ترجمة: أحمد شافعي
امتحان: ما الدولة التي تتجاوز هاييتي والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية في المروق وفي التخلف عن سداد ما عليها من مستحقات؟
الجواب: في أروقة الأمم المتحدة، هذه الدولة هي الولايات المتحدة الأمريكية العريقة الصالحة.
فإدارة ترامب متأخرة عن سداد مستحقات الولايات المتحدة لدى المنظمة، في حين أن مائة وإحدى وأربعين دولة ـ منها الدول المذكورة آنفا ـ قد سددت كامل مستحقاتها.
وفي حين أن البلاد الأخرى تتظاهر على أقل تقدير بدعم السلام عملا بروح الأمم المتحدة، استعمل الرئيس ترامب خطبته في الأمم المتحدة للتهديد بـ«محو» إيران و«الزج بها في الجحيم»، فكانت واقعة نادرة لزعيم عالمي أن يستغل منبر الأمم المتحدة للنظر في ارتكاب ما يبدو شبيها بإبادة جماعية.
وتبرز بهذا مأساة عصرنا الذي يجري فيه مائة وثلاثون صراعا مسلحا في أرجاء الكوكب، أي أكثر من ضعف ما كان جاريا من صراعات في عام 2009، وفقا للجنة الدولية للصليب الأحمر، وقسم كبير من التحديات التي تواجهنا هي ذات صبغة دولية وتستوجب حلولا متعددة الأطراف، ولكن القوى الرئيسية تعمل على تهميش الأمم المتحدة وتقلل من فعاليتها المعهودة.
تشهد أسعار الوقود ارتفاعا حادا، وتمتد حرب ترامب مع إيران إلى اليمن والبحر الأحمر، وتنخرط روسيا في ما يقال له هجمات المنطقة الرمادية على أوروبا، وثمة خطر بأن تنشب حرب مع الصين بسبب تايوان أو بحر الصين الجنوبي، ومخدرات وأوبئة وذكاء اصطناعي وقرصنة كمبيوتر وإرهاب واتجار في البشر وتغير مناخي وحصيلة حرب أوكرانيا والسودان وغزة، ومجاعة تطل من الأفق في الصومال ـ وكل هذه التحديات تقتضي استجابة تعاونية، والأمم المتحدة هي المنصة البديهية لتحقيق ذلك.
ولكن الأمم المتحدة أقرب إلى عديمة الأهمية في كثير من هذه المشكلات.
لقد استهزأ ترامب في العام الماضي بالأمم المتحدة واصفا إياها بالمليئة «بالكلام الأجوف»، ولم يخل ما قاله من وجاهة؛ فما الأمم المتحدة إلا كبرج بابل مهتز يبرع في إصدار الورق أكثر مما يبرع في حل الصراعات، فالجحيم اجتماع في الأمم المتحدة.
كم من مرة على مدار السنين وددت لو أنطح الجدار إحباطا من بيروقراطية الأمم المتحدة. في عام 2009، كنت أغطي الإبادة الجماعية في دارفور برفقة جورج كلوني، حين سحبت الأمم المتحدة مرافقينا الأمنيين خشية أن يرتبط اسمها بأي نقد قد يوجهه كلوني للسودان بسبب ارتكابه الإبادة الجماعية.
وعندما كان البوسنيون والروانديون واليزيديون يتعرضون للمجازر تقاعست الأمم المتحدة.
قالت نادية مراد الحاصلة على نوبل في السلام والتي حاصر مقاتلو داعش منطقتها اليزيدية في العراق سنة 2014 لقرابة أسبوعين إن «الثمن يقاس بالأرواح» وقالت لي إن «أحدا لم يأت لنجدتنا» فانتهى بها الحال مخطوفة لدى داعش حيث تعرضت للاغتصاب على مدى شهور. وتعرضت والدتها وأخوتها الستة للقتل.
لكن لو أن الأمم المتحدة تعاني بشكل دوري من الشلل، فهي أيضا ذات أهمية حيوية وفي بعض الأحيان تكون بمنزلة هبة إلهية.
فقد قالت مراد «لقد رأيت أيضا موظفين في الأمم المتحدة يبقون في أماكن رحل عنها جميع من عداهم. فلا غنى عن عملهم، ولذلك السبب بالذات يجب أن تؤدي الأمم المتحدة عملها أداء أفضل».
وقد يدين المنتقدون عمال الأمم المتحدة باعتبار أنهم «طفيليون ذوو غطرسة قاتلة» مثلما قال عنهم الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي قبل أيام قليلة، لكنني تعرضت شخصيا لفوهات البنادق بجانب عمال الإغاثة الإنسانية الأمميين الشجعان في جمهورية أفريقيا الوسطى ممن كانوا يحاولون تقديم المساعدة في منطقة بائسة بعد أن هرب عمال إغاثة آخرون.
