يدخل الذكاء الاصطناعي اليوم في صميم قرار السائح؛ يقترح عليه الوجهة، ويرتب خياراته، ويقارن بين التجارب، ويصمم برنامجًا يتناسب مع اهتماماته وميزانيته ومدة إقامته فكلما أصبحت البيانات أدق، زادت قدرة هذه الأدوات على توجيه الاختيار من لحظة التفكير في السفر حتى الحجز وخوض التجربة.
وفي سلطنة عُمان، يمثّل هذا التحول فرصة جديدة أمام القطاع السياحي من حيث كيفية ظهور الوجهات داخل هذه المنصات؟ وكيف يمكن توجيه الزائر إلى التجارب التي تتناسب مع اهماماته وآليات ربطه بالمنتج المحلي.
بداية قالت ساجدة بنت راشد الغيثي، مديرة دائرة التسويق السياحي بوزارة التراث والسياحة إن رحلة السائح الرقمية شهدت تغيرًا واضحًا خلال السنوات الأخيرة؛ فبدلًا من البحث عن كلمات محددة والتنقل بين عدد كبير من المواقع، أصبح بإمكان المسافر أن يطلب من تطبيقات الذكاء الاصطناعي برنامجًا يتناسب مع اهتماماته وميزانيته ومدة إقامته وطبيعة التجارب التي يبحث عنها.

**media[3526174]**


وأوضحت أن هذا التحول يغير بدوره طريقة الترويج للوجهات؛ إذ لم تعد المسألة تقتصر على تعريف المسافر بالمكان، وإنما تمتد إلى تحويل اهتمامه إلى منتج سياحي قابل للتخطيط والحجز. ولذلك تعمل الوزارة على الترويج لسلطنة عُمان من خلال حزم وبرامج سياحية يتم تطويرها بالتعاون مع شركات القطاع ومنصات الحجوزات العالمية.
وأكدت أن المنافسة لم تعد مرتبطة بالظهور في نتائج محركات البحث وحدها، وإنما بمدى توفر معلومات دقيقة ومنظمة ومتنوعة عن سلطنة عُمان، وقدرة هذه المعلومات على الوصول إلى الأدوات والمنصات التي يستخدمها المسافر عالميًا.
المعلومة أساس التوصية
وتضع الوزارة جودة البيانات والمحتوى في صلب الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، إذ تعمل بحسب الغيثية، على تطوير منظومتها الرقمية وتحسين إدارة المعلومات المتعلقة بالمواقع والتجارب والمنشآت والخدمات، إلى جانب إتاحة البيانات السياحية والتراثية وتحديثها بصورة مستمرة.
وأشارت إلى أن الوزارة توفر بيانات مفتوحة لتمكين الجهات المختلفة من الوصول إلى معلومات موثوقة ومحدثة عن قطاعي التراث والسياحة، كما يقدم موقع «اكتشف عُمان» محتوى رسميًا عن الوجهات والتجارب السياحية في مختلف المحافظات.
وفي خطوة ترتبط مباشرة باستخدام الذكاء الاصطناعي، يعمل قسم دعم الشركاء في الوزارة على تطوير منصة رقمية موجهة لشركاء القطاع السياحي، تتضمن المساعد الافتراضي (Chatbot) ومخطط الرحلات الذكي (AI Trip Planner).
وأوضحت الغيثية أن البيانات التي تعتمد عليها هذه الأدوات جرى حصرها وتنظيمها لتستند الإجابات والتوصيات إلى معلومات محددة وموثوقة أعدت وراجعت لهذا الغرض، بدل الاعتماد على المصادر المفتوحة على الإنترنت، بما يقلل احتمالات تقديم معلومات قديمة أو غير دقيقة.
توزيع الحركة خارج الوجهات الأشهر
وترى الغيثية أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في توزيع الحركة السياحية جغرافيًا، من خلال تقديم توصيات تستند إلى اهتمام الزائر ومدة إقامته ووقت الزيارة ونوع التجربة التي يبحث عنها.
ومن خلال مخطط الرحلات الذكي، يمكن بناء مسارات تجمع بين المواقع المعروفة وتجارب أقل شهرة، وربط أكثر من وجهة في برنامج واحد، إلى جانب اقتراح بدائل عندما يرتفع الطلب على موقع معين أو تصل طاقته الاستيعابية إلى مستويات مرتفعة.
وأكدت أن قدرة الذكاء الاصطناعي على تنويع التوصيات تبقى مرتبطة بجودة البيانات التي يتلقى منها معلوماته؛ فإذا كانت قاعدة المعلومات محصورة في المواقع الأشهر ستظل التوصيات تدور حولها. ولذلك تحرص الوزارة على أن تشمل البيانات مختلف المحافظات والمقومات والتجارب، بما يسهم في تعريف الزائر بمناطق جديدة وإطالة مدة إقامته وتوزيع إنفاقه بصورة أوسع.
وتستفيد الوزارة كذلك من بيانات الأسواق المصدرة للسياح وأعداد الزوار والإشغال الفندقي لفهم اهتمامات الشرائح المختلفة، وتطوير باقات للمغامرات أو الطبيعة أو الثقافة أو التجارب المحلية أو السياحة الفاخرة، بدل تقديم رسالة تسويقية موحدة للجميع.
وفي مقابل هذه الفرص، تبرز تحديات مرتبطة بدقة المعلومات وحداثتها وحماية بيانات الزوار، إلى جانب خطر أن تعيد الخوارزميات اقتراح الوجهات الأكثر شهرة بسبب ارتفاع حضورها الرقمي. وترى الغيثية أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يظل أداة مساندة للقرار، مع وجود مصادر رسمية ومراجعة بشرية وحماية للخصوصية وأمن المعلومات.
من مشاهدة التجربة إلى خوضها
ومن جانب تصميم المنتج السياحي، أوضح إبراهيم بن خليفة الشعيلي، مدير عام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بمجموعة عُمران، أن المجموعة وظفت تقنيات الواقع الافتراضي لتقديم المواقع والتجارب بطريقة تتجاوز الصور ومقاطع الفيديو التقليدية.

**media[3526171]**


وأشار إلى تجارب السلك الانزلاقي في مسندم، ومغامرة كهف الهوتة، واستكشاف كهف مجلس الجن، حيث يستطيع الزائر الاقتراب من طبيعة المغامرة قبل خوضها على أرض الواقع.
وأوضح أن استطلاع آراء زوار تجربة محاكاة السلك الانزلاقي في مسندم أظهر رغبة عدد كبير منهم في خوض التجربة الحقيقية بعد المحاكاة، وهو ما يعكس قدرة الواقع الافتراضي على الانتقال من مجرد التعريف بالمنتج إلى التأثير في قرار الزيارة.
ويرى الشعيلي أن الفرق الأساسي يكمن في أن الصور والفيديو تجعل الزائر يشاهد التجربة، بينما تمنحه تقنيات الواقع الافتراضي شعورًا بأنه جزء منها، بما يوفر تصورًا أكثر واقعية لطبيعة المكان أو المغامرة.
التقنية تدخل في تصميم الوجهة
ولا تتوقف المرحلة التالية عند تقديم التجربة افتراضيًا، إذ يرى الشعيلي أن الذكاء الاصطناعي يفتح المجال أمام الانتقال من تجربة موحدة لجميع الزوار إلى تجربة أكثر تخصيصًا، من خلال تحليل اهتمامات الزائر وسلوكه والاستفادة منها في تطوير الخدمات والمرافق والمنتجات السياحية.
وأضاف أن نتائج التفاعل مع التجارب الافتراضية واستطلاعات الزوار يمكن أن تساعد على تحديد أكثر التجارب جذبًا وقياس أثرها في نية الزيارة، بحيث تصبح التقنية أداة لاتخاذ قرارات مرتبطة بتصميم التجربة نفسها.
ويرى أن التجربة المخصصة قد تبدأ قبل الوصول إلى الوجهة عبر اقتراح الأنشطة المناسبة لاهتمامات الزائر ومدة إقامته، ثم تستمر أثناء الزيارة من خلال خدمات وتوصيات تتكيف مع احتياجاته، لتنتقل التكنولوجيا بذلك من أداة ترويج إلى عنصر في صناعة التجربة السياحية.
من اكتشاف التجربة إلى حجزها
ومن زاوية ربط الزائر بالمنتجات السياحية، يرى شبيب بن محمد المعمري، المدير العام للمشغل الوطني للسفر Visit Oman، أن المنصات الرقمية اختصرت المسافة بين معرفة السائح بالتجربة وقدرته على حجزها.
وأوضح أن السائح كان قد يسمع سابقًا عن تجربة محلية مميزة، بينما يصعب عليه الوصول إلى مقدمها أو إتمام الحجز، أما المنصة الرقمية فتسمح بعرض التجربة ومقارنتها وإضافتها إلى برنامج الرحلة. وفي المقابل، تمنح المؤسسات الصغيرة ومقدمي التجارب فرصة للوصول إلى عملاء وشركاء خارج نطاقهم المعتاد.

**media[3526177]**


ويرى المعمري أن المرحلة المقبلة تتجه نحو منح كل مسافر قدرة أكبر على بناء رحلته بحسب مدة الإقامة والميزانية والاهتمامات؛ فسائح يبحث عن التراث والطعام يحتاج إلى خيارات تختلف عن أسرة تهتم بالطبيعة وأنشطة الأطفال. وستظل الباقات الجاهزة موجودة، فيما تمنح التقنية المسافر حرية أكبر لتركيب برنامجه واختيار الإقامة والتنقل والتجارب والتكلفة.
رحلة قابلة للتعديل
ويبدأ بناء هذه الرحلة، بحسب المعمري، بالمعلومات التي يختار السائح مشاركتها، مثل مدة الزيارة والميزانية وعدد المسافرين والاهتمامات واللغة وتفضيلات الإقامة والتنقل، إلى جانب بيانات محدثة من مقدمي الخدمات حول الأسعار والمواعيد والتوافر والمواقع ومدة كل تجربة.
وأكد أن البيانات المطلوبة ينبغي أن تقتصر على ما يحسن الرحلة فعلًا، مع توضيح كيفية استخدامها وإبقاء التحكم في التفضيلات لدى المستخدم.
ويمكن للذكاء الاصطناعي كذلك أن يساعد التجارب المحلية الأقل حضورًا على الوصول إلى السائح المناسب؛ فالتجربة الأصيلة قد تكون مميزة، لكن ينقصها الظهور باللغة المناسبة وفي الوقت المناسب. وعندما يملك مقدم التجربة وصفًا واضحًا وصورًا وأسعارًا وتوافرًا محدثًا وآلية حجز موثوقة، تستطيع المنصة ربطه بالزائر الذي تتوافق اهتماماته مع ما يقدمه.
كما يمكن أن تصبح الرحلة أكثر مرونة أثناء الزيارة؛ فإذا تغير الطقس، أو امتلأت تجربة، أو قرر الزائر تمديد إقامته في محافظة، تستطيع المنصة اقتراح بدائل تناسب المسار والميزانية، شريطة ارتباطها بمعلومات وتوافر حقيقيين وموافقة السائح على أي تغيير يمس حجزه أو تكلفته.
ويرى المعمري أن هذا التحول يوسع أيضًا دور الشركات السياحية التقليدية، إذ تبقى المعرفة الميدانية وحسن الاستقبال والتعامل مع الظروف المتغيرة قيمة بشرية، بينما تساعد التقنية في الوصول إلى العملاء وإدارة المنتجات والحجوزات بكفاءة أكبر.
"أخبرنا بما تريد"
ومن التطبيق العملي لهذه الفكرة، يقول إسحاق بن راشد المنجي، مؤسس منصة TripHype، إن فكرة المنصة انطلقت من الوقت الطويل الذي يستغرقه المسافر في التنقل بين مواقع وتطبيقات مختلفة للبحث عن الطيران والفنادق والأنشطة والمطاعم.
وأوضح أن الهدف هو جعل التخطيط أكثر سهولة، بحيث يفهم التطبيق احتياجات المسافر وميزانيته واهتماماته، ثم يساعده في بناء رحلة متكاملة بدل قيامه بجمع كل عناصرها بصورة منفصلة.
ويحتاج التطبيق إلى معلومات أساسية تشمل الوجهة ومدة الرحلة وعدد المسافرين والميزانية والاهتمامات ونمط السفر؛ فمسافر يبحث عن الطبيعة والمغامرات يختلف عن آخر يفضل الثقافة أو الاسترخاء أو التسوق.
وأضاف أن المنصة تستخدم الذكاء الاصطناعي لربط هذه التفضيلات بالخيارات المتاحة من الرحلات الجوية والفنادق والأنشطة، بهدف الانتقال من تجربة «ابحث واختر» إلى تجربة «أخبرنا بما تريد، وسنساعدك في التخطيط».

**media[3526172]**


برنامج يتغير مع الرحلة
وتعمل TripHype كذلك على تطوير التخطيط الجماعي؛ إذ يستطيع المستخدم إنشاء خطة ومشاركتها مع الأشخاص المسافرين معه، فيما تستهدف المراحل القادمة تمكين أفراد المجموعة من إضافة تفضيلاتهم ومساعدة الذكاء الاصطناعي في بناء برنامج يناسب أكبر قدر ممكن منها.
ويرى المنجي أن البرنامج ينبغي أن يظل قابلًا للتعديل أثناء السفر؛ فقد يتغير الطقس أو الموعد أو يرغب المسافر في استبدال نشاط بآخر، وهو ما تسعى المنصة إلى التعامل معه من خلال إعادة ترتيب البرنامج واقتراح بدائل مناسبة.
ويمكن لهذه الآلية، بحسب المنجي، أن تساعد أيضًا في إبراز المواقع والتجارب الأقل شهرة في سلطنة عُمان، عبر توجيه الزائر نحو خيارات تتوافق مع اهتماماته وربطه بمقدمي الخدمات المحليين، بما يسهم في توزيع الحركة السياحية على مناطق مختلفة.
الوظائف تتغير قبل أن تختفي
أما الدكتور حمد بن محمد المحرزي، عميد كلية عُمان للسياحة، فيرى أن دخول الذكاء الاصطناعي إلى الحجز وخدمة الضيف وقراءة الطلب وتصميم الرحلات يفرض سؤالًا يتعلق بالمهارات التي تحتاجها الكفاءات العُمانية خلال المرحلة المقبلة، بحيث تجمع بين إتقان التقنية والحفاظ على خصوصية الضيافة العُمانية.
وأوضح أن التأثير الأول سيكون على المهام قبل الوظائف؛ فأنظمة الرد الآلي تتولى الاستفسارات المتكررة، فيما تساعد نماذج التنبؤ في قراءة الطلب وإدارة العرض والتخصيص، مع استمرار الحاجة إلى إشراف بشري يراجع المخرجات ويصحح الأخطاء.

**media[3526173]**


ويرى المحرزي ضرورة التمييز بين مهمة يمكن أتمتتها، ووظيفة تتغير طبيعتها، ووظيفة قد تختفي فعلًا، مرجحًا أن يشهد القطاع خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة تغيرًا أكبر في طبيعة الوظائف من اختفائها الكامل. كما أن وتيرة التبني ستختلف بين المؤسسات الكبرى التي تمتلك بيانات منظمة والمنشآت الصغيرة التي قد تواجه تحديات في الكلفة والتدريب وتنظيم البيانات.
مهارات مختلفة
ويتوقع المحرزي توسع بعض الوظائف وظهور أدوار جديدة، من بينها محلل تجربة الزائر الذي يستفيد من بيانات الحجوزات والتقييمات والشكاوى لتحسين التجربة، ومشغل خدمات الضيوف الذكية الذي يدير المساعد الرقمي ويحول الحالات إلى موظف بشري عند الحاجة.
وأشار إلى أدوار تتعلق بمراجعة جودة المحتوى السياحي الرقمي وحوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي والخصوصية، موضحًا أن بعضها موجود حاليًا داخل فرق التسويق والتشغيل، بينما لا يزال بعضها الآخر في طور التشكّل.
وفي المهارات المطلوبة لطالب السياحة، يضع المحرزي إتقان أنظمة الحجوزات وعلاقات العملاء، وقراءة البيانات ولوحات المؤشرات، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتحقق من مخرجاتها، وحماية بيانات الضيوف والوعي بالأمن السيبراني، وفهم رحلة الزائر الرقمية في مقدمة المهارات الجديدة.
وأكد أن ذلك لا يعني أن يصبح كل طالب مبرمجًا، إذ تظل مهارات التواصل وحل المشكلات واللباقة وحسن التقدير عناصر أساسية في العمل السياحي.
ما الذي يبقى للإنسان؟
ويرى المحرزي أن التعليم السياحي يحتاج إلى مراجعة دورية للمناهج والمهارات بالتعاون مع أصحاب العمل، إلى جانب مشروعات تطبيقية ومحاكاة للمواقف والأنظمة التي سيواجهها الطالب، مع استمرار تطوير مهارات المدربين أنفسهم لمواكبة الأدوات الحديثة.
ويقسم المهام من حيث قابليتها للأتمتة إلى مهام روتينية مثل إدخال البيانات والردود الآلية والتقارير الدورية، ومهام تعززها التقنية مثل تصميم الرحلات والتسعير وإدارة الشكاوى، ثم مهام يبقى فيها الحضور البشري أكثر أهمية، مثل التعامل مع الأزمات، وتصميم التجارب الجديدة، والتعامل مع الحالات والاحتياجات الخاصة، وبناء الثقة مع الزائر.
وفي الجمع بين التقنية والهوية العُمانية، يقول المحرزي: إن الجانبين لا يتعارضان؛ فالتقنية تظل وسيلة، بينما تظهر الهوية في السلوك والقيم وطريقة تقديم الخدمة. ويمكن أن تنعكس هذه الخصوصية حتى في المساعد الرقمي الذي يتفاعل مع السائح بأسلوب عُماني ويحافظ على بياناته، مع بقاء الموظف البشري حاضرًا عندما تتطلب التجربة ذلك.