أصبح من العبارات الشائعة التي يرددها الأمريكيون أن النظام السياسي في الولايات المتحدة قد أصابه الخلل. والسؤال هو: كيف وصل إلى هذه الحال؟ وكيف يمكن إعادة السياسة الأمريكية إلى مسارها الصحيح؟
أسهمت عوامل كثيرة في الفوضى الراهنة. وبعض هذه العوامل، مثل التلاعب بحدود الدوائر الانتخابية في الكونغرس، واضح ومباشر ويستدعي الإصلاح بصورة ملحّة. غير أنه لا يمكن تحديد أيٍّ منها بوصفه سببًا خارجيًا أساسيًا واحدًا يقف وراء جميع العوامل الأخرى، فضلًا عن أن يفسر لماذا حدث هذا التدهور في هذا التوقيت بالذات.
ومع ذلك، يرى بعضهم خلاف ذلك؛ فمن اقتصاديين مرموقين إلى الاشتراكيين الديمقراطيين، تتسع دائرة من يجادلون بأن السبب الجذري للمشكلات التي تعصف بالسياسة الأمريكية هو تفاقم عدم المساواة في الدخل، وهو ما أتاح نشوء حكم أوليغارشي يعيد إنتاج نفسه ويضمن استمراره. ومن ثم يخلصون إلى أن إصلاح السياسة الأمريكية يبدأ بتضييق فجوة الثروة.
وصحيح أن عدم المساواة قد ازداد، وأنه أمر غير مرغوب فيه بدرجة كبيرة ويستدعي استجابة على مستوى السياسات، تبدأ بخطوات بسيطة نسبيًا، مثل توسيع نطاق «الائتمان الضريبي على الدخل المكتسب» وزيادة فرص الحصول على الرعاية الصحية عبر قانون الرعاية الميسّرة «أوباماكير».
وصحيح أيضًا أن أغنى 0.01% من السكان تمكنوا من توريث ثرواتهم عبر الأجيال، من خلال نجاحهم في الدفع باتجاه إجراءات رجعية، من بينها التفكيك شبه الكامل لضريبة التركات.
وصحيح كذلك أن هناك أموالًا أكثر مما ينبغي في السياسة؛ فقد كان قرار المحكمة العليا في قضية «سيتيزنز يونايتد»، الذي ألغى القيود المفروضة على تمويل الشركات للحملات الانتخابية، منعطفًا خاطئًا.
لكن أياً من ذلك لا يشكّل سلسلة سببية متماسكة يمكنها أن تتحمل عبء الادعاء بأن عدم المساواة هو السبب الجذري للمشكلات السياسية في الولايات المتحدة.
وللبدء، فإن الثروة لا ترتبط بالضرورة بالسياسة اليمينية أو المحافظة؛ نعم، كثير من فاحشي الثراء - أي المنتمين إلى أعلى 0.01% - باعوا ضمائرهم للسياسيين اليمينيين الذين يعدونهم بخفض الضرائب، غير أن ارتفاع مستويات الدخل والتعليم يرتبط، بوجه عام، بسياسات أكثر ليبرالية.
فالولايات الزرقاء، التي تميل إلى الديمقراطيين، تتمتع بمستويات دخل أعلى من الولايات الحمراء، التي تميل إلى الجمهوريين، كما أن المقاطعات الزرقاء تسجل دخولًا أعلى من المقاطعات الحمراء داخل الولاية نفسها.
وفوق ذلك، فإن دونالد ترامب لا يدين بصعوده السياسي - الذي بلغ ذروته بفوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2016 - لمساهمات تمويل الحملات الانتخابية، فقد منحته وسائل الإعلام كل الدعاية المجانية التي كان يحتاج إليها.
وعلى أي حال، فإن فكرة أن مساهمات تمويل الحملات لها تأثير كبير في نتائج الانتخابات لا تدعمها الأدلة الإحصائية، ولا سيما عندما يكون المرشح معروفًا أصلًا لدى الناخبين.
ومن المؤكد أن الإنفاق على الحملات الانتخابية قد يظل مؤثرًا في سلوك السياسي، لمجرد أن السياسي نفسه يعتقد أن هذا الإنفاق يؤثر في نتائج الانتخابات. وهذا فضلًا عن احتمال آخر، كثر الحديث عنه في عهد ترامب، وهو أن تذهب الأموال مباشرة إلى جيوب السياسيين أنفسهم. غير أن أياً من ذلك لا يعني أن الأثرياء يستطيعون شراء الانتخابات.
وحتى لو كان عدم المساواة يسهم فعلًا في دفع السياسة نحو اليمين، فإن تشخيص المشكلة وحده لا يكفي لإعادة قدر من العقلانية إلى السياسة الأمريكية. فمشاعر الاستياء من النخب الثرية لا تقود بالضرورة إلى نتائج انتخابية جيدة. ففي عام 2016، نجح ترامب في إقناع ناخبين شعروا بأنهم «تُركوا خلف الركب» بدعمه، بعدما أقنعهم بأنه سيدافع عن مصالحهم في مواجهة «نخب» خبيثة.