رأيت موظفي الأمم المتحدة في الخطوط الأمامية يعيشون في حاويات شحن في الصومال، ورأيتهم ينامون في خيام في جنوب السودان، ويسوقون على طرق خطرة في الكونغو، ويواجهون رجالا مسلحين في اليمن، مخاطرين بأرواحهم من أجل إنقاذ أطفال من الحرب والاغتصاب والمرض.
لقد كان من أبطال القرن العشرين جيمس بي جرانت الذي قاد اليونيسف وفي عام 1982 خطط لثورة في ما يتعلق بإنقاذ الأطفال، إذ وظف هو وفريقه اللقاحات والعلاج الجيد من الإسهال لإنقاذ حياة خمسة وعشرين مليون طفل خلال حياته، ثم ملايين لا حصر لها من الأطفال منذ ذلك الحين.
فمتى فعل منتقدو الأمم المتحدة نصف ذلك نبلا؟
متى خاطر منتقدو الأمم المتحدة بأرواحهم من أجل الآخرين، مثلما فعل مائة وستة وثلاثون من موظفي الأمم المتحدة الذين ماتوا وهم يؤدون عملهم العام الماضي؟ أو مثل ثلاثة وسبعين من العاملين في الأمم المتحدة محبوسين حاليا في اليمن؟
اليوم في جمهورية الكونغو الديمقراطية، يقاتل عمال الأمم المتحدة تفشي إيبولا. وفي الصومال، يطعمون الأطفال الجياع. وفي غزة، يوزعون المساعدات.
ولو أن الولايات المتحدة تميزت خلال حرب غزة بإمداد إسرائيل بقنابل الألفي طن التي استعملتها في تدبير الأحياء السكنية، فقد برزت الأمم المتحدة بمحاولتها تحقيق السلام وتمرير المساعدات عبر نقاط التفتيش الإسرائيلية.
وما النقيض لتعددية الأمم المتحدة؟ إنه غزو روسيا لأوكرانيا. وهجوم ترامب على إيران. وإلقاء إيلون ماسك «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مفرمة الخشب» على حد قوله متسببا وفق بعض التقديرات في هلاك سبعمائة وخمسين ألف نفس.
فبرغم نفاد صبري الكبير من بيروقراطية الأمم المتحدة البطيئة، فإنني أختار الأمم المتحدة مهما تكن الظروف وأعليها على تعصب القوى العظمى وتقلبها.
فالأمر لا يتعلق فقط بالأمم المتحدة في ذاتها بل بالبنيان العالمي الأعم. أما ضربات ترامب للناتو فهبة لروسيا. وهجومه على المحكمة الجنائية الدولية هبة لأمراء الحروب. وانسحابه من منظمة الصحة العالمية هبة للفيروسات.
من المؤكد أن انتقاد الأمم المتحدة ممكن، وهي في الغالب تستحقه. لكن في رأيي أن ملايين إضافية من الأطفال يمكن أن يموتوا في كل عام لولا اليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي ووكالة الأمم المتحدة لشئون اللاجئين ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية، فبالنظر إلى المجمل، يبدو من الممكن الدفاع عن هذا السجل، أم لا؟
عليكم أيضا أن تفهموا أن الأمم المتحدة هي عماد متداع لما بقي من النظام العالمي الجيوسياسي الذي ساعدت الولايات المتحدة في إنشائه بعد الحرب العالمية الثانية فأفادنا وأفاد العالم كثيرا.
ولاحظوا أن من أسباب شلل الأمم المتحدة وجبنها المثيرين للغضب الشديد هو أن القوى العظمى تلقي بثقلها وكثيرا ما تعترض بحق النقض على أعمال بناءة وتقلل الميزانيات أيضا كما في حالة الولايات المتحدة. ويؤسفني أن الشلل قد يتفاقم؛ إذ من المفترض أن تختار الأمم المتحدة أمينا عاما جديدا لها هذا العام، وهذه لحظة يحتاج فيها العالم إلى قائد مسموع الصوت ذي كاريزما يستطيع أن يستخدم نفوذه في مواجهة أزمات الكوكب الإنسانية والأمنية والتعامل معها. ومن أسف أن هذا هو على وجه التحديد ما قررت الولايات المتحدة والصين وروسيا تجنب حدوثه. وثمة خوف متزايد من أن ترامب وشي جين بينج وفلاديمير بوتين قد لا يتمكنون من الاتفاق على أي من المرشحين الحاليين لمنصب الأمين العام، وأنهم سوف يستقرون على حصان أسود مدجن نكرة هين لين تزداد به الأمم المتحدة تهمشا ووهنا.
والأرجح أن ينجم عن ذلك مزيد من تفشيات إيبولا، ومزيد من الحروب، ومزيد من الشلل في مواجهة التهديدات المشتركة للإنسانية، ومزيد من العتمة التي تحل على كوكبنا.
نيكولاس كريستوف من كتاب الأعمدة في نيويورك تايمز منذ 2001