس اتساع النشاط البحثي في المدينة الطبية الجامعية والقطاع الصحي، لكنها تضع أمامنا أيضًا مسؤولية أكبر وهي أن نبني بيئة تسمح بالسؤال والنقد والتجربة والتعاون، وأن نزيد قدرتنا على تحويل المعرفة التي ننتجها إلى أثر يمكن قياسه في جودة الرعاية ونتائجها.
من جانبه، قال الأستاذ الدكتور مرتضى بن خميس الخابوري، المدير العام للمديرية العامة للتعليم الطبي والبحث العلمي والابتكار: إن يوم البحث العلمي يوفر مساحة تجمع الباحثين من تخصصات ومؤسسات مختلفة، وتتيح عرض الأعمال ومناقشتها وبناء روابط بحثية جديدة، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدًا من التكامل بين البحث والممارسة الإكلينيكية، وبين المؤسسات الصحية والأكاديمية، بما يساعد على توجيه البحث نحو الأولويات الصحية وتحويل نتائجه إلى تطبيقات وسياسات قابلة للاستخدام.
وتطرق الدكتور مرتضى إلى النشر العلمي، حيث سجّلت المدينة الطبية الجامعية في عام 2025 عدد 353 بحثًا علميًا منشورًا في مجلات علمية محكّمة ومفهرسة، بنمو بلغ 14% مقارنةً بعام 2024، فيما بلغ عدد الأبحاث المنشورة في النصف الأول من عام 2026 وحده 203 أبحاث.
التجارب الإكلينيكية
وعلى صعيد التجارب الإكلينيكية، استقطبت المدينة 46 تجربة إكلينيكية جديدة خلال السنوات الثلاث الماضية، بما يتيح لمرضانا الوصول إلى علاجات مبتكرة، ويضع المدينة الطبية الجامعية على خارطة البحث الإكلينيكي إقليميًا ودوليًا، أما على صعيد البنية البحثية، وسّعت المدينة الطبية الجامعية قدراتها المخبرية في مجالات علم الجينوم، وعلم النواسخ، وعلم المجموع البروتيني، وقياس التدفق الخلوي، والمعلوماتية الحيوية، والإحصاء الحيوي، بما في ذلك إدخال تقنيات تسلسل الإكسوم الكامل والجينوم الكامل. كما أدخلت فحوصات جزيئية متقدمة داعمة للطب الدقيق، تشمل التنميط الجينومي الشامل، والخزعة السائلة، وفحص الطفرات الوراثية في جينَي البراكا الأول والثاني، والفحوصات الجينية الدوائية. وهي قدرات تُسهم في توطين التقنيات المتقدمة، وتدعم القرار العلاجي المبني على الخصائص الجينية لكل مريض.
وخلال هذا العام تمت إضافة محورين جديدين يتضمنان أبحاث السياسات الصحية، وأبحاث التعليم الطبي؛ وذلك إيمانًا بأن النظام الصحي الرصين يُبنى بسياسات مستندة إلى الدليل، كما يُبنى بعلاج مستند إليه، وبأن إعداد الأجيال القادمة يستحق أن يكون هو الآخر موضوعًا للبحث العلمي.
كما تم استحداث فئات جديدة من الجوائز تكريمًا للإنجاز البحثي المستدام، وهي جائزة الباحثين الثلاثة الأعلى إنتاجية في المدينة الطبية الجامعية، وجائزة المركز الأعلى في الإنتاجية البحثية، وجائزة المركز الأعلى في التجارب السريرية، وقد احتُسبت جميعها وفق الإنتاجية خلال السنوات الثلاث الماضية، ومُعايرة بعدد الكوادر في كل مركز، ضمانًا للعدالة والموضوعية في التقييم.