لكنه، ما إن وصل إلى الحكم، حتى أفاد الأثرياء بدلًا من ذلك؛ ومع ذلك، أُعيد انتخابه في عام 2024 بعدما حصل على أعلى نسبة من أصوات الناخبين، من دون أن يحقق أغلبية مطلقة.
واليوم، يقدّم الاشتراكيون الديمقراطيون أنفسهم بوصفهم المدافعين الحقيقيين عن العمال، فيما يزداد انجذاب الناشطين السياسيين الليبراليين إليهم.
غير أن دعم السياسيين المنتمين إلى أقصى اليسار في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، أو بوصفهم مرشحين عن أحزاب ثالثة، يكاد يكون طريقًا مضمونًا لإيصال الجمهوريين إلى السلطة.
فلولا رالف نادر، لما تمكن الجمهوري جورج دبليو بوش من هزيمة الديمقراطي آل غور في الانتخابات الرئاسية عام 2000. وما تزال «نظرية الناخب الوسطي» قائمة.
وثمة تفسير أفضل لتفاقم الخلل السياسي في الولايات المتحدة، وهو أن مجموعات مختلفة من الناخبين باتت تؤمن بحقائق مختلفة. ويعكس ذلك تأثير عاملين: أولهما خوارزميات العصر الحديث التي لا تعرّض كل فرد إلا لمصادر الأخبار التي تقول له ما يريد سماعه، وثانيهما الميل الإنساني الأزلي إلى التعميم المفرط انطلاقًا من المعلومات الظاهرة أمامه بوضوح، من دون أن يضع في الحسبان أن معلومات أخرى قد تكون محجوبة عنه.
ويمثل هذا الطرح محاولتي، بصفتي غير متخصص، لجمع مصادر الأخطاء المنهجية التي درسها علماء النفس والاقتصاديون السلوكيون تحت إطار واحد: التثبيت الذهني، والانحياز التأكيدي، واستدلال التوافر، وغيرها من الظواهر ذات الصلة.
وهذه السمات النفسية متجذرة في الدماغ البشري؛ لكن ذلك لا يعني أنه لا يمكن مقاومتها. والمفتاح هو امتلاك مهارات أفضل في التفكير النقدي، وهي مهارات يمكن تدريسها في المدارس.
وقد تبدو كثير من التوصيات بسيطة: لا تصدق كل ما تسمع. وعندما تقرأ مقالًا أو تشاهد مقطع فيديو، فابحث عن الهوامش أو الروابط التي تقود إلى مصادر موثوقة.
وإذا لم تكن موجودة، فلا تنقل الأفكار كما لو كانت حقائق. وأدرج في أعمالك أنت أيضًا إحالات موثوقة إلى المصادر، ولا تفترض أن الارتباط يعني بالضرورة وجود علاقة سببية، واخرج من غرف الصدى، وعرّض نفسك لفضاءات يتواصل فيها الناس مع آخرين خارج دوائرهم المألوفة ومناطق راحتهم الفكرية.
وقد لا يبدو أن في هذا ما يصلح لأن يكون أساسًا لاستراتيجية سياسية؛ لكن تحسين مهارات التفكير النقدي شرط مسبق لأي تقدم، بما في ذلك في مسألة عدم المساواة. وسيكون من المستحيل بناء تأييد لسياسات مثل الضرائب التصاعدية أو الرعاية الصحية الشاملة إذا لم يفهمها الجمهور أو يدرك آثارها.
وما دامت أخطاء الإدراك المنهجية حادة كما هي اليوم، فإن أي محاولة لزيادة الحضور السياسي لقضية عدم المساواة يمكن، بالسهولة نفسها، أن تنتج مزيدًا من الأصوات لترامب مثلما يمكن أن تعزز التأييد للسياسات التقدمية.
وحتى إذا جرى تطبيق مثل هذه السياسات وأدى ذلك إلى إحراز تقدم في إعادة توزيع الدخل، فلن يؤدي هذا بالضرورة إلى نشوء دائرة حميدة تعيد العقلانية إلى السياسة وتنتج سياسات جيدة.
كما أن الآثار المتتابعة المترتبة على تقليص تدفق أموال تمويل الحملات إلى المحافظين لن تؤدي بالضرورة إلى انتخاب التقدميين، ومن ثم فهي لا تتمتع بذلك القدر من القدرة على تعزيز نفسها ذاتيًا الذي يبدو أن بعضهم يفترضه.
وعلى النقيض من ذلك، فإن أي جهد لتعليم الناس التفكير النقدي سيكون بالفعل قادرًا على تعزيز نفسه، لأنه سيقوي التأييد السياسي للعلم والخبرة والعقلانية.
ومع تحسن السياسات، ستتحسن النتائج أيضًا، بما في ذلك ما يتعلق بعدم المساواة؛ لكن النقطة الحاسمة هي أن انخفاض عدم المساواة سيكون نتيجة لهذا المسار، لا نقطة البداية فيه.
جيفري فرانكل أستاذ تكوين رأس المال والنمو في جامعة هارفارد، وباحث مشارك في المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية بالولايات المتحدة.