يعيش الإنسان اليوم وسط فائض هائل من المعلومات، ومع ذلك تبدو مهمته في فهم العالم أكثر صعوبة مما كانت عليه في أزمنة أقل اتصالا. تصل الأخبار قبل أن تكتمل وقائعها وتتحول المقاطع القصيرة إلى مصادر للمعرفة، وتتقدم الخوارزميات إلى موقع كان يشغله المحرر والمعلم والمثقف. وفي هذه البيئة تصبح إحدى أهم وظائف الإعلام أن يساعد المجتمع على استعادة قدرته على الفهم.
من هنا يمكن قراءة الدور الذي يؤديه الإعلام العُماني في مسيرة البلاد، فهذه المسيرة لا تحتاج إلى الطرق والموانئ والمصانع والمؤسسات وحدها، وإنما تحتاج كذلك إلى وعي اجتماعي يفهم اتجاهها، ويناقش خياراتها، ويدرك حجم التحولات التي تمر بها عُمان والمنطقة والعالم. وكل تحول اقتصادي أو اجتماعي كبير يحتاج، في نهاية الأمر، إلى مجتمع يفهم موقعه فيه وما يعنيه لمستقبله.
كانت مهمة الإعلام في مراحل سابقة أكثر وضوحا. كان عدد مصادر المعلومات محدودا، والمسافة بين الحدث والجمهور تمر غالبا عبر مؤسسة صحفية أو إذاعية أو تلفزيونية. تغيرت هذه المعادلة تماما. يحمل كل فرد اليوم في هاتفه تدفقا متواصلا من الأخبار والتعليقات والصور والفيديوهات، يمتزج فيه الصحيح بالمضلل والمهم بالعابر والمعرفة بالدعاية. ولم تعد المشكلة في الوصول إلى المعلومة، وإنما في معرفة ماذا تعني، وما سياقها وأي جزء منها يستحق أن يبقى في الذاكرة.
لهذا تبدو وظيفة الإعلام التنويرية اليوم أكثر أهمية وتعقيدا. التنوير هنا عمل يومي يبدأ من الدقة في الخبر ويمتد إلى تفسير السياسات العامة، وفتح المجال للنقاش العقلاني، وتعريف الناس بتاريخهم وثقافتهم وبيئتهم، وربط ما يحدث في قرية عُمانية صغيرة بما يحدث في الاقتصاد والمجتمع، وتقديم العالم بلغة تساعد القارئ والمشاهد والمستمع على تكوين رأيه على أساس من المعرفة.
وما تكشفه نماذج الإنتاج الإعلامي العُماني، من تناول البيئة والحياة الريفية إلى الثقافة والشباب والتاريخ، هو أن بناء الوعي لا يبدأ دائما من القضايا الكبرى. يمكن لقصة عن حوت يعيش في المياه العُمانية أن تفتح بابا للوعي بالبيئة، ولحكاية امرأة تطور حرفة موروثة أن تشرح معنى الاقتصاد المنتج بصورة أقرب إلى الناس، ولعمل عن الخليل بن أحمد الفراهيدي أن يعيد التاريخ من كتب التراث إلى المجال العام. هكذا تتراكم معرفة المجتمع بنفسه وبالعالم من حوله.
لكن المرحلة المقبلة تضع أمام الإعلام العُماني امتحانا أصعب، فالذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام تضخم غير مسبوق في إنتاج المحتوى، فيما تختصر المنصات زمن الانتباه وتزداد القدرة على صناعة صور وأصوات ووقائع يصعب على المتلقي التحقق منها. وفي هذه البيئة ستصبح الثقة أثمن من وفرة المعلومات نفسها. وستقاس قيمة المؤسسة الإعلامية بقدرتها على أن تقول للناس ما حدث بدقة، ثم تساعدهم على فهم أسبابه وآثاره في حياتهم ومستقبلهم.
وتحتاج عُمان، وهي تمضي في تحول اقتصادي واجتماعي واسع، إلى إعلام يرى المجتمع من الداخل، يعرف منجزاته كما يعرف أسئلته، ويتابع أثر السياسات والتحولات في حياة الناس. فالمشاركة الواعية في أي مشروع وطني تبدأ من المعرفة به وفهم أسبابه وغاياته، ومن وجود مساحة عامة تستطيع فيها الأفكار أن تُناقش على أساس من الحقائق.
الوعي لا يتشكل في حملة ولا تصنعه رسالة عابرة، إنه بناء طويل يبدأ من خبر دقيق وقصة جيدة، وسؤال لا يخشى الاقتراب من التعقيد، ومؤسسة تعرف أن احترام عقل الجمهور جزء من احترامها لمهنتها. وفي زمن يستطيع فيه الجميع إنتاج المحتوى، تصبح القيمة الحقيقية للإعلام في قدرته على مساعدة الناس على فهم ما يحدث حولهم، والتمييز بين ما يستحق التوقف عنده وما يمر عابرًا في الضجيج.