دور الذكاء الاصطناعي
وقدم الأستاذ الدكتور زبير يونسي، رئيس المجلس العالمي لالتهاب الكبد الدهني، محاضرة متخصصة حول دور الذكاء الاصطناعي في تطوير البحث الطبي في الأمراض المزمنة ودعم اتخاذ القرار الصحي، إلى جانب 15 عرضًا بحثيًا شفهيًا، و60 ملصقًا علميًا تأهلت من بين 340 ورقة بحثية تقدمت للمشاركة.
وامتدت الأبحاث المشاركة عبر 20 مجالًا بحثيًا، شملت تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتعلم الآلة في التنبؤ بالمضاعفات الصحية، والطب الدقيق، وأبحاث الأورام وأمراض القلب وزراعة الأعضاء والأمراض المعدية وسلامة المرضى والصيدلة الإكلينيكية. كما تناولت بحوث أخرى الصحة السكانية واقتصاديات الصحة والسياسات الصحية، والتعليم الطبي، وجودة الرعاية، والصحة العامة والعلوم الأساسية؛ بما يقدم صورة واسعة عن القضايا التي يعمل عليها الباحثون والممارسون الصحيون في المدينة الطبية الجامعية والمؤسسات الصحية والأكاديمية بسلطنة عُمان.
حزمة من المبادرات
وأعلن خلال الحفل عن حزمة من المبادرات، منها الإطلاق الرسمي لوحدة دعم البحث العلمي، لتكون سندًا للباحثين في جميع مراحل البحث، من الفكرة والتصميم المنهجي إلى التحليل والنشر، وإتاحة منصة الردكاب لإنشاء السجلات البحثية وإدارة البيانات لجميع مراكز المدينة الطبية الجامعية، وتوسعة وحدة التجارب الإكلينيكية لتشمل جميع مراكز المدينة الطبية الجامعية، إلى جانب بدء تقديم المنح البحثية ودعم رسوم النشر لباحثي المدينة الطبية الجامعية، بدعم من هيئة البحث العلمي والابتكار ضمن برنامج التمويل المؤسسي.
وأكد الدكتور شعيب بن عبدالرحمن الزدجالي، رئيس قسم مختبرات الأبحاث بمركز السلطان قابوس المتكامل لعلاج وبحوث أمراض السرطان، أن الأبحاث أصبحت من أهم المحطات الرئيسية لتطوير القطاع الصحي في سلطنة عُمان، فهي لا تقتصر على إنتاج المعرفة وإنما القدرة على تحويل هذه المعرفة إلى تقنيات وحلول وممارسات تسهم في تحسين صحة المواطن وجودة الخدمات الصحية.
وأوضح الدكتور منجد بن محمد الحارثي، مدير مركز الأبحاث بالمدينة الطبية الجامعية: تعد التجارب السريرية ركيزة أساسية للابتكار الطبي الحديث، حيث يمر كل دواء أو علاج جديد بعدة مراحل من الدراسات، من أجل ضمان فعاليته قبل الاعتماد، ونفخر بوجود أول وحدة سريرية مزودة بالبنية التحتية للتجارب السريرية وللطاقم المختص لضمان نجاح المنظومة البحثية.
وعبر عدد من الباحثين المشاركين في الفعالية عن أهمية دعم الأبحاث العلمية في مختلف المجالات، فقالت الباحثة نبيهة بنت سعيد الحسني، ممرضة بمركز السلطان قابوس المتكامل لعلاج وبحوث السرطان: شاركت بدراسة بعنوان "تقييم أثر برنامج تدريبي للرعاية التلطيفية ورعاية نهاية الحياة على المعرفة والمواقف والممارسات والتواصل لدى الممرضين العاملين في خدمات السرطان في سلطنة عُمان"، وهدفت الدراسة إلى تقييم أثر برنامج تدريبي مكيّف ثقافيًا في الرعاية التلطيفية ورعاية نهاية الحياة على معارف ومواقف وممارسات ومهارات التواصل لدى الممرضين العاملين في خدمات السرطان بسلطنة عُمان، مشيرة إلى أنه تم استخدام تصميم شبه تجريبي بالقياسين القبلي والبعدي مع مجموعة ضابطة شملت 189 ممرضًا وممرضة.
وأشارت إلى أن النتائج أظهرت تحسنًا ملحوظًا في المعرفة والمواقف ومهارات التواصل لدى المشاركين في البرنامج التدريبي، وأسهمت مخرجات الدراسة في اعتماد البرنامج كبرنامج تدريبي إلزامي لجميع الكوادر التمريضية في مركز السلطان قابوس المتكامل لعلاج وبحوث السرطان، وإدراج تقييم الهذيان ضمن التقييمات التمريضية الروتينية للمرضى. كما نُشرت نتائج الدراسة في مجلات علمية محكمة، مما يعكس قيمتها العلمية وإسهامها في تطوير الممارسة التمريضية المبنية على الأدلة وتحسين جودة الرعاية التلطيفية في سلطنة عُمان.
وتحدثت قبس الإسماعيلية، طالبة طب في جامعة السلطان قابوس، قائلة: شاركتُ مع فريقي البحثي في يوم البحث العلمي السنوي للمدينة الطبية الجامعية بدراسة بعنوان "الباراسومنيا بين طلبة البكالوريوس في جامعة السلطان قابوس"، وهي اضطرابات سلوكية تحدث أثناء النوم وقد تؤثر على صحة الطالب الجسدية والنفسية وعلى أدائه الدراسي، موضحة أنه استهدف 467 طالبًا وطالبة خلال شهري فبراير ومارس 2025، واستخدمنا فيه استبيانًا إلكترونيًا ومقياس ميونخ المعتمد لفحص الباراسومنيا. ووجدنا أن أكثر الاضطرابات شيوعًا هي الارتعاشات المفاجئة عند بداية النوم بنسبة 43%، تليها الكوابيس بنسبة 37%، ثم الهلوسات المصاحبة للنوم أو الاستيقاظ بنسبة 27%.
وأضافت: من أبرز ما توصلنا إليه وجود ارتباط بين هذه الاضطرابات والأداء الأكاديمي، إذ سجّل الطلبة ذوو المعدلات المنخفضة درجات أعلى في مقياس الباراسومنيا مقارنة بأصحاب المعدلات المرتفعة، وتأمل أن تسهم النتائج في رفع الوعي بصحة النوم، وتشجيع برامج تدعم العادات الصحية وإدارة الضغوط والاكتشاف المبكر، لأن النوم الجيد ينعكس مباشرة على رفاه الطالب وتحصيله العلمي.
تكريم الفائزين
وشهد ختام الفعالية الإعلان عن الفائزين بجوائز الدورة الثانية، حيث كُرمت المراكز الثلاثة الأولى في فئتي العروض البحثية الشفهية والملصقات العلمية، إلى جانب جوائز أفضل باحث ناشئ، وأفضل ملصق في البحوث الأساسية، والبحوث التعليمية، والبحوث المؤسسية والسياسات الصحية. كما كُرّم الباحثون الأعلى إنتاجية بحثية في المدينة الطبية الجامعية خلال الفترة من 2023 إلى 2025، تقديرًا لإسهاماتهم العلمية، إلى جانب تكريم الجهات المشاركة والداعمة للحدث.
ويأتي يوم البحث العلمي ليمنح هذا النشاط العلمي المتميز مساحة مشتركة للعرض والنقاش والتواصل بين الباحثين؛ لتكون القيمة التي تسعى المدينة الطبية الجامعية إلى بنائها متجاوزة ليوم سنوي أو عدد من المنشورات، فالهدف هو مؤسسة تتعلم من بياناتها، وتختبر ممارساتها، وتنتج المعرفة حيث توجد الحاجة إليها، ثم تعيدها إلى المريض في صورة رعاية أفضل